بسم الله الرّحمن الرّحیم سيزدهم شوّال، سالروز رحلت مرحوم استاد اعظم حضرت آيت‌الله العظمي بروجردي اعلی‌الله‌مقامه زعيم بزرگ شيعه است كه در عصر خود، نمونه ممتاز و آسماني از رجال ايمان، خداپرستي و خداخواهي و وجودش، سرشار از عقيده و توحيد بود. آن فقيه...
پنجشنبه: 1399/04/12
ذکری سماحة الزعیم الأکبر آیة الله العظمی السید البروجردی قدّس سره

ذکری سماحة الزعیم الأکبر آیة الله العظمی السید البروجردی قدّس سره

بسم الله الرحمن الرحیم

نموذج من الفضائل و المکارم الأخلاقیة
یصادف الیوم الثّالث‌‌عشر من شهر شوّال، ذکری رحیل فقید الأمة‌ الإسلامیة المقدّس آیة‌الله العظمی السّید البروجردی أعلی الله مقامه، الزّعیم الکبیر للشّیعة و الّذی کان فی عصره، نموذجاً ممتازاً و إلهیاً من رجال الإیمان و العبادة و وجود مفعم بالإعتقاد بالتّوحید.
إنّ الفقید العظیم کان تذکاراً لجدّه الأعظم السبط الأکبر علیه‌السلام فی الأخلاق الکریمة و السّجایا الحمیدة و الخشیة من الله.

الخوف من الله تعالی
کلّ جهات العظمة الشخصیة قد اجتمعت فی وجوده الشریف و التی کان أکبرها الخوف من الله تعالی و یوم المعاد؛ کان یعتقد بالله تعالی و بالقیامة بتمام الإعتقاد.

الزّهد عن طلب الدّنیا
لم‌یتراءی فیه طلب الدّنیا و الرئاسة. کان یکرّر بنفسه قائلاً – و لاشکّ فی صدقه-: «لم احذو حذواً واحداً للمرجعیة و الرئاسة الدّینیة.»

تجلّی صفات المتّقین
کانت ترائی فیه الصفات التی عدّدها أمیرالمؤمنین لهمّام من صفات المتّقین:
فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ النَّارُ
كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ

المواظبة علی صرف بیت المال
کان یواظب فی صرف بیت المال مواظبة شدیدة و یمکن أن یقول لم یعط أحداً دینارً غیر ابتغاء وجه الله.
کان لایصرف لحاجاته الشخصیة کاللباس بل الطعام من السهم المبارک للإمام علیه‌السلام و من بیت المال.

البساطة فی العیش
البیت و داخله کان بسیطاً دون الکمالیات،‌ کان یفرش بالسجادات القدیمه التی لعله کان قد ورثها.
تجلیل العلماء الکبار و العظام
کان یحترم الکبار من علماء السلف و المعاصرین.

الإهتمام بالمستحبّات

و کان لایجامل و لایسامح فی إظهار الحق و إبطال الباطل و کان یهتمّ فی رعایة الأمور و الحقوق التی کانت رعایتها من المستحبّات و الآداب و المکارم الأخلاقیة.

مقتطفات من کتاب (فخر دوران) تالیف سماحه آیه الله العظمی الصافی الکلبایکانی دام ظله الوارف

شنبه / 17 خرداد / 1399
تساؤلات ، و إجابات (وصايا المرجع الصافي حول الشعائر الحسينية)
الشعائر الحسينية فی کلام المرجع الديني/ق 2

الشعائر الحسينية فی کلام المرجع الديني الصافي الكلبايكاني مد ظله /

 القسم الثانی : تساؤلات ، و إجابات (وصايا المرجع الصافي حول الشعائر الحسينية)

المصدر : كتاب الشعائر الحسينية،  ص46ـ ص57

الشعائر الحسينية

 

س 1. تقوم أحد دور النشر سنوياً بإصدار نشرة ثقافية في شهر محرم الحرام حيث تطرح الملحمة الحسينية لجمهور المؤمنين وإيصال الفكر الإسلامي من خلال ما طرحه سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام).

ومن هذا المنطلق نرجو من سماحتكم التفضل بالاجابة على الاستفسارات التالية بغية نشرها لتعم الفائدة على جمهور المؤمنين.

1. ما هو دور المنبر الحسيني ومدى تأثيره في مجتمعتاتنا؟

2. ماهي رسالتكم لأصحاب الحسينيات والمتولّين عليها؟

3. ماهي رسالتكم لخطباء المنبر الحسيني؟

4. ما هي رسالتكم لجمهور المجالس الحسينية؟

ج 1: غير خاف عليكم وعلى جميع المؤمنين ما للمنبر الحسيني من فوائد ومدى تأثيره في مجتمعاتنا من الهداية إلى الأحكام الشرعية وما للتضحية في سبيل الله من الأجر والثواب.

ج 2: لأصحاب الحسينيات ومتولّيها أوّلًا الأجر والثواب ؛ لقيامهم بإدارة شؤونها، وعليهم ثانياً أن يسلكوا مع المرتادين سلوكاً مرضياً لهم ومرضيّاً لله تعالى.

وفق الله الجميع لإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام).

ج 3: حضرات السادة خطباء المنبر الحسيني حفظهم الله ووفقهم لمراضيه هم أعرف بما يجب عليهم من إرشاد المستمعين بتلاوة الآيات القرآنية وذكر أحاديث أهل البيت عليهم أفضل التحية والسلام.

ج 4: رسالتي لهم الاتعاظ بالمواعظ والعمل بها \ ليصبح الجمهور أُمّة مسلمة مؤمنة موالية لأهل البيت (عليهم السلام).

س 2. ما هي نصيحتكم حول الاهتمام بالمساجد والحسينيات بشكل عام؟

ج: قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)[1]

والمساجد والحسينيات من شعائر الله وشعائر الإسلام وشعائر المذهب، فتعظيمها وتكريمها بأي صورة شرعية وعمرانها بالاجتماع فيه لإقامة الجماعات وقراءة القرآن وتعلّم الأحكام واستماع الحديث وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام وفضائلهم ومناقبهم ومصائبهم سيّما مصائب مولانا سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فذلك كلّها من تعظيم شعائر الله، وقد قال تعالى: (وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ‏)[2]، ولهذه المظاهر والمجامع فوائد جليلة كثيرة تزيد بها شوكة الإسلام والمسلمين ورفع مستواهم الثقافي، فمن لا يستفيد من اجتماعات هذه المساجد والمجامع يكون في معرض الوقوع في شبكات الملحدين والمبدعين.

ومن عمران المساجد والحسينيات حفظها عن كلّ ما ينفر الطباع السليمة من الحضور فيها، وذلك بحفظ نظافتها، ورعاية آدابها الشرعية والعرفية، وتنزيهها عن الاشتغال بالأُمور الدنيوية التي لا ترتبط بالدين ومصالح المسلمين.

س 3. ماهي نصائحكم للراثين على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في أيّام محرم الحرام؟

ج: أنصح من يتصدى لرثاء الحسين عليه وعلى أصحابه الكرام أفضل التحيةوالسلام في محرم الحرام وغيره من الأيّام أن يذكر المطالب الصحيحة من الأُصول والكتب المعتبرة، وأن يتجنّب الكذب والغناء واستعمال آلات اللهو. وعلى الجملة اجتناب جميع منافيات غرض الشارع المقدس وما قصده سيد الشهداء بقيامه، وإخلاص النية ليدرك أجر إقامة العزاء. والله هو الموفق والمعين.

س 4. بلدان الاغتراب مملوءة بمظاهر المادية والكفر والإباحية .. وكل شي‏ء فيها يشجع على ذلك من القوانين إلى وسائل الأعلام إلى التربية في المدارس بل حتّى الإنسان والأطفال، وقد اضطرتنا الظروف إلى العيش في هذه الأجواء. ولا يخفى عليكم انّ أنجع وسيلة للحفاظ على ديننا ودين أبنائنا هي إقامة المجالس‏ الحسينية، فهي أفضل طريق لتزكية النفوس وتعليمها وربطها عاطفياً بشريعة سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) وإقامة هذه المجالس تحتاج إلى نفقات عالية من تجهيز القاعات التي تقام فيها، والأجهزة الصوتية، وما يوزع فيها من وجبات طعام وشراب، والهدايا التي تدفع للعلماء والخطباء والرواديد والشعراء الذين يحيون هذه المجالس خصوصاً أنّ بعضهم يُدعى من خارج هذه البلدان فتدفع إليهم نفقات سفرهم ... ويتسابق المؤمنين لتغطية هذه النفقات من خالص أموالهم لا ممّا يجب عليهم من الخمس والزكاة ونحوهما من الفرائض المالية، فإنّهم يصرفونها في وجوهها التي حدّدها الشارع الأقدس، بل يدفع الكثير منهم زيادة على ذلك مساعدات إلى الفقراء من ذوي رحمهم وأهل بلدهم، وقد نمت واتّسعت تلك المجالس واتّسعت النفقات باتّساعها حيث بلغت نفقات بعضها عشرين ألف دولار في عشرة أيام؛ ولذا فقد ظهرت أخيراً موجة عنيفة من التشكيك مفادها أنّ مساعدة فقراء وأيتام البلدان الإسلامية كالعراق أفضل من ذلك، فأيّهما أفضل وأكثر ثواباً عند الله عزوجل، إقامة المجالس الحسينية في الظروف المذكورة أم مساعدة الفقراء؟

ج: إنّ الاهتمام بإقامة أمثال هذه المجالس والمراسم وصرف المال الكثير بلغ ما بلغ هو رمز لحياتنا ومن شعائر ديننا ومذهبنا، وبها تحفظ هويتنا الإسلامية وشخصيتنا المذهبية، ولا يقوم مقامها أي عمل آخر. وغير خاف أنّ فوائدها الاجتماعية ومنافعها السياسية قوية جداً، إذ بها يحيا الإيمان في النفوس، وبها يزداد الحب لله ولرسوله ولأئمتنا- سلام الله عليهم- وحب الخير والإحسان والإيثاروالعزم على التضحية والانفاق في سبيل الله وبذل المال لمعونة ا لمعوزين والفقراء وإنشاء الجمعيات الخيرية والمستشفيات والمساجد وغيرها.t t

فاللازم على القائمين بأمثال هذه الشعائر المقدّسة والمشرفين عليها أن يكونوا خبراء بمعاني هذه البرامج المباركة، ومالها من الفوائد الإيمانية والتربوية والأخلاقية والسياسية، وينبغي لنا أن نمعن النظر إلى باطنها عن ظاهر وإلى حقيقتها من مجازها، بل الواجب هو الالتزام بمفاهيم ولاية أهل البيت (عليهم السلام) ومعانيها القيمية ومقاصدها العظيمة التي منها العطف على الفقراء والمحرومين وإدارة شؤونهم (من أصبح ولم يهتم بأُمور المسلمين فليس منهم) فإن مجالسنا شعائر كلّها لا تخلو من‏ الدعوة إلى مافيه حياة الأُمة وخيرها وسعادتها وبها نهتدي إلى أهل البيت وهدي الحسين- سلام الله عليهم أجمعين- وهدي مولانا وصاحب أمرنا بقية الله أرواح العالمين له الفداء. ولا حول ولا قوة إلّا بالله.

س 5. كلمة حول عاشوراء لمجلة التوعية الصادرة عن جمعية التوعية الإسلامية في البحرين أيام عاشوراء كيف يجب أن تكون؟

ج: إقامة العزاء للمعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يجب أن تكون متمحضة ببيان فضائل أهل البيت (عليهم السلام) المتّخذة من خطبهم وبياناتهم ومواعظهم (عليهم السلام)، وبعيدة عن كلّ ما يشين بها من استعمال الآلات الموسيقية المتداولة في هذا الزمان، كي لا تكون مهزلة الأجانب والأعداء، خاصة أيام عاشوراء فهي من المصائب العظيمة المقرحة لقلوب الأعداء فضلًا عن الأحبة وشيعتهم، وتكون موجبة لمرضاتهم- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- وفق الله الجميع لتعظيم هذه الشعائر.

س 6. ماهي النصيحة التي تقولونها للخطباء؟

ج: وصيتي لهم أن يعملوا بما يقولونه للناس، ويجعلوا التقوى شعاراً لأنفسهم، ويعملوا لله، ويحذروا عن موعظة الناس وتحذيرهم عن الإكباب على الدنيا لجلب حب الناس وتوجّههم إليهم، فإنّ ذلك موجب للحسرة والندامة.

t t

والحاصل: أنّ عملهم هو عمل الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وشؤونهم فوق سائر الشؤون، ولا يعلم أجر عملهم إلّا الله تبارك وتعالى، فلابدّلهم من المحافظة على هذا الشأن، وأدعو لهم أن يوفّقهم الله لذلك.

س 7. تخرج في ذكرى وفيات أهل البيت (عليهم السلام) العديد من المواكب العزائية السيارة التي تطرح فيها مصائب أهل بيت العصمة والطهارة، وتحيي ذكرهم من خلال القصائد التي تلقى من قبل بعض المؤمنين، وما يصاحبها من لطم على الصدور حزناً وأساً على مصاب أهل البيت (عليهم السلام). وفي الآونة الأخيرة أُثير حول بعض هذه المواكب الكثير من الإشكالات وعلامات الاستفهام من قبل العامة، ولهذه توجّهنا لسماحتكم بالأسئلة كالتالي:

1. في رأيكم الشريف هل إقامة مثل هذه المواكب أمر راجح شرعاً وعقلًا، أم أنّ الأولى تركها وعدم إقامتها؟

2. هل مثل هذه المواكب تعتبر إحياء للشعائر الإلهية التي أمر الله بإحيائها، أم أنّها بدعة ليست في الدين من شي‏ء؟

3. هل هناك إشكال شرعي في إقامة العزاء على أهل البيت (عليهم السلام) على الصورة المذكورة سابقاً؟

4. تتخلل القصائد الملقاة أثناء مواكب العزاء المزبور إشارات تتعلّق بالوضع الاجتماعي والعقائدي ومصالح المسلمين العامة مع ذكر مصائب أهل البيت (عليهم السلام)، فهل في ذلك إشكال شرعي؟

5. هل يجوز للمؤمنين التنازل عن إقامة مثل هذه المواكب بذريعة التعرض للضغوط الداخلية والخارجية التي تخطط لمحو مراسم العزاء الحسيني؟

6. ما هو الحكم في حالة تعرض المواكب المزبورة لبعض المضايقات التي تهدف لتحجيمها ومحوها في سبيل إطفاء نور أهل البيت (عليهم السلام) وإخماد ذكرهم وتضييق الخناق على أتباع المذهب الحق للتنازل عن معتقداتهم؟ وما هو واجب علماء الدين ووجهاء الطائفة في مثل هذه الحالة؟

7. هل يجوز للآباء منع أبنائهم من الذهاب لإحياء مراسم العزاء الحسيني؟

8. ما هو واجب العلماء تجاه هذه المواكب؟

ج: وأمّا ما ذكرتم من الأسئلة حول المواكب الشريفة التي تطرح فيهامصائب أهل البيت (عليهم السلام) وتحيي بها أمجادهم الخالدة وتضحياتهم المباركة في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى وحفظ الدين والشريعة والمثل الإنسانية العليا، فلا شك ولا ريب في أنّها من أعظم ما رغب فيه الشرع المقدّس، وأنّها من الشعائر التي يجب على كلّ مسلم بل على كلّ إنسان يحترم الحق والعدل وكرامة الإنسان ومقاومة الاستكبار، أن يشارك فيها ويؤيّدها.

ولا شكّ أنّ القصائد والشعارات التي تلقى في هذه المراسم وترشد الناس إلى حقوقهم الاجتماعية والسياسية والاهتمام بأُمور المسلمين العامة وأمثالها ممّا يستفاد له من هذا الفرصة الحسينية العظيمة- أُمور محبوبة لله تعالى، لأنّها توجب تقوية المؤمنين ضد أعداء الدين والمستكبرين. أمّا التنازل عن إقامة هذه المواكب وأمثالها بذريعة أنّها تعرض المؤمنين لضغوط داخلية أو خارجية فمعناه التنازل عن القيم الإنسانية والمطالبة بالعدالة الاجتماعية. وأعداء هذه المواكب (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ‏)[3]. نعم ينبغي أن لا يكون إقامة هذه المواكب تعريضاً للنفوس للهلاك وإراقة الدماء، وأن يكون بالأساليب الحكمية المقبولة.

وعلى هذه فعلى الآباء تشجيع أبنائهم إلى الذهاب والمشاركة في إحياء هذه المراسم والاستفادة ممّا فيها من الدروس والعظات.

وعلى العلماء تفهيم الناس ما في مواكب النهضة الحسينية من الحقائق والمعارف الدينية.

س 8. كتب الصحفي المصري المعروف الدكتور نبيل شرف الدين في شبكة هجر الثقافة بتاريخ 4/ 5/ 2000 م موضوعاً بعنوان (المشهد الحسيني في القاهرة) قال فيه:

على باب ضريح الإمام الحسين في القاهرة لوحة رخامية كبيرة كتب عليها بالذهب الحديث النبوي الشريف: الحسن والحسين مني ... من أحبهما أحببته، ومن أبغضهما أبغضته ...

وداخل المسجد أكبر ثريا «نجفة» في العالم العربي (كما يؤكّد إمام المسجد)، وهي للحق آية الجمال والبهاء، ووزنها (كما هو مثبت في دليل تاريخ الضريح وصاحبه) يصل إلى خمسة أطنان من الكريستال المحلّى بالذهب الخالص، وقوائمها من الفضة الخالصة.t

أمّا السجاد فحدث ولا حرج، فقد تبرع العام الماضي أحد كبار التجار من طائفة البهرة (الذين يقيمون حول الضريح) بسجادة فارسية تعود إلى القرن العاشر الميلادي، وحجمها يبلغ 16 متراً مربعاً، وهي من الحرير الخالص، وقد فرشت في المقام (الضريح) الذي يقع في الجانب الشرقي داخل المسجد .. ويعقد داخل المسجد

يومياً أكثر من خمسمائة عقد قران تصل أيام الخميس والجمعة إلى الألف، حيث يحرص آلاف المصريين على عقد قرانهم داخل المسجد الحسيني، وبعضهم يأتي من مدن مصرية بعيدة قد تبتعد عن القاهرة أكثر من سبعمائة كيلومتراً.

للحسين، ومسجده، وضريحه، ومشهده منزلة خاصة في نفوس المصريين (السنة).

وفي شهر رمضان يستحيل على المرء أن يجد موضعاً لقدم في هذا الميدان المعروف بالمشهد الحسيني. واسألوا الدكتور جمال الصباغ كيف كان يسير هناك حينماتقابلنا في رمضان أنا وهو والأخ حازم محرز ... باعة لكل شي‏ء. من المصوغات الذهبية إلى التحف اليدوية ... مكتبات ضخمة ... مقاهي شديدة الجمال ... مطاعم شهيرة ... حلقات ذكر ... ندوات دينية وأُخرى ثقافية ... مواكب زواج ... سياح أجانب يقفون مذهولين لروحة المكان وتلك الأعداد الغفيرة من الزوار ...

كلّ هذا في كفة ... و «مجاذيب الحسين» في كفة أُخرى، فهناك حول الضريح تجد عشرات ممّن ارتدوا «الخرقة الصوفية» وتركوا بيوتهم وأعمالهم واستأنسوا بالحسين، أقاموا حول الضريح يلتحفون السماء ويفترشون الأرض، يأكلون ما يجود عليهم به أهل الخير (وما أكثرهم هناك) ويصلّون الصلوات الخمس في المسجد.

في رمضان لست مضطراً لأن تدفع نقوداً لكي تفطر إذا ما كنت في ميدان الحسين، فأهل الخير يحملون آلاف الوجبات ويقدّمونها مجاناً للصائمين وعابري السبيل. وفي كلّ شهور السنة يحرص الكثير من الأغنياء على توزيع زكواتهم وصدقاتهم على الناس حول الضريح.

أمّا في صلاة العيدين فحدث ولا حرج. تغسل الأرض والله العظيم غسلًا لا تكاد تميز بين عامل النظافة الموظف رسمياً لهذا الغرض، وبين مئات الشباب والشيب الذين يشمرون عن سواعدهم ويحملون «المقشات» ليكنسوا الميدان، بعضهم أطباء ومهندسون وضباط وأساتذة جامعات وتجار أثرياء. كلّهم يعتقدون أن الله تعالى سيبارك الميدان لهم عندما يتواضعون ويكنسون الميدان ويرشون الماء.

 

في الفجر يحضر الموكب الرسمي لرئيس الجمهورية ومعه كلّ الوزراء وشيخ الأزهر، ويحظر سير السيارات في هذا الميدان وكافة الشوارع المؤدية إليه، ويتجاوز عدد المصلين المليون شخص كلّ عيد تستمع لابتهالات الشيخ سيد النقشبندي وإنشاد الشيخ ياسين التهامي حتّى يرفع المؤذن الأذان: الله أكبر الله أكبر، فيتحول الكون كلّه لمستمعين لهذا النداء السماوي الجليل.

عجائز أتين من أقصى الصعيد حملن بضع قروش يوزعنها وفاء لنذر تحقّق، سيدات يتعلّقن بأستار الضريح راجيات تحقيق أملهن في إنجاب طفل حرمن منه، أو عودة ابن غريب اضطرته الحياة الصعبة للرحيل في بلاد الله، وثمة رجل طاعن في السن يذرف دمعة حرّى وهو يناجي صاحب الضريح قضاء حاجة يعلمها الله وحده.

يتعامل الناس هنا في مصر مع الحسين كأنّه مازال حياً داخل الضريح.

يتحاكمون إليه في منازعاتهم ...

بعضهم يرسل إليه خطابات عبر البريد وصلت خلال العام الماضي إلى أكثر من مليون رسالة كما أكدت هيئة البريد المصرية التي تسلمها لخدام الضريح.

المرسل: ...

المرسل إليه: حضرة الإمام سيد شهداء الجنة الحسين بن علي رضوان الله عليهما وصلاته.t t العنوان: القاهرة مسجد الإمام الحسين.

رائحة العطور تغمر أنوف زوار الضريح، وأنوار لا تنطفئ ولم تنطفئ منذ قرون وجلال لا يضاهيه حتّى ضريح السيدة زينب التي يحلو للمصريين إطلاق عدة ألقاب عليها، منها «أم العواجز» و «رئيسة الديوان» و «الطاهرة».

في المسافة الممتدة بين الضريحين تقع أجمل وأبهى أحياء القاهرة. الدرب الأحمر .. القلعة .. الحسينية .. باب الخلق .. باب النصر .. باب الفتوح .. الباطنية .. الجمالية .. الكحكيين .. المغربلين .. الخ.

لأهل البيت في مصر منزلة لا يشعر بها إلّا من يعرف المصريين جيداً، فحينما حاول بعض المتطرفين ذات يوم تفجير قنبلة في منطقة الحسين «خان الخليلي» لم يسلمهم الناس للشرطة، بل فتكوا بهم، فحينما وصلت قوات الأمن لم تجد سوى جثت هامدة، ولم يزل الفاعل مجهولًا حتّى اليوم، فقد تفرقت دماؤهم بين القبائل.

ماهو تعليق المرجع الديني آية الله العظمى الصافي مد ظله على موضوع الدكتور نبيل شرف الدين؟

ج: اطّلع سماحة المرجع الديني الكبير الشيخ لطف الله الصافي مد ظله على موضوع الكاتب المصري، فتفضل بكتابة ما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

بعد الحمد والصلاة،

فإني لا أقدر على وصف ما حصل لي من الوجد والشوق، والإحساس بالقرب والحضور، والجلوس على بساط المحبة والأُنس والخشوع لله تعالى. عند ما طالعت ما كتبه بعض الأدباء العارفين عن الحالات العطرة والروحانية القدسية، التي تحصل لزوار مشهد مولانا سيد أهل الإباء، وواحد أهل المباهلة والعباء، أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، في مصر، القطعة الشريفة من وطننا الإسلامي الكبير، التي حازت شرف ولاء أهل البيت (عليهم السلام) من أوّل ما أشرق عليها نور شمس الدعوة المحمدية والرسالة الإلهية.

لقد كررت مطالعة هذا التصوير الجميل لمظاهر الولاء ومحبة النبي والآل صلوات الله عليهم، والاجتماعات والاحتفالات والحلقات في مشاهدهم النورانية، العامرة بذكر الله تعالى وعبوديته.

إنّ مشهد الإمام الحسين (عليه السلام)، من البيوت التي إذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، بل هو من أفاضلها كما رواه السيوطي، ولو لمن يكن بيت علي وفاطمة الزهراء وسيدي شباب أهل الجنة، بعد بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أفضل تلك البيوت، فبيت من يكون؟!

وجدت نفسي بعد قراءة هذا المقال مفعمة شوقاً وحضوراً بالله تعالى، ورغبةً في زيارة هذا الضريح الشريف والمشهد الجليل، الذي تسطع منه أنوار الجمال المحمدي والجلال العلوي، المشعة من جلال الله تعالى وجماله الأزلي السرمدي.

وهي معان يدركها ويشعر بها من يدرك بحقيقة إيمانه بالله ورسوله ما لهذه المشاهد المرفوعة التي تخدمها ملائكة الله تعالى، من قدر عند الله تعالى ورسوله.

وجدت نفسي كأنّي في مصر، في جوار الضريح الشريف والحضرة الحسينية، بين إخواني الزائرين المصريين الوالهين، الموالين لأهل البيت (عليهم السلام)، وهم يتبرّكون بالمقام ويغتنمون الفوز فيه بالصلاة والابتهال ومناجاة الله تعالى، يطلبون حاجاتهم من ربهم عنده، ويصلّون على النبي، وعلى شهيد الإخلاص والإباء، شهيد معالم الإنسانية الكبرى، شهيد كل المكارم، أبي عبد الله الحسين، حسين التضحية والجهاد والإيثار، حسين الصبر والشجاعة، حسين الإسلام والإنسانية.t

اللهم كحّل بصري بمشاهدة تراب ضريحه في مصر وكربلاء.

نعم، وجدت نفسي في هذه البقعة المباركة التي شرفها الله تعالى بكرامة الانتساب إلى سبط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فرأيت بعين قلبي ملائكة الله تعالى محدقين بها.

فهنيئاً لزوار تلك البقعة المباركة، طور تقرب أولياء الله، ومهبط ملائكة الله.

وهنيئاً لإخواننا أهل مصر ما هم فيه من جوار ضريح سيد شباب أهل الجنة.

هنيئاً لهم هذا الفوز العظيم. ثم هنيئاً لهم ما هم فيه من ولاء أهل البيت (عليهم السلام).

هنيئاً لهم جميعاً .. لشيوخهم وشبابهم، رجالهم ونسائهم، علمائهم وتلاميذهم، أساتيذهم وطلاب جامعاتهم. فيا ليتنا معهم فنفوز بما يفوزون به عند هذا الضريح المبارك.

ويا مولاي يا حسين، يا أبا عبد الله، يا بن رسول الله، يا من استنقذت عباد الله بتضحيتكم الكبرى، من جهالة الضلالة. أشهد أنّك رفعت أعلام الدين، وكسرت صولة المستكبرين والمستعبدين، ونصرت الله ورسوله، مجاهداً صابراً. وأشهد أنّ الله يحب من أحبك، ويبغض من أبغضك، وأن الله طهركم يا أهل البيت من الرجس تطهيراً.

 

 

 

[1] ( 1). التوبة: 18.

[2] ( 2). الحج: 32.

[3] ( 1). الصف: 8.

لبس السواد حزنا على سيد الشهداء عليه السلام
الشعائر الحسينية فی کلام المرجع الديني/ق 1

الشعائر الحسينية فی کلام المرجع الديني الصافي الكلبايكاني مد ظله

 القسم الأول : لبس السواد حزنا على سيد الشهداء عليه السلام

المصدر : كتاب الشعائر الحسينية،  ص27ـ ص46

حكم لبس السواد

 

هل أنّ لبس السواد في عاشوراء حزناً على الإمام الحسين (عليه السلام)، أمر مستحب أو راجح شرعاً؟ وهل يتنافى ذلك مع ماهو معروف في فقهنا من كراهة لبس السواد؟

الجواب:

نعم انّ لبس السواد في عزاء سيد الشهداء وعزاء سائر المعصومين- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- من الأعمال الراجحة، ومن مصاديق تعظيم شعائر الله، ومن مظاهر إعلان الولاية للنبي وآله والبراءة من أعدائهم وظالميهم، وقد كان هذا المظهر وغيره من مظاهر الحزن شعاراً لمحبي أهل بيت النبي الطاهرين من صدر الاسلام إلى يومنا هذا.

أمّا فتوى عدد الفقهاء بما ينافي ظاهرها ذلك فهي أوّل الكلام، وأمّا الروايات الواردة في كراهة لبس الثياب السواد، فهي إن تمّت لا تشمل لبس السواد حزناً في مناسبات عزاء المعصومين (عليهم السلام)، وخلاصة الكلام في ذلك:

أوّلًا: أنّ عمدة دليل الفتوى بكراهة لبس الثياب السود هو دعوى الإجماع، وهو إجماع غير محصّل، وعلى فرض أنّه محصّل لا يكون كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام)، لاحتمال استناده إلى الاخبار الواردة في هذا الباب.

أمّا الأخبار التي قد يستدلّ بها فعمدتها مراسيل وضعاف، وإنّما تمسّك من أفتى بالكراهة اعتماداً على التسامح في أدلّة السنن بناء على شموله لأدلّة المكروهات أيضاً.

لكن يرد عليه أنّ من المشكل شمول دليل التسامح في أدلّة السنن والمستحبات لأدلّة المكروهات، لأنّ غاية ما يستفاد منه أنّ من بلغه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شي‏ء من ثواب ففعل ذلك طلب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان له ذلك، وإن كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقله.[1]

فكيف يمكن تعميم ذلك إلى أدلة ترك العمل برجاء الثواب إلّا باعمال عناية بأن يفترض أنّ المقصود منها (من بلغه ثواب على عمل أو على ترك عمل) وهو محل إشكال وتأمّل.

ثانياً: أنّ القول بجبران ضعف الأخبار الدالّة على كراهة لبس السواد بعمل الأصحاب لايتم إلّا إذا ثبت استنادهم في فتواهم بالكراهة إليها، لكن يحتمل استنادهم إلى قاعدة التسامح في أدلّة السنن، فلا يتم المطلوب.

ولو سلّمنا تمامية انجبار ضعف الأخبار بالعمل، فإنّ دلالتها على كراهة لبس السواد مطلقاً محل إشكال، بل منع كما سيأتي.

ثالثاً: لو سلّمنا تمامية الأخبار المذكورة وقبول الفتوى بكراهة لبس السواد، فإنّ إثبات حكم موضوع لموضوع آخر، أو إثبات حكم موضوع ذي خصوصية لموضوع فاقد الخصوصية، لا يصح إلّا مع اليقين بتساوي الموضوعين في موضوعيتهما للحكم، وبعدم دخالة الخصوصية في الحكم، وإلّا لكان قياساً وحكماً بغير علم.

ومن أين لنا العلم بأنّ لبس السواد حزناً لمناسبات عزاء المعصومين (عليهم السلام) لا خصوصية له؟! فيبقى لبس السواد فيها على حكمه الأولي، وهو الاستحباب والرجحان، لأنّه من مصاديق إعلان الولاية والبراءة، ومصاديق تعظيم شعائر الله تعالى، ومصاديق «يحزنون لحزننا ...»[2] وغيرها من الأدلّة المعتمدة.

2- الظروف السياسية لأخبار لبس السواد

من الثابت تاريخياً وفقهياً أنّ بني العباس جعلوا شعارهم في حركتهم الرايات السود، والظاهر أنّ هدفهم من ذلك محاولة تطبيق أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المهدي (عج) وظهور الرايات السود التي تمهّد له، على حركتهم وراياتهم!

ثم اتّخذوا لبس الثياب السود شعاراً لهم وعلّلوا بأنّه شعار حزن على قتل الإمام الحسين (عليه السلام) وغيره من شهداء أهل البيت (عليهم السلام)، وبأنّه أكثر هيبة.

وبعد سيطرتهم ألزموا أعضاء دولتهم به ثم ألزموا عامّة الناس بلبس السواد! ثم بلبس القلانس‏[3] السوداء الطولية!! .. الخ.

وهذه نماذج من أخبارهم في ذلك:

* روي ابن شهر آشوب في كتاب «مناقب آل أبي طالب» عن «تاريخ الطبري»: أنّ إبراهيم الإمام أنفذ إلى أبي مسلم لواء النصرة وظل السحاب، وكان أبيض طوله أربعة عشر ذراعاً مكتوب عليها بالحبر (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)[4]، فأمر أبو مسلم غلامه أرقم أن يتحوّل بكلّ لون من الثياب، فلمّا لبس السواد قال: معه هيبة، فاختاره خلافاً لبني أمية، وهيبة للناظر. وكانوا يقولون: هذا السواد حداد آل محمد، وشهداء كربلا، وزيد، ويحيى.[5]

وروي أبو الفرج الاصفهاني في كتابه «مقاتل الطالبيين».

أخبرنا يحيى بن علي قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثنا علي بن الجعد قال: رأيت أهل الكوفة أيام أخذوا بلبس السواد حتى أنّ البقّالين إن كان أحدهم ليصبغ الثوب بالأنقاس‏[6] ثم يلبسه.[7]

* وقال: عن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: امتنع من لبس السواد، وخرقه لمّا طولب بلبسه، فحبس بسر من رأى حتى مات في حبسه، رضوان الله عليه.[8]

* عن القاسم بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام): كان عمر بن الفرج الرخجي حمله إلى سر من رأى، فأمر بلبس السواد فامتنع، فلم يزالوا به حتى لبس شيئاً يشبه السواد، فرضى منه (بذلك) وكان القاسم رجلًا فاضلًا.[9]

* وقال ابن الاثير في «البداية والنهاية» عن الأوزاعي: «وقد اجتمع الأوزاعي بالمنصور حين دخل الشام ووعظه وأحبّه المنصور وعظّمه، ولمّا أراد الانصراف من بين يديه استأذنه أن لا يلبس السواد فأذن له، فلمّا خرج قال المنصور للربيع الحاجب: الحقه فاسأله لم كره لبس السواد؟ ولا تعلمه أنّي قلت لك، فسأله الربيع؟ فقال: لأنّي لم أر محرماً أحرم فيه، ولا ميتاً كفن فيه، ولا عروساً جليت فيه، فلهذا أكرهه».[10]

وقال: «وفيها بايع المأمون لعلي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب أن يكون ولي العهد من بعده، وسمّاه الرضا من آل محمد، وطرح لبس السواد وأمر بلبس الخضرة، فلبسها هو وجنده، وكتب بذلك إلى الآفاق والأقاليم، وكانت مبايعته له يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وذلك أنّ المأمون رأى أنّ علياً الرضا خير أهل البيت، وليس في بني العباس مثله في علمه ودينه، فجعله ولي عهده من بعده ... فلمّا كان يوم السبت الآخر (سنة 204 ه-) دخل (المأمون) بغداد حين ارتفع النهار لأربع عشرة ليلة خلت من صفر، في أبّهة عظيمة وجيش عظيم، وعليه وعلى جميع أصحابه وفتيانه الخضرة، فلبس أهل بغداد وجميع بني هاشم الخضرة، ونزل المأمون بالرصافة ثم تحوّل إلى قصر على دجلة، وجعل الأُمراء ووجوه الدولة يتردّدون إلى منزله على العادة، وقد تحوّل لباس البغاددة إلى الخضرة، وجعلوا يحرقون كلّ ما يجدونه من السواد، فمكثوا كذلك ثمانية أيام.

ثم استعرض حوائج طاهر بن الحسين‏[11]، فكان أوّل حاجة سألها أن يرجع إلى لباس السواد، فإنّه لباس آبائه من دولة ورثة الأنبياء. فلمّا كان السبت الآخر وهو الثامن والعشرين‏

من صفر جلس المأمون للناس وعليه الخضرة، ثم إنّه أمر بخلعة سوداء فألبسها طاهراً، ثم ألبس بعده جماعة من الأُمراء السواد، فلبس الناس السواد وعادوا إلى ذلك، فعلم منهم بذلك الطاعة والموافقة، وقيل: إنّه مكث يلبس الخضرة بعد قدومه بغداد سبعاً وعشرين يوماً، فالله أعلم.[12]

*** حكم لبس السواد ...

الروايات التي استدل بها على كراهة لبس السواد

نورد فيما يلي أهم الروايات التي ربّما يستدلّ بها للفتوى بكراهة لبس السواد، فمنها:

ما رواه الحر العاملي في «وسائل الشيعة»:

1- عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن عبد الله، عن بعض أصحابه، عن صفوان الجمّال قال: حملت أبا عبد الله (عليه السلام) الحملة الثانية إلى الكوفة وأبو جعفر المنصور بها، فلمّا أشرف على الهاشمية مدينة أبي جعفر، أخرج رجله من غرز الرحل، ثم نزل فدعا ببغلة شهباء ولبس ثياباً بيضاء وكمة بيضاء، فلمّا دخل عليه قال له أبو جعفر: لقد تشبّهت بالأنبياء، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): «وأنّى تبعدني من أبناء الأنبياء ...» الحديث.[13]

2- عبد الله بن جعفر «قرب الاسناد»: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام) أنّ علياً (عليه السلام) كان لا يلبس إلّا البياض أكثر ما يلبس، ويقول: فيه تكفين الموتى.

3- وعن عبد الله بن سليمان، عن أبيه أنّ علي بن الحسين (عليه السلام) دخل المسجد وعليه عمامة سوداء قد أرسل طرفيها بين كتفيه.[14]

4- وعن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته وهو يقول: «دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحرم يوم دخل مكة وعليه عمامة سوداء وعليه السلاح».[15]

ما رواه الكليني في «الكافي»

5- عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض آصحابه رفعه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكره السواد إلّا في ثلاث: الخف، والعمامة، والكساء.[16]

6- أبو علي الأشعري، عن بعض أصحابه، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بالحيرة، فأتاه رسول أبي جعفر الخليفة يدعوه،

فدعا بممطر أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أما إنّي ألبسه وأنا أعلم أنّه لباس أهل النار».[17]

7- عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسي، عن سليمان بن راشد، عن أبيه، قال: رأيت علي بن الحسين (عليه السلام) وعليه دراعة سوداء وطيلسان أزرق.[18]

8. عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محسن بن أحمد، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: أُصلّى في القلنسوة السوداء؟ فقال: «لا تصل فيها فإنّها لباس أهل النار»[19].

ما نقله الصدوق في «علل الشرائع»

9- وبهذا الاسناد عن محمد بن أحمد، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور قال: كنت عند أبي عبد الله بالحيرة فأتاه رسول أبي العباس الخليفة يدعوه، فدعا بممطرة له أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أما إنّي ألبسه وأنا أعلم أنّه من لباس أهل النار».

ثم قال الصدوق: (قال مؤلّف هذا الكتاب: لبسه للتقية وإنّما أخبر حذيفة بن منصور بأنّه لباس أهل النار. لأنّه ائتمنه، وقد دخل إليه قوم من الشيعة يسألونه عن السواد ولم يثق إليهم في كتمان السر فاتّقاهم فيه).[20]

10- حدّثني محمد بن الحسين قال: حدّثني محمد بن يحين العطار، عن محمد بن أحمد، عن علي بن إبراهيم الجعفري، عن محمد بن الفضل، عن داود الرقي قال: كانت الشيعة تسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن لبس السواد؟ قال: فوجدناه قاعداً عليه جبة سوداء وقلنسوة سوداء وخف أسود مبطن بسواد قال، ثم فتق ناحية منه وقال: «أما إنّ قطنه أسود» وأخرج منه قطناً أسود ثم قال: «بيّض قلبك واليس ماشئت».

(قال محمد بن علي مؤلف هذا الكتاب:

فعل ذلك كلّه تقية، والدليل عل ذلك قوله في الحديث الذي قبل هذا: «أما إنّي ألبسه وأنا أعلم أنه من لباس أهل النار». وأي غرض كان له (عليه السلام) في أن يصبغ القطن بالسواد، إلّا لأنّه كان متهماً عند الأعداء أنّه لا يرى لبس السواد فأحب أن يتّقي بأجهد ما يمكنه لتزول التهمة عن قلوبهم فيأمن شرهم.[21]

11- حدّثنا محمد بن الحسين قال: حدّثنا محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أوحى الله عزوجل إلى نبي من أنبيائه: قل للمؤمنين لاتلبسوا لباس أعدائي، ولا تطعموا طعام أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي»[22].

ما نقله الحر العاملي في «وسائل الشيعة»

12- وفي العلل، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن علي بن إبراهيم الجعفري، عن محمد بن المفضل، عن داود الرقي قال: ... وأورد الحديث ثم قال: أقول: ويمكن حمله على إرادة الجواز ونفي التحريم بقرينة آخره.[23]

4- مناقشة دلالة الروايات على الكراهة.

* بعد غضّ النظر عن سند هذه الروايات نكتفي بالمناقشه في دلالتها بشكل عام، فنقول:

أوّلًا: من الواضح أنّ النهي في هذه الروايات- بملاحظة روايات اتّخاذ العباسيّين شعار السواد- لم يرد على موضوع السواد بعنوانه الأوّلي، بل بسبب تعنونه بعنوان ثانوي، وهو أنّه شعار لبني العباس، وأنّ لبسه تشبّه بهم وموجب لزيادة نفوذهم في أوساط المسلمين. نعم منها رواية واحدة مرسلة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي ضعيفة سنداً وتختص بهم ولا يحتج بها.

بل إنّ النهي في هذه الروايات عن لبسه من مصاديق النهي عن التشبّه بالظلمة ولبس الثياب التي هي شعارهم. ومثل هذا الحكم دائر مدار بقاء عنوانه على ذلك الموضوع .. فلو بقي بنو العباس وغيّروا شعارهم من لبس الأسود إلى لبس الأحمر أو الأصفر، أو انتهى بنو العباس وانتفى موضوع شعارهم كما حدث، وجاء غيرهم من الظلمة واتّخذوا شعاراً من لون آخر .. لتغيّر الموضوع وثبت الحكم على ماهو شعار الظلمة وأهل الباطل وأهل الكفر.

ثانياً: لو سلّمنا أنّ الحكم بكراهة لبس السواد ثابت في الشريعة بدليل الإجماع، فإنّ دخول لبس السواد في مناسبات العزاء بالمعصومين (عليهم السلام) في معقد الاجماع غير معلوم، خاصة بملاحظة أنّه كان متداولًا في عصور الائمة (عليهم السلام) وعصر الغيبة، فالقدر المتيقّن من الإجماع هو ما عدا مناسبات العزاء أو اللباس الذّي يصدق عليه أنّه شعار الأعداء.

وكذا لو سلّمنا بأنّ حكم الكراهة بلبس السواد ثابت بالروايات، فإنّ مناسبة حكمها وموضوعها تمنع من شمول ظهوراتها أو عموماتها للبس السواد في مناسبات العزاء.

ولذا فالأقوى استثناء ذلك من مفادها، وفاقاً لما ذهب إليه صاحب الحدائق والمجلسي- قدس سرهما- ومال إليه غيرهما، كما سيأتي.

5- أهم كلمات فقهائنا في لبس السواد

تناول كبار فقهائنا هذه المسألة في كتبهم الفقهية نأتي بنماذج منها.

(باب النوادر) قال والدي (رحمه الله) في رسالته إلىِّ: ... واعلم أنّ غسل الثياب يذهب الهم والحزن وهو طهور للصلاة، وعليك بلبس ثياب القطن، فإنّه لباس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولباس الأئمة (عليهم السلام)، واتّق لبس السواد فإنّه لباس فرعون. ولا تلبس النعل الأملس فإنّه حذو فرعون، وهو أوّل من اتّخذ الملس.[24]

وقال الشيخ المفيد في «المقنعة»:

وتكره الصلاة في الثياب السود، وليس العمامة من الثياب في شئ، ولا بأس بالصلاة فيها وان كانت سوداء.[25]

وقال أبو الصلاح الحلبي في «الكافي في الفقه»:

وتكره الصلاة في الثوب المصبوغ، وأشدّ كراهية الأسود، ثم الاحمر المشبع والمذهب والموشح والملحم بالحرير والذهب، وما عدا ذلك جائز. وأفضل الثياب البياض من القطن والكتان.[26]

وقال الشيخ الطوسي في «النهاية»:

وتكره الصلاة في الثياب السود كلّها ما عدا العمامة والخف، فإنّه لا بأس بالصلاة فيهما وإن كانا سوداوين.[27]

وقال أيضاً في «الخلاف»:

تكره الصلاة في الثياب السود. وخالف جميع الفقهاء في ذلك.

دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط. وروى عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف، والعمامة، والكساء، وروى عنه أيضاً أنّه سئل عن الصلاة في القلنسوة السوداء؟ فقال: «لا تصل فيها فإنّها لباس أهل النار».[28]

وقال أيضاً: لا يجوز للمحرم لبس السواد، ولم يكره أحد من الفقهاء ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط.[29]

وقال المحقّق الحلّي في «المعتبر»:

وتكره الصلاة في الثياب السود خلا العمامة، والخف، قاله الأصحاب: روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «البسوا من ثيابكم البياض فإنّها من خير ثيابكم» وأمره (عليه السلام) بهذا اللون يدل على اختصاصه بالمصلحة الراجحة، فيكون ما يضاد غير مشارك في المصلحة، وأشدّ الألوان مضادة للبياض السواد. ويؤيد ذلك من طريق الأصحاب، ما رواه أحمد بن رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يكره السواد إلّا في ثلاث: العمامة، والخف، والكساء».[30]

وقال العلّامة الحلّي في «تذكرة الفقهاء»:

البحث الثالث: فيما يكره فيه الصلاة وهو أشياء:- آ- يكره في الثياب السود ما عدا العمامة والخف، لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «البسوا ثيابكم البيض فإنّها من خير ثيابكم» وأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه اللون يدلّ على اختصاصه بالفضيلة، فيكون أشد الألوان معاندة له وهو السواد مكروهاً.

ومن طريق الخاصة قول الصادق (عليه السلام): «يكره السواد إلّا في ثلاث: العمامة، والخف، والكساء»[31].

وقال الشهيد في «الذكرى»:

الثالثة: تكره الصلاة في الثياب السود لما رواه الكليني عمّن رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام): «يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف، والعمامة والكسا».

وفي مرفوع آخر اليه (عليه السلام): «في القلنسوة السوداء لا تصل فيها فإنّها لباس أهل النار».

وقال ابن بابويه: ولا تصل في السواد فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تلبسوا لباس أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي، فتكونوا أعدائي». وروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «البسوا من ثيابكم البياض فإنّها من خير ثيابكم». وفيه دلالة على أفضلية البيض للمصلحة فالمضاد لا يشاركها في المصلحة.[32]

وقال المحقّق الكركي في «جامع المقاصد»:

ويستحب لبس الفاخر من الثياب، وأفضلها البيض، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أحب الثياب إلى الله تعالى البيض، يلبسها أحياؤكم، ويكفن فيها موتاكم».[33]

وقال المقدّس الأردبيلي في «مجمع الفائدة والبرهان»:

قوله: « (ويكره السود عدا العمامة الخ ...)» دليل كراهة السود، عدا العمامة والخف، وكذا الكساء: هو الخبر المرفوع عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف، والعمامة، والكساء». ولا يخفى أنّه يدلّ على الكراهة مطلقاً. وكأنّ القلنسوة أشدّ كراهة، لما روى عن الصادق (عليه السلام). قال: قلت له: أُصلّي في القلنسوة السوداء؟ فقال:

«لا تصل فيها فإنّها لباس أهل النار». وروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيما علم أصحابه: «لا تلبسوا السواد فإنّه لباس فرعون». وفي رواية أُخرى: «انّه لباس أهل النار»[34].

وقال المحدّث البحراني في «الحدائق الناضرة»:

وعن عمر بن علي الحسين (عليه السلام) قال: «لمّا قتل الحسين (عليه السلام) لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح‏[35]، وكنّ لا يشتكين من حر ولا برد، وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم».

أقول: الظاهر أنّ ذلك بعد رجوعه (عليه السلام) إلى المدينة.[36]

وقال أيضاً:

و (منها): أنّه يكره الصلاة في الثياب السود عدا العمامة والخف والكساء وهو ثوب من صوف ومنه العباء، كذا نقل عن الجوهري.

ويدل عليه ما رواه ثقة الإسلام في «الكافي» عن أحمد بن محمد، رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف، والعمامة، والكساء».

وروي في كتاب الزي من الكتاب المذكور عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه رفعه قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكره السواد إلّا في ثلاث: الخف، والعمامة، والكساء».

وعن حذيفة بن منصور قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بالحيرة فأتاه رسول أبي العباس الخليفة يدعوه، فدعا بممطر أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أما إنّي ألبسه وأنا أعلم أنّه لباس أهل النار».

أقول: في القاموس: الممطر والممطرة- بكسرهما- ثوب صوف يتوقّى به من المطر.

ثم أقول: يحتمل أن يكون لبسه (عليه السلام) له في تلك الحال لضرورة دفع المطر أو تقية، حيث إنّه المعمول عليه عند المخالفين يومئذ.

وروى الصدوق في «الفقيه» مرسلًا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال في ما علم أصحابه: «لا تلبسوا السواد فإنّه لباس فرعون».

وروي باسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال «أوحى الله إلى نبي من أنبيائه قل للمؤمنين لا يلبسوا ملابس أعدائي، ولا يطعموا مطاعم أعدائي، ولا يسلكوا مسالك أعدائي، فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي».

أقول: قال الصدوق في كتاب «عيون الأخبار»[37] بعد نقل هذا الخبر بسند آخر عن علي بن أبي طالب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قال المصنف (رضي الله عنه): لباس الأعداء هو السواد؛ ومطاعم الأعداء هو: النبيذ، والمسكر، والفقاع، والطين، والجري من السمك، والمارماهي والزمير والطافي وكل ما لم يكن له فلس من السمك، والأرنب والضب والثعلب، وما لم يدف من الطير، وما استوى طرفاه من البيض، والدبا من الجراد وهو الذي لا يستقل بالطيران، والطحال؛ ومسالك الأعداء: مواضع التهمة، ومجالس شرب الخمر، والمجالس التي فيها الملاهي، ومجالس الذين لا يقضون بالحق، والمجالس التي تعاب فيها الأئمة والمؤمنون، ومجالس أهل المعاصي والظلم والفساد. انتهى.

وحاصله يرجع إلى التخصيص بالمحرّمات في ماعدا اللباس حملًا للنهي على التحريم. والأظهر الحمل على ماهو أعم من التحريم أو الكراهة، مثل لباس اليهود والنصارى ومأكلهم، وكذا لباس المخالفين ومآكلهم المعلومة مخالفة ذلك للسنن النبوية والشريعة المحمدية (صلى الله عليه وآله وسلم) ويؤيّده وقوع المناهي في الاخبار عن جملة من الأشياء من حيث دخولها في مضمون هذا الخبر، مثل النهي عن البرطلة لأنّها من زي اليهود، وإسدال الرداء لأنّه من زيهم، وشمّ النرجس في الصوم لأنّه من فعل المجوس، والأكل بالملاعق كما يفعله الروم والمخالفون لمخالفته لسنة الأكل باليد، وجر الثياب على الأرض كما يفعلونه أيضاً لمنافاته التشمير المأمور به، وجز اللحي وإعفاء الشوارب كما يفعلونه لمخالفته للسنّة النبوية في العكس، وأمثال ذلك. فإنّ الظاهر دخول الجميع تحت الخبر.

ثم أقول: لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين (عليه السلام) من هذه الأخبار لما استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الاحزان.

ويؤيّده مارواه شيخنا المجلسي 1 عن البرقي في كتاب «المحاسن» أنّه روي عن عمر بن زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: «لمّا قتل جدي الحسين المظلوم الشهيد لبس نساء بني هاشم في مأتمه ثياب السواد، ولم يغيرنها في حر أو برد، وكان الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصنع لهن الطعام في المأتم». الاستفادة من هذه القضية مبني على اقرار الإمام (عليه السلام) لبس النساء السواد في ماتم الحسين والحديث منقول من كتاب «جلاء العيون» بالفارسية ولكن هذا حاصل ترجمته.[38]

وقال صاحب الجواهر في «جواهر الكلام»:

المسألة (الثامنة: تكره الصلاة في الثياب السود ما عدا العمامة والخف) بلا خلاف أجده في المستثنى منه، بل ربّما ظهر من بعضهم الإجماع عليه، بل عن الخلاف ذلك صريحاً، وهو الحجة، مضافاً إلى استفاضة النصوص في النهي عن لبسه الذي ربّما قيل باستفادة الكراهة في خصوص الصلاة منه، إمّا لدعوى اتّحاد الكونين كما سمعته في المغصوب، أو لأنّ إطلاق الكراهة يقتضي شمول خصوص الصلاة، ولا ينافيه شمول غيرها، إذ ليس المراد اختصاص الصلاة بذلك من بين الأفراد، بل المراد الكراهة فيها بالخصوص وإن كان غيرها من الأفراد كذلك، وقد سمعت نظيره في استحباب خصوص بعض الأذكار في الصلاة، لكن لا يخفى عليك أنا في غنية عن هذا التكلّف- خصوصاً الأخير الذي يمكن دعوى ظهور العبارات بخلافه- بما سمعت من الإجماع المحكي المعتضد بما عرفت.

وبالمرسل في «الكافي» أنه «روي لا تصل في ثوب أسود، فأمّا الكساء والخف والعمامة فلا بأس».

بل وبالمستفاد من بعض النصوص في القلنسوة من كراهة لباس أهل النار في الصلاة، ففي مرسل محمد بن سليمان «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّي أصلّي في القلنسوة السوداء قال: «لا تصل فيها فإنها لباس أهل النار» ولا ريب في ظهور التعليل فيه بكراهة الصلاة في كلّ ماكان كذلك. وقد ورد في السواد أنّه لباس فرعون، وأنّه زي بني العباس، وفي الممطر منه أنّه لباس أهل النار، ففي مرسل الفقيه قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما علّم أصحابه: «لا تلبسوا السواد فإنّه لباس فرعون».

وفيه أيضاً: «رروي أنّ جبرئيل (عليه السلام) هبط على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قباء أسود ومنطقة فيها خنجر، فقال: يا جبرئيل ما هذا؟ فقال: زي ولد عمك العباس، يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ويل لولدك من ولد عمك العباس».[39]

وفي خبر حذيفة بن منصور قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بالحيرة فأتاه رسول أبي العباس الخليفة يدعوه، فدعا بممطر أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه، ثم قال: أما إنّي ألبسه وأنا أعلم أنّه لباس أهل النار». بل من المعلوم كون ذلك من حيث السواد لا خصوصية الممطر؛ كما أنّ من المعلوم كون لبسه للتقية، فيتجه حينئذ كراهة الصلاة فيه للتعليل المزبور.

بل منه تنقدح المناقشة فيما ذكر غير واحد من الأصحاب من شدة الكراهة وتأكّدها في القلنسوة السوداء للخبر المزبور، ضرورة أنّه بعد تعليل الكراهة فيه بالعلّة المشتركة بين الجميع لم يبق حينئذ خصوصية لمورد التعليل، سيّما مع كونه من كلام السائل، ولعلّه لذا أطلق الباقون.

أمّا المستثنى فقد يقضي عدم الاستثناء في كلام كثير من الأصحاب على ما في الذكرى بعدمه، لكن فيه أنّ النصوص صريحة في الاستثناء، منها مرسل الكليني السابق، ومنها قول الصادق في مرسل أحمد بن محمد «يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف والعمامة والكساء». ومنها المرسل الآخر: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف والكساء والعمامة».

وكذا الفتاوى بالنسبة للخف والعمامة، بل عن «المعتبر» نسبة ذلك إلى الأصحاب، و «المنتهى» إلى علمائنا، ومنه يعلم حينئذ ما في اقتصاد المفيد وسلار وابن حمزة والشهيد في «الدروس» على استثناء العمامة، اللّهم إلّا أنّ يكون لعدم دخول الخف في المستثنى منه، لانّه ليس من الثياب.

لكن فيه أوّلًا انّ المحكي عن «المقنعة» عدم كون العمامة من الثياب أيضاً، كما عن جماعة من الأصحاب في بحث الحبوة.

وثانياً: بقاء المناقشة بالنسبة إلى الكساء، بل في «كشف اللثام» أنّه لم يستثنه أحد من الأصحاب إلّا ابن سعيد إلى أن قال: «وكأن إعراضهم جميعاً عنه لكونه من الثياب، مع إرسال أخبار الاستثناء، وعموم نحو قول أمير المؤمنين (عليه السلام)» مشيراً به إلى ما سمعت، قلت: قد يؤيده أيضاً خبر الممطر السابق بناء على أنّه من الأكسية، لكن فيه أنّا لم نجد الخف مستثنى إلّا مع الكساء، أمّا العمامة فقد يفهم استثناؤها من قول الباقر (عليه السلام) في خبر علي بن المغيرة «كأنّي بعبد الله بن شريك العامري‏[40] عليه عمامة سوداء ذوابتاها بين كتفيه مصعداً في لحف الجبل بين يدي قائمنا أهل البيت (عليهم السلام) في أربعة آلاف يكبرون ويكررون».[41] وخبر عبد الله بن سليمان المروي عن مكارم الأخلاق «انّ علي بن الحسين (عليهما السلام) دخل المسجد وعليه عمامة سوداء قد أرسل طرفيها بين كتفيه».

وخبر معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) المروي عن الكتاب المزبور أيضاً قال: «سمعته يقول: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحرم يوم دخل مكة وعليه عمامة سوداء وعليه السلاح».

لكن الظاهر أنّ مستند الأصحاب في الاستثناء غيرها، بل ليس هو إلّا تلك النصوص، وحينئذ يقوي الاعتماد عليها، خصوصاً مع ما قيل من استثناء جماعة له كالخلاف والبيان واللمعة والموجز الحاوي وكشف الالتباس وجامع المقاصد وفوائد الشرايع وحاشية الإرشاد وحاشية الميسي والروض والروضة والمسالك ومجمع البرهان والكفاية والمفاتيح، بل عن ظاهر الخلاف اندراج هذا الاستثناء في معقد إجماعه، ومن ذلك يعلم ما في قوله: إنّه لم يذكر إلّا ابن سعيد.

كما «يعلم الحال منه» فيما عساه أن يقال في المقام: «إنّ النصوص هنا جميعها لا تخلو من ضعف مانع عن الحجّية، إلّا أنّه لمّا علم التسامح في الكراهة وجب قبولها بالنسبة إليها بخلاف الاستثناء منها، فإنّه محتاج إلى دليل معتبر، والفرض عدمه، وليس دليل الكراهة منحصراً في المشتمل على الاستثناء حتى يلتزم قبوله في المستثني والمستثني منه، لكونه هو الذي بلغنا، بل قد سمعت نحو قول أمير المؤمنين (عليه السلام) الظاهر في العموم بلا استثناء «إذ

قد عرفت أوّلًا اعتضاد أخبار الاستثناء بما تقدّم ونحوه ممّا لا يخفى على الفقيه الماهر من القرائن الدالّة على اعتبارها وإن ضعفت أسانيدها، وثانياً يمكن أن يقال- بعد اشتراك جميع النصوص في الضعف مطلقها ومقيدها-: إنّه ما بلغنا إلّا المقيد، ضرورة تساوي المطلق والمقيد في غير جهة التقييد، فيحكم حينئذ عليه، ويتجه الاستثناء المزبور، فكان على المصنف وغيره ذكره، بل هو أولى من الخف الذي لا يحتاج إلى الاستثناء، لعدم اندراجه في الثياب، بل والعمامة في وجه، وربما يؤيد ذلك كلّه سيرة من شاهدناه من العلّماء على لبس العباءة السوداء وعدم اجتنابها ومعاملتها معاملة غيرها من الثياب، ولعلها من الكساء عندهم، كما عن الميسي وتلميذه التصريح به، بل في المسالك نسبته إلى الجوهري، بل قيل: وفي القاموس أنّ العباءة ضرب من الأكسية.

وكيف كان فالمدار في السواد على مسمّاه عرفاً من غير فرق بين المصبوغ وغيره، نعم يمكن عدم اندراج الأدكن فيه عرفاً، بل عن المجمع أنّه لون بين الغبرة والسواد، فلا حاجة حينئذ إلى حمل ما في خبر جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) «قتل الحسين بن علي (عليهما السلام) وعليه جبة خز دكناء»[42] على بيان الجواز ونفي التحريم، لكن عن المسالك «تكره الصلاة في غير السواد من الألوان» وهو- مع أنّه لاصراحة في الخبر المزبور أنّه كان يلبسها وقت الصلاة- لم نقف على دليل له في ذلك، واستفاضة النصوص بلبس الأبيض لا تقتضي كراهة غيره، وكان ما عن الميسي- من أنّ الصلاة في غير السواد من الألوان أيضاً على خلاف الأصل، لأنّ الأصل البياض- يريد به ما ذكرنا.

بل ولم نقف على ما يدلّ على ما عن الغنية من كراهة الصلاة في الثوب المصبوغ، وأشدّه الأسود، وإن قيل: إنّ ظاهره الإجماع عليه.

أمّا ما عن السائر- من الكراهة في الثواب المشبع الصبغ، وكأنّه بمعني ما عن الكاتب والمبسوط من الكراهة في الثوب المصبوغ المشبع المفدم «[43] بناء علي إرادة الأعم من الأحمر من المفدم فيه». فعن الجوهري يقال: صبغ أي خاثر مشبع، وكأنّ من خصّ الكراهة بالأحمر حمل المفدم- بكسر الدال- على المصبوغ بالحمرة المشبع كما عن الجوهري أيضاً، ولعل التعميم أكثر فائدة وأقرب إلى العرف، بل المغروس في الذهن منه المشبع الشديد.

 

أمّا المزعفر[44] والمعصفر[45] فقد نص على كراهة الصلاة فيهما في المحكي عن المعتبر والمنتهي ونهاية الأحكام والتحرير والتذكرة والذكرى والموجز الحاوي وكشف الالتباس، ولعلّه للمرسل عن يزيد بن خليفة عن أبي عبد الله (عليه السلام) «انّه كره الصلاة في المشبع بالعصفر والمضرج بالزعفران»[46] إلّا أنّه كان عليهم التعبير بمضمون الخبر المزبور، والأمر سهل في ذلك كلّه بعد التسامح، هذا.

وعن غير واحد من كتب الأصحاب التصريح باختصاص كراهة السواد في الرجل، ولعلّه لأنّه أبلغ من غيره في سترها، وظهور فحوي استثناء العمامة ونحوها فيه، إلّا أنّه كما ترى مناف لقاعدة الاشتراك وظاهر التعليل السابق، والله أعلم.[47]

وقال الطباطبائي اليزدي في «العروة الوثقى»:

(10 فصل فيما يكره من اللباس حال الصلاة) وهي أُمور: أحدها الثوب الأسود حتى للنساء، عدا الخف والعمامة والكساء، ومنه العباء والمشبع منه أشد كراهة، وكذا المصبوغ بالزعفران أوالعصفر، بل الأولى اجتناب مطلق المصبوغ.[48]

6- كلمات فقهاء المذاهب الأُخرى‏

تناول علماء المذاهب الأُخرى هذه المسألة في صحاحهم وسننهم المعتبرة نأتي بنماذج منها:

قال البيهقي في «السنن الكبرى»:

(أخبرنا) أبو زكريا يحيى بن إبراهيم قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، ثنا الشافعي، أنبأ يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (رضي الله عنه) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من خير ثيابكم البياض فليلبسها أحياؤكم، وكفّنوا فيها موتاكم.

 (وحدثنا) أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي، أنبأ بشر بن أحمد الاسفرائني، ثنا داود بن الحسين، ثنا يحيى بن يحيى، أنبأ بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، فذكره بنحوه إلّا أنّه قال: البسوا من ثيابكم البياض فإنّها من خير ثيابكم.[49]

وقال أبو داود في سننه:

حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا همام، عن قتادة، عن مطرف، عن عائشة- رضى الله عنها-، قالت: صنعت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بردة سوداء فلبسها، فلمّا عرق فيها وجد ريح الصوف فقذفها، قال: وأحسبه قال: وكان تعجبه الريح الطيبة.[50]

ونقل الترمذي في سننه:

حدّثنا أحمد بن منبع، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، أخبرني أبي، عن مصعب بن شبية، عن صفية ابنة شبية، عن عائشة قالت: «خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود».

هذا حديث حسن وصحيح غريب.[51]

7- نتيجة البحث جواز لبس السواد في عزاء سيد الشهداء (عليه السلام).

في ختام البحث نأتي بالروايات التي تدلّ على جواز لبس السواد.

قال الحر العاملي في «وسائل الشيعة»:

وعن الحسن بن ظريف بن ناصح، عن أبيه، عن الحسين بن زيد، عن عمر بن علي بن الحسين قال: لمّا قتل الحسين بن علي (عليه السلام) لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنّ لا يشتكين من حر ولا برد، وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم.[52]

وقال المجلسي في «بحار الأنوار»:

وفي رواية أُخرى ... قال: فلمّا أصبح استدعى بحرم رسول الله فقال لهنّ: أيما أحب إليكن: المقام عندي أو الرجوع إلى المدينة، ولكم الجائزة السنية؟ قالوا: نحب أوّلًا أن ننوح‏

 

على الحسين، قال: افعلوا ما بدالكم. ثم أُخليت لهنّ الحجر والبيوت في دمشق، ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلّا ولبست السواد على الحسين، وندبوه على ما نقل سبعة أيام، فلمّا كان اليوم الثامن دعاهن يزيد، وعرض عليهن المقام فأبين وأرادوا الرجوع إلى المدينة، فأحضر لهن المحامل وزينها وأمر بالأنطاع الإبريسم.[53]

وقال صاحب «وفيات الأئمة»:

ثم رجع الحسن والحسين (عليه السلام) وأخوتهما من دفنه، وقعد في بيته ولم يخرج ذلك اليوم، ثم خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس، فقال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد توفّى وانتقل إلى جوار الله وقد ترك بعده خلفاً، فإن أحببتم خرج إليكم وإن كرهتم فلا أحد على أحد فبكى الناس وضجّوا بالبكاء والنحيب، فقالوا: بل يخرج الينا، فخرج إليهم الحسن وعليه ثياب سود وهو يبكي لفقد أبيه، فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه وذكر النبي فصلي عليه، ثم قال: «أيّها الناس اتقوا الله فإنّا أُمراء كم وساداتكم وأهل البيت الذين قال الله فيهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[54] أيّها الناس لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون ولا يلحقه الآخرون، لقد كان يجاهد مع رسول الله فيفديه بنفسه، لقد كان يوجهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، فلا يرجع حتّى يفتح الله عليه، ولقد توفّي هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى ابن مريم، والتي توفّى فيها يوشع بن نون، وما خلف صفراء، ولا بيضاء إلّا سبعمائة دينار فضلت من عطاياه، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله. (2)

ونقل الشيخ عباس القمي في «الكنى والألقاب»:

حكي عن تاريخ ابن كثير أنّه قال: في سنة 352 أمر معز الدولة أحمد بن بويه‏[55] في بغداد في العشر الأُول من المحرم بإغلاق جميع أسواق بغداد، وأن يلبس السواد ويقيموا

مراسم العزاء، وحيث لم تكن هذه العادة مرسومة في البلاد لهذا رآه علماء أهل السنّة بدعة كبيرة، وحيث لم يكن لهم يد على معز الدولة لم يقدورا إلّا على التسليم، وبعد هذا في كلّ سنة إلى انقراض دولة الديالمة الشيعة في العشرة الأُولى من المحرم من كلّ سنة يقيمون مراسم العزاء في كل البلاد، وكان هذا في بغداد إلى أوائل سلطنة السلطان طغرل السلجوقي. انتهى.[56]

 

 

 

[1] ( 1). الوسائل: ج 1 ص 60، الباب 18 من أبواب العبادات، ح 4.

[2] ( 2). ذكر الشيخ الصدوق في خصاله في حديث الأربعمائة عن أمير المؤمنين( عليه السلام) أنّه قال: إن الله تبارك وتعال اطّلع إلى الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعة ينصروننا، ويفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أُولئك منا وإلينا. الخصال: 2/ 625؛ بحار الأنوار: 44/ 287 ح 26.

[3] ( 1). جمع قلنسوة وهو نوع من ملابس الرأس وهي على هيئات متعدّدة.

[4] ( 2). الحج: 39.

[5] ( 3). مناقب آل أبي طالب: 3/ 86.

[6] ( 4). الأنقاس: جمع نقس- بالكسر- المداد أو الحبر الذي يكتب به.

[7] ( 5). مقاتل الطالبيين: 212.

[8] ( 6). مقاتل الطالبيين: 393.

[9] ( 1). المصدر نفسه: 407.

[10] ( 2). البداية والنهاية: 10/ 127.

[11] ( 3). هو أبو الطيب أو أبو طلحة طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن ماهان الملقّب ب-« ذو اليمنين» والي خراسان، كان من أكبر قوّاد المأمون والمخلصين في تثبيت دولته في محاربة أخيه الأمين محمد بن زبيدة ببغداد.

كان جده زريق بن ماهان أو باذان مجوسياً، فأسلم على يد طلحة الطلحات الخزاعي المشهور بالكرم والي سجستان، وكان مولاه ولذلك اشتهر بالطاهر الخزاعي.

وبنو طاهر ينسب إليهم التشيع. رسالة في آل أعين: 12؛ مستدركات علم رجال الحديث: 289 برقم 8198؛ سير أعلام النبلاء: 10/ 108 برقم 7.

[12] ( 1). البداية والنهاية: 10/ 269- 273. وذكر شبيهاً لما تقدم اليعقوبي في تاريخه: 2/ 448، 453، والمسعودي في التنبيه والأشراف: 302.

[13] ( 2). وسائل الشيعة: 3/ 355، الحديث 2.

[14] ( 3). وسائل الشيعة: 3/ 378- 379، الحديث 9 و 10.

[15] ( 4). المصدر نفسه.

[16] ( 5). الكافي: 6/ 449، باب لبس السواد، الحديث 1.

[17] ( 1). الكافي: 6/ 449، باب لبس السواد، الحديث 2.

[18] ( 2). الكافي: 6/ 449، باب لبس السواد، الحديث 3.

[19] ( 3). الكافي: 3/ 403.

[20] ( 4). علل الشرائع: 2/ 37، الحديث 4.

[21] ( 1). علل الشرائع: 2/ 37، الحديث 5 و 6.

[22] ( 2). المصدر نفسه.

[23] ( 3). وسائل الشيعة: 2/ 379، الحديث 9.

[24] ( 1). المقنع: 194؛ الوسائل: الباب 16، كتاب الصلوة، ح 1.

[25] ( 2). المقنعة: 150.

[26] ( 1). الكافي في الفقه: 140.

[27] ( 2). النهاية: 97.

[28] ( 3). الخلاف: 1/ 175، المسألة 247.

[29] ( 4). الخلاف: 1/ 392، المسألة 80.

[30] ( 5). المعتبر: 2/ 94.

[31] ( 1). تذكرة الفقهاء: 1/ 99.

[32] ( 2). الذكرى: 147.

[33] ( 3). جامع المقاصد: 2/ 438.

[34] ( 1). مجمع الفائدة والبرهان: 2/ 87.

[35] ( 2). المسوح: كساء من شعر، وهو ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشّفاً وقهراً للجسد.

[36] ( 3). الحدائق الناضرة: 4/ 160.

[37] ( 1). عيون أخبار الرضا: 1/ 26، الحديث 51.

[38] ( 1). الحدائق الناضرة: 7/ 116- 118.

[39] ( 1). من لا يحضره الفقيه: 1/ 252 برقم 769.

[40] ( 1). عبد الله بن شريك العامري يكنى أبا المحجل، روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر( عليهما السلام) وكان عندهما وحبهاً مقدماً، وروى الكشي مدحه وأنّه من أهل الرجعة. وسائل الشيعة: 30/ 410، الفائدة الثانية عشرة.

[41] ( 2). بحار الأنوار: 53/ 76 ح 81.

[42] ( 1). الكافي: 6/ 452 ح 9، باب لبس الوشي.

[43] ( 2). الكافي: 3/ 402 ح 22، باب اللباس الذي تكره الصلاة فيه.

[44] ( 1). المزعفر: المصبوغ بالزعفران.

[45] ( 2). المعصفر: المصبوغ باللون الأصفر المأخوذ من العصفر وهو نبات اصفر معروف.

[46] ( 3). تهذيب الأحكام: 2/ 373 ح 550، باب ما يجوز الصلاة فيه.

[47] ( 4). جواهر الكلام: 8/ 230- 235.

[48] ( 5). العروة الوثقى: 1/ 572.

[49] ( 1). سنن البيهقي: 5/ 33.

[50] ( 2). سنن أبي داود: 2/ 264 برقم 4074، الباب 21 في السواد.

[51] ( 3). سنن الترمذي: 4/ 204 برقم 2966، الباب 82 ما جاء في الثوب الاسود.

[52] ( 4). وسائل الشيعة: 2/ 357، الحديث 10، نقلًا عن المحاسن للبرقي: 2/ 420، الحديث 195.

[53] ( 1). بحار الأنوار: 45/ 195- 197. والأنطاع جمع نطع وهو بساط من جلد.

[54] ( 2). الأحزاب: 2. 33. وفيات الأئمة: 85.

[55] ( 3). هو أبو الحسن أحمد بن بويه بن فنا خسرو بن تمام من سلالة سابور ذي الأكتاف الساساني، وكان من ملوك بني بويه في العراق فقد استولى على بغداد سنة 334 ه- وبايع المستكفي بالله وخلع الخليفة عليه ولقبه ذلك اليوم بمعز الدولة ولقب أخويه بعماد الدولة وركن الدولة، وأمرأن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم، وفي أيامه قويت شوكة آل بويه وهو أوّل من أمر الناس بإقامة المآتم للحسين( عليه السلام) في العشرة الأُولى من المحرم واستمرت عليها الشيعة إلى اليوم. توفّي ببغداد سنة 356 ه- ودفن في مقابر قريش. الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم: 3/ 96.

[56] ( 1). الكنى والألقاب: 2/ 471.

دفع شبهات الوهابية حول واقعة غدير خم / القسم الثاني

 

 

إيمان المسلمين قبل واقعة الغدير و بعدها

س2: من المعروف أن بعض المسلمين قد زاروا النبي صلى الله عليه واله في حياته ، ورأوه لمرة واحدة ثم رجعوا إلى بلدانهم ،  ومن الواضح فهم لا يملكون أية فكرة عن موضوع ولاية علي و أولاده إطلاقا . خصوصا و أن الشيعة تدّعي أن النبي صلى الله عليه و اله قد أوصى لعلي بالخلافة في أوائل الدعوة الاسلامية في مكة ، فهل معنى ذلك أن إسلام هؤلاء المسلمين ناقص ؟

ج: لا شك أن أحكام الاسلام قد بيّنت للناس بالتدريج ، و لاشك أن اسلام من آمن في مكة يختلف و يزيد كثيرا على إسلام من آمن بعد إنزال آية : «اليوم أكملت لكم دينكم» .

لكن في نفس الوقت كل منهما مسلم ؛ و لا نقصان ولا خلل في إيمان مسلم بداية البعثة . إلا أن من بقي حتى نزول آية إكمال الدين ولكن إكتفى بإيمانه الأول أي إيمان بداية الدعوة ؛ و لم يؤمن بباقي أحكام الدين فإسلامه ناقص بلا شك .

هذا السؤال ساذج جدا ؛ فإن كنت أيها السائل من أهل العلم لما سألت مثل هذا السؤال !

كان الأجدر بك أن تسأل حول هذا الموضوع المهم الذي أنيط به إكمال الدين و إتمام النعمة في الآية الكريمة ؛ فما هو يا ترى ؟! هل هو مجرد إبراز الحب والمودّة لشخص ما ؛ فإن كان كذلك ، فهل يتطلب كل هذا الاهتمام و الاستعداد ، و تحشييد كل المسلمين وتأخيرهم عن الرجوع إلى بلدانهم المختلفة بعد الفراغ من الحج ، في ذلك الجو القائض ، مضافا إلى نزول الوحي بذلك ؟!

 

 

 

المصدر: كتاب: " الصراط المستقيم" لآية الله العظمى الشيخ الصافي الگلبایگاني دام ظله

 

مناقب و مدائح أمير المؤمنين عليه السلام في كلام المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي مد ظله

نبارك للأمة الاسلامية و خصوصا شيعة أمير الامؤمنين عليه السلام حلول عيد الغدير عيد ولاية أمير المؤمنين عليه السلام

 

مناقب و مدائح أمير المؤمنين عليه السلام  في كلام المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي مد ظله

مختار من مقدمة كتابه : " قبس من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام"

 

 

وماذا يقول الناس في مدح من أتت‏

مدائحه الغراء في محكم الذكر

 

لا يخفى: أنّ سكوت الفصحاء والبلغاء، والعلماء والحكماء، والعرفاء والأولياء أمام مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أخ الرسول وزوج البتول، أعلم الناس وأعرفهم باللَّه وأعبدهم له بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، أبلغ من أن يمدحوه بما وصلوا إليه من معرفة فضائله، ومراتبه الرفيعة، ومقاماته العلية، ومشاهده الجلية الجليلة، ومعجزاته الظاهرة الباهرة، وعجائب أمره.

فالاعتراف بالعجز في حظيرة قدسه ومشهد عظمته أولى لكل أحد، وهو كما خاطبه النبيّ صلى الله عليه و آله في حقّه حقّاً: «لو أنّ الإنس كتّاب والجن حسّاب ما أحصوا فضائلك»، وهو الذي جعل اللَّه له فضائل لا يحصى عددها غيره والذي خاطب اللَّه تعالى نبيّه ليلة المعراج بلغته.

وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و آله فيه: لقد كان لعلي من السوابق ما لو أنّ سابقة منها بين الخلائق لوسعتهم خيراً[1].

ولقد كان- عليه أفضل الصلاة والسلام- أعظم آية اللَّه تعالى ولعلمه وقدرته وسائر صفاته العليا. وليس له بديل ولا شبيه يعادله في عالم الإمكان إلّاابن عمه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الذي كان له صلى الله عليه و آله ظهير بلا نظير.

ولقد كان عظيماً في بطولاته وتضحياته، عظيماً في نصرة الحق وإقامة العدل، عظيماً في إعلاء كلمة اللَّه، عظيماً في رحمته للضعفاء ومواساته للفقراء، عظيماً في خوفه من اللَّه تعالى، وفي فصاحته وبلاغته، ومأكله وملبسه ومشربه، وفي كل أحواله وأفعاله.

فتعالى اللَّه العليّ العظيم خالق هذا الإنسان ومودع هذه العظمات والكمالات فيه، وتبارك اللَّه المتصاغر لعظمته هذا الإنسان والمتذلل لجلاله وجبروته وسلطانه، والخائف من كبريائه، والمعترف عنده بعجزه وفقره إليه، وهو الذي قال: إلهي كفى لي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى لي فخراً أن تكون لي ربّاً.

فهو الممسوس في ذات اللَّه، والبكّاء من خشية اللَّه، والمجاهد في سبيل اللَّه، وهو الصراط المستقيم، والعروة الوثقى وحبل اللَّه المتين، وميزان الأعمال، وقسيم الجنة والنار، ويداللَّه الباسطة، وعينه الناظرة، وحجته البالغة.

ويعجبني هنا نقل كلام الشارح المعتزلي، إذا قال- في شرح قوله عليه السلام في كتاب له إلى معاوية «فإنّا صنائع ربّنا والناس‏ بعدُ صنائع لنا»[2]-:

«هذا كلام عظيم عالٍ على الكلام، ومعناه عالٍ على المعاني.  وصنيعةُ الملِك من يصطنِعُه الملك ويرفع قدره. يقول: ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل اللَّه تعالى هو الذي أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنائعنا، فنحن الواسطة بينهم وبين اللَّه تعالى،..»[3] انتهى.

ونرى من جانب آخر صاحب هذه المفاخر العظيمة يتململ من خوفه تعالى كتململ السليم، وكان كما وصفه بعض أصحابه غزير الدمعة طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلى، ويقلب كفيه على ما مضى ويبكي ويقول: «آه من قلة الزاد وبعد السفر وقلة الأنيس، ما لعليّ ونعيم يفنى ولذة لا تبقى. ويقول: ألا وإنّ إمامَكم قد اكتفى من دنياه بطمرَيْه، ومن طُعْمِه بِقُرصَيه ... فواللَّه ما كنزْتُ من دنياكم تِبْراً ولا ادَّخرت من غَنائمها وَفْراً ولا أعددتُ لِبالي ثَوْبي طِمْراً»[4].

فماذا نقول عن نفس الرسول الذي قال صلى الله عليه و آله في حقه: إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلّا أنّك لست بنبيّ. فما نحن والكلام عن أمير المؤمنين ومولى الموحدين عليه السلام إلّا كالقطرة في جنب البحر والذرة في جنب الشمس، فعقول العالمين ولسان المادحين أقصر من أن ينال حق هذا الإمام عليه السلام.

لكنني كنت من أوّل ما عرفت نفسي مولعاً بذكره عليه السلام وأولاده الأئمة الكرام عليهم السلام، وكان يزيد ذلك في نفسي بمرور الأيام والأعوام ويزيد شوقى وينفتح قلبي بقراءة أحاديثهم وآثارهم وسماع مناقبهم ومدايحهم، وكأنّ القائل قال هذين البيتين بلسان حالي:

حبُّ آل الرسول خالط عظمي‏

وجرى في مفاصلي فاعذروني‏

أنا واللَّه مغرم بهواهم‏

عللوني بذكرهم عللوني‏

لا عذب اللَّه أمّي أنّها شربت‏

حب الوصي وغذتنيه باللبن‏

وكان لي والد يهوى أبا حسن‏

فصرت من ذي وذا أهوى أبا حسن‏

 

وقد استخرجت في هذا الكتاب مأة وعشرة[5] أحاديث في مناقبه عليه السلام من جوامع الحديث من مسانيد وصحاح وغيرهما من كتب العامة وسميته بـ «قبس من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام».

ولا يخفى: أنّ الأحاديث الواردة في كتب العامة بشأن أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة جدّاً، غير أنّي اقتصرت على هذا العدد روماً للاختصار ورجاءً لما يقال: ربما مختصر قصير متواضع يفيد المنصف البصير ويغنيه عن الرجوع إلى موسوعات كبيرة ومجلدات كثيرة إن شاء اللَّه تعالى. وهو الموفق والمعين، والحمد للَّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه، وصلّى اللَّه على سيد الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد وآله الطاهرين.

وأود أن أختم المقدمة بمسك الصلوات على محمّد وآله بالأبيات التالية:

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

أزكى الصلاة وخيرها والأطيبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما اهتزت الأثلاث من نفس الصبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما لاح برق في الأباطح أوخبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما قال ذو كرم لضيف مرحبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما أمت الزوار طيبة يثربا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما غردت في الإيك ساجعة الربا

 

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما كوكب في الجو قابل كوكبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

سفن النجاة الغر أصحاب العبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

في الحشر إذ يتساءلون عن النبا[6]

 

 

 

[1] ( 1) اسد الغابة 4: 23.

[2] ( 1) نهج البلاغة، كتاب 28.

[3] ( 2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15: 194.

[4] ( 3) نهج البلاغة، كتاب 45.

[5] ( 1) وهو العدد المعادل لاسمه الشريف( علي) عليه السلام حسب الحروف الأبجدية. وإن كان بعد تجديد الرجوع إليه وبما اضيف إليه في ذيل كل حديث صار أكثر من ذلك بكثير، والحمد للَّه.

[6] ( 1) رشفة الصادي في بحر فضائل بني النبيّ الهادي، لأبكر الحضرمي، ص 75.

دفع شبهات الوهابية حول واقعة غدير خم / القسم الأول

س1: تقول الشيعة أن الآلاف من الصحابة قد حضروا واقعة  غدير خم في حجة الوداع ، و الكل قد سمع النبي صلى الله عليه و آله و هو يعيّن عليا خليفة للمسلمين من بعد وفاته ، إن كان الأمر كما تقول الشيعة فلماذا لم يأت أحد من هؤلاء الألوف من الصحابة ليعترض على غصب الخلافة من علي ؟

ج: لا يصلح هذا الادعاء لنفي واقعة الغدير ؛ من أين لك أن تقول: لم يأت أحد منهم للاعتراض ، وكيف يصحّ منك أن تدّعي أن أحدا لم يعترض على الرغم من تلك الظروف العصيبة ، أيام تلك الفتنة ، بل حدث ذلك ، وقد اعترضوا جزما ، لكن كان على مستوى الادنة والشجب ، و إظهار السخط  فقط .

لم ينقل علماء أهل السنة تفاصيل تلك الفتنة ، ولم يدوّنوا حقيقة ما حلّ بالأمة جرّاء ذلك . بل تجد في التاريخ جوانب مجملة من تلك الأحداث . و لعل أكثر الصحابة قد اتخذوا موقفا يماثل موقف أمير المؤمنين علي عليه السلام . لعل السر في ذلك أن  أمير المؤمنين علي عليه السلام كان على رأس المعارضين ـ و كل من كان يعارض كان يرى أن  أمير المؤمنين علي عليه السلام هو الخليفة الشرعي لرسول الله صلى الله عليه و آله ـ و يعلم المعارضون أن الامام علي عليه السلام لم ينو محاربة الغاصبين ، ولم  ينحو تجاه المعارضة المسلحة القتالية ، لذا تابع هؤلاء الصحابة المعارضون الامام علي عليه السلام في موقفه ذلك {المعارضة السلمية}، ولم يقاتلوا السلطة ، و كانوا يرون متابعة موقف علي عليه السلام في عدم القتال عذرا لهم .  والكثير  من الآخرين ايضا ممن لم يخوضوا في هذه المسألة {محاربة السلطة} إما لأنهم ليسوا مهتمين للأمر ، أو لأنهم مهتمين ، لكن كانوا يطلبون العافية . هذا كله إلى جانب المخطط الواسع الذي دُبّر ضد الخليفة المنصوص ؛ و أدّى إلى مباغتة الجمهور ، لقد أخذوا  الناس على غفلة ، وكان أشبه بالانقلاب .

مضافا إلى أن الكثير من كبار علمائكم و علماء أهل السنة قد اعترفوا بواقعة الغدير العظيمة التي أعلن فيها النبي صلى الله عليه و آله ولاية علي عليه السلام وخلافته على الأمة ؛ نظرا لتواترها ، وكثرة نقلها ، ولا يمكن لأحد أن ينكر هذا اليوم التاريخي في الاسلام .[1]

 

 

 

 

[1] . راجع مثلا: أحمد بن حنبل ، المسند ، ج4 ، ص 281 ، 372 ، النسائي ، خصائص أمير المؤمنين ، ص 93 ـ ص 96 ، النسائي ، السنن الكبرى ، ج 5 ، ص 45 ، الحاكم النيشابوري ، المستدرك ، ج 3 ، ص 109 . و غيرهم .

 


المصدر: كتاب: " الصراط المستقيم" لآية الله العظمى الشيخ الصافي الگلبایگاني دام ظله

النبي صلى الله عليه واله يبشّر جابر بن عبد الله الأنصاري بلقاء الامام الباقر عليه السلام

نعزي الامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف و العالم الاسلامي و خصوصا أتباع أهل البيت عليهم السلام بذكرى شهادة الامام الباقر عليه السلام

 

 

ورد في روايات عديدة بشارة النبي صلى الله عليه و اله بحفيده الباقر الامام محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام ، و حديثه عن علمه و نشر الرسالة و حفظها من بعده من تلك الروايات ما نقله المرجع الديني الصافي اتلکلبایگانی  في كتابه بالفارسية " سلسله مباحث امامت و مهدويت " ج4، ص229ـ ص230

، و نضيف إليه بعض ما أورده في البحار من ذلك .

1ـ عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذات يوم لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف في التوراة بالباقر فإذا لقيته فاقرأه مني السلام فدخل جابر إلى علي بن الحسين عليه السلام فوجد محمد بن علي عليه السلام عنده غلاما فقال له: يا غلام أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر.
فقال جابر: شمايل رسول الله صلى الله عليه وآله ورب الكعبة، ثم أقبل على علي بن الحسين فقال له: من هذا؟ قال: هذا ابني وصاحب الامر بعدي: محمد الباقر، فقام جابر فوقع على قدميه يقبلهما ويقول: نفسي لنفسك الفداء يا ابن رسول الله، اقبل سلام أبيك، إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقرأ عليك السلام، قال: فدمعت عينا أبي جعفر عليه السلام ثم قال: يا جابر على أبي رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض وعليك يا جابر بما بلغت السلام.

2ـ وعن عمرو بن شمر قال: سألت جابر بن يزيد الجعفي فقلت له: ولم سمي الباقر باقرا؟ قال: لأنه بقر العلم بقرا أي شقه شقا، وأظهره إظهارا.
ولقد حدثني جابر بن عبد الله الأنصاري، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف في التوراة بباقر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام فلقيه جابر بن عبد الله الأنصاري في بعض سكك المدينة، فقال له: يا غلام من أنت؟ قال: أنا محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، قال له جابر: يا بني أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر فقال: شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله ورب الكعبة، ثم قال: يا بني رسول الله صلى الله عليه وآله يقرئك السلام، فقال: على رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض وعليك يا جابر بما بلغت السلام فقال له جابر: يا باقر! يا باقر! يا باقر! أنت الباقر حقا أنت الذي تبقر العلم بقرا، ثم كان جابر يأتيه فيجلس بين يديه فيعلمه، فربما غلط جابر فيما يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيرد عليه ويذكره، فيقبل ذلك منه ويرجع إلى قوله، وكان يقول: يا باقر يا باقر يا باقر أشهد بالله أنك قد أوتيت الحكم صبيا.

3ـ وروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن جابر بن عبد الله كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت فكان يقعد في مسجد الرسول معتجرا بعمامة، وكان يقول: يا باقر يا باقر، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا والله لا أهجر ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقرا فذلك الذي دعاني إلى ما أقول، قال: فبينما جابر ذات يوم يتردد في بعض طرق المدينة إذ مر محمد بن علي عليهما السلام فلما نظر إليه قال: يا غلام أقبل فأقبل فقال: أدبر فأدبر، فقال: شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله والذي نفس جابر بيده ما اسمك يا غلام؟ قال محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فقبل رأسه ثم قال: بأبي أنت وأمي، أبوك رسول الله يقرئك السلام فقال: وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله السلام فرجع محمد إلى أبيه وهو ذعر فأخبره بالخبر فقال: يا بني قد فعلها جابر؟ قال:
نعم، قال: يا بني الزم بيتك، فكان جابر يأتيه طرفي النهار فكان أهل المدينة يقولون: واعجبا لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار، وهو آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يلبث أن مضى علي بن الحسين، فكان محمد بن علي يأتيه على الكرامة لصحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله قال: فجلس الباقر يحدثهم عن الله فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا قط أجرأ من ذا، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أهل المدينة: ما رأينا قط أحدا أكذب من هذا يحدث عمن لم يره، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن جابر بن عبد الله فصدقوه، وكان والله جابر يأتيه فيتعلم منه.

 

 


 

المصدر: كتاب " سلسله مباحث امامت و مهدويت " ج4، ص229ـ ص230

قراءة في كتب المرجع الصافي في باب التقريب بين المسلمين/ق4

 

آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافيدام ظله رائد الاصلاح بين المسلمين في العصر الحديث

/ قراءة في كتب المرجع الصافي في باب التقريب بين المسلمين/

القسم الرابع :

كتاب  مع الخطيب في خطوطه العريضة

 

 

 

من أشهر كتب المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الصافي دام ظله في الذود عن الحق و نبذ الفرقة و الاختلاف بين المسلمين هو كتاب معالخطيب في خطوطه العريضة. و عن قصة هذا الكتاب إليك أيها القارئ العزيز التنصوص التالية:

إن سهام الظلم والافتراء طالما و جهت الي أهل بيت النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، والي شيعتهم ومحبيهم.

وقد كان منها في عصرنا ما كتبه المدعو محب الدين الخطيب، باسم الخطوط العريضة، لمذهب أهل البيت عليهم السلام، وضمنه من التهم والافتراء ماالله يعلم أن الشيعة منها براء. و قد استغل خصوم الشيعة هذا الكتب وطبعوه عشرات الطبعات بملايمين النسخ والحمد لله أنه سبحانه وتعالي هيأ في كل عصر من تقف في وجه الباطل ويرد سهام الظلم عن أهل البيت الطاهرين وشيعتهم الأبرار المظلومين.

وقد تصدي للرد علي مقولات الخطيب سماحة المصلح المجاهد الساعي الى جمع كلمة المسلمين وبث روح التجاوب والتحابب والأخوه بينهم آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي دام ظلّه، الذي نذر وجوده لخدمة العلم والدين، وقد كتب هذا الرد قبل ثمان وثلاثين سنة، فتلقاه المسلمون بالقبول والشكر، وقد ترجم الي لغات متعددة، وطبع بطبعات متعددة.

كتبت هذا النقد بعد ما انتشر كتاب «الخطوط العريضة» بطبعته الاولي سنة 1380، ثم رأيت أن الأولي في هذا العصر- الذي تواترت فيه الكوارث والفتن علي المسلمين- ترك نشره، فخفت أن يكون التعرض للجواب أيضاً سبباً للشقاق والضعف، والفشل والتفرقة المنهي عنها، فذكرت قوله تعالي‏ (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن)[1]. وقوله تعالي: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)[2]. وقوله تعالي: (وإذا مروا باللغو مروا كراماً)[3] فقلت في نفسي: دع الخطيب ومن يحذو حذوه يكتب، ويتقول علي الشيعة ويفتري عليهم كل ما يريد، فالله سبحانه يقول: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)[4].

فالحريّ بنا وبكل مسلم غيور علي دينه وأمته ترك هذه المناقشات المثيرة، والظروف والأحوال علي ما يشاهد في العالم الإسلامي، فالفتن والكوارث قد أحاطت بنا من كل جانب، وجحافل الإلحاد بكل أفكاره ومبادئه الشرقية والغربية، والإستعمار الصهيوني، والصليبي أخذ يحاربنا، وبلا هوادة مستعملًا كافة الأساليب الخداعة والمخططات الهدامة، فهم الآن ومنذ زمن غير قريب يغزوننا في عقر دارنا ، يهتكون حرماتنا، ويخربون مساجدنا، ويسعون لهدم جميع آثار الإسلام، وصروح الفضيلة، والشرف والأخلاق الكريمة التي أشادتها رسالة نبينا محمد صلي الله عليه وآله.

فالإسلام مهدد من جانب الإستعمار، ومهدد من جانب الصهوينة ، ومن جانب المبشرين الصليبيين، مهدد من جانب المجوسية، مهدد من جانب الشيوعية، مهدد من جانب الصحف والمجلات الأجيرة لإشاعة الخلاعة والدعارة، مهدد من جانب النعرات القومية، مهدد من جانب ما يسمي بالعلمانية، مهدد ... ومهدد ... ومهدد ...

فها هي ذي حرمات الله مساجدنا في فلسطين تهتك، وتدنس بكل وسائل اللهو والخلاعة والمجون.

وها هو ذا المسجد الأقصي المبارك الذي أضرمت في ه‏ءسرائيل نيران حقدها الدفين علي الإسلام والمسلمين، وأعلنت بحرقه نواياها الصهيونية الخبيثة.

وهذه فلسطيننا الحبيبة مازالت تئن تحت نير احتلال العدو، وتوجه منها في كل يوم الإعتداءات الإسرائيلية نحو الأراضي الأسلامية المحيطة بها.

وهذه مآت الألوف من إخواننا المسلمين المشردين من أبناء فلسطين ما برحوا لاجئين، يعيشون في المخيمات، ويقاسون أنواعاً من الحرمان والإضطهاد.

فيا أخي ماقيمة كتاب «الخطوط العريضة» ونحن في هذه الأحوال الدقيقة الحرجة؟ وما فائدة هذه الأقلام للإسلام والمسلمين؟ ومن ينتفع بمثل هذه النشريات غير أعداء الدين؟ وهل وراء ذلك غير اليد الصهيونية الإستعمارية الأثيمة؟

واجبنا والظروف والأحوال هذه هو الجهاد، والتضحية في سبيل الله بنفوسنا وأموالنا وألسنتنا، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلي.

واجبنا سيّما القادة والعلماء، والكتاب والأثرياء، وذوي القدرة، أن نبذل كل إمكانياتنا لتحرير الأراضي المغتصبة، ومقدساتنا في القدس العزيز، وأن نتسلح بسلاح ال‏ءيمان، والإعتصام بحبل الله والإتحاد، وأن ندعو المسلمين ألي التحابب والتوادد، لا أن نشتغل بالبحث عن المفاضلة بين الصحابة، والخلافات المذهبية، ونجعل ذلك سبباً للجفوة والبغضاء، ونوقد ناراً أخمدتها الأزمنة والدهور، ونحي أحقاداً أماتتها الشدائد.

فمن أمرّ الامور علينا، ومما يملأ القلوب حسرة هو أن يري فريق من المسلمين- في رحاب الحرمين الشريفين، وفي أعظم مؤتمر إسلامي سنوي كرم الله به هذه الأمة، ويؤمه المسلمون من جميع الأصقاع والأقطار- جعلوا همهم تفريق كلمة الأمة والدعوة إلي التباغض والتقاطع والتنافر، بينما كان من الواجب عليهم أن يوجهوا هذا المؤتمر الإسلامي العظيم إلي معالجة ماابتلي به المسلمون جميعاً من دعايات الإلحاد، والكفر، فيتخذوا الأساليب الناجحة لدفع هذه النعرات الضالة المضلة، وأن يستنهضوا بهذه الجموع الحاشدة- التي جائت من كل فج عميق ليذكروا اسم الله، وليطوفوا بالبيت العتيق- الأمم الإسلامية في شرق الأرض وغربها للجهاد والنضال، والعمل لكل ما يحقق النصر، ورفع الظلامة التي حاقت بأولي القبلتين.

إذا لم نتفهم هذه الحقيقة البسيطة فكيف نتوقع أن يعود إلينا مجدنا الذاهب لنعيش كما عاش آباؤنا الذين أكرمهم الله فألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمة الله إخواناً.

 

فصاروا في جميع الأرض حرا

وصرنا في أماكننا عبيداً

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

نعم إني تركت نشر هذا النقد، وأوكلت أمر الخطيب، وما أتي به من البهتان إلي يوم الجزاء، يوم يحكم الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)[5].

ولكن لما هو والأيادي الأثيمة، التي كانت ولا تزال وراء هذه النشريات، لم يقتنعوا بطبعته الأولي فكرروا طبعه ثانياً في جدة وثالثاً ورابعاً في الديار الشامية، وخامساً في القاهرة سنة 1388، وترجم إلي اللغة الأوردية كأنهم عثروا علي كنز مخفي يجب نشره، أو علي صحيفة علم لم يطلع عليها أحد.

ثم كرر طبعه للمرة السادسة محرفاً، ووزع مجاناً في هذه السنة 1389 في الموسم وفي أرض التوحيد، وفي المملكة العربية التي يدعو عاهلها المسلمين ألي الإتحاد والإتفاق والوحدة الإسلامية، بين الحجاج الوافدين ءلي بيت الله الحرام ليحملوا هذه الدعوة الممزقة المفرقة إلي بلادهم، ويثيروا نار الفتن الدامية بين المسلمين، حتي يهدد كياننا من الداخل، ويتشجع أعداؤنا علينا من الخارج.

فلعن الله الإستعمار، والصليبية، والصهيونية، ولا أخالك تظن أن أي عمل يرتكز علي إثارة العصبيات المذهبية بين المسلمين كهذا العمل عملًا بسيطاً يقدم عليه متعصب لمذهبه، فما وراء هذه النشريات يا أخي إلا يد الإستعمار والصهاينة، وليس المنفق علي هذه الدعايات إلا أعداء الإسلام من إسرائيل وحلفائها.

 

فلهذا طلب مني جمع من الاذكياء بما وراء مثل هذه الكتابات، نشر هذا النقد، لئلا يقع بعض من لا معرفة له بعقائد الفرق في مكايد هذه الأقلام، ويعرف أن ما في كتاب «الخطوط العريضة» إما بهتان محض وافتراء بحت، أو ما ليس ال‏ءلتزام به منافياً لأصول الإسلام وما عليه السلف والخلف، خصوصاً إذا كان عن التأول والإجتهاد، فأجبتهم إلي مسؤولهم متوكلًا علي الله تعالي.

ولا يخفي عليك أني في هذا الكتاب استهدفت الحقيقة والتاريخ بروح موضوعية مجردة عن كل تعصب وانحياز، فمن الإنصاف لقاري في الكريم الذي ينشد الحقيقة أيضاً ألا يتسرع ألي الحكم حتي يشبع الكتاب دراسة واستيعاباً، وحتي يتجرد عن كل تعصب مقيت، وله بعد ذلك أن يحكم له أو أن يحكم عليه، وعند ذلك فالإختلاف والإتفاق قيمة علمية، وبينة قائمة مادام الرائد هنو الإنصاف، والحق هو المنشود.

قم المقدسة

29 ذي الحجة- 1389

 

مقدمة

لاريب في أن الدعوة الإسلامية إنما قامت علي عقيدة التوحيد، وتوحيد العقيدة، وتوحيد الكلمة، وتوحيد الأنظمة والقواعد، وتوحيد المجتمع، وتوحيد الحكومة، وتوحيد المقاصد.

فعقيدة التوحيد هي المبني الوحيد لجميع الفضائل، وهي الحجر الأساس للحرية، واشتراك الجميع في الحقوق المدنية.

فلا فضل لعربي علي عجمي، ولا لأبيض علي أسود، وكل الناس أمام الحق والشرع سواء والناس كلهم من آدم، وآدم من تراب، و: (إنما المؤمنون إخوة)[6] و: (إن أكرمكم عند الله أتقيكم)[7] و «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»[8] و «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكي بعضه تداعي سائره بالسهر والحمي»[9] و «من لم يهتم للمسلمين عامة فليس منهم»[10].

أصبح المسلمون بنعمة الله إخواناً معتصمين بحبل الله تعالي، قلوبهم مؤتلفة وأغراضهم واحدة، «أشداء علي الكفار رحماء بينهم،» فتحوا الأصقاع والبلدان،

وصاروا سادات الأرض، ودعاة الناس إلي الحرية والإنسانية، وقواد الاصلاح والعدالة الإجتماعية.

هدموا قصور الجبابرة المستبدين، وأنقذوا الضعفاء من استعباد الأقوياء الظالمين، وأخرجوا الناس من ذل سلطان الطواغيت وعبادة العباد، وأدخلوهم في عز سلطان الله وسلطان أحكامه وعبادته.

هكذا كان المسلمون الذين أخلصوا دينهم لله، ولولا مافشي فيهم من النفاق وحب الرياسة والحكومة، والمنافرات التي وقعت بينهم في الإمارة، لما كان اليوم علي الأرض أمة غير مسلمة.

ولكن فعلت فيهم السياسة فعلها الفاتك، ففرقت كلمتهم، وأزالت وحدتهم ومجدهم، فصاروا خصوماً متباعدين، بعد ما كانوا إخواناً متحابين، واشتغلوا بالحروب الداخلية عوضاً عن دفع خصومهم واعدائهم، ونسوا ما ذكروا به من الأمر بالإتحاد، والإخوة الدينية، فصرنا في بلادنا أذلة بعد أن كنا في غيرأ وطاننا أعزة.

وأكثر هذه المفاسد إنما أتتنا من أرباب السياسات، ورؤساء الحكومات، الذين لم يكن لهم إلا الإستيلاء علي عباد الله، ليجعلوهم خولا ومال الله دولا، فأثاروا الفتن، وقلبوا الإسلام رأساً علي عقب، وضيعوا السنن والأحكام، وعطلوا الحدود، وأحيوا البدع وقضوا بالجور والتهمة، واستخدموا عبدة الدراهم والدنانير، وأمروهم بوضع الأحاديث لتأييد سياساتهم، وفسروا القرآن وحملوا ظواهر السنة وفق آرائهم، ومنعوا الناس عن الرجوع إلي علماء أهل البيت الذين جعلهم النبي صلي الله عليه وآله‏

وسلم عدلًا للقرآن، وأمر بالتمسك بهم‏[11] فراجع بعين البصيرة والإنصاف كتب التاريخ والحديث حتي تعرف أثر أفاعيل السياسة من الغاشمة تلك الفظائع. التاريخ والحديث حتي تعرف أثر.

ولا تنس أيضاً أثر سياسات خصوم الإسلام من المسيحيين واليهود وغير هما في تأجيج نار الشحناء والبغضاء بين المسلمين، فإنهم لم يسلبوا سلطاننا، ولم يملكوا بلادنا الا بما اوقعوا بيننا من التفرق والتشتت، وبما بذلوا من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة لبثّ التنافر والتباغض بين المسلمين، ومنعهم من الإتحاد، فهم لا يزالون يضعون حواجز في طريق تقارب الحكومات الإسلامية، ويصرفونهم عن الدفاع عن وطنهم الإسلامي الكبير ليؤسسوا حكومات مستعمرة، وأو طاناً مفتعلة، من غير أن يعتبروها أجزاءاً لو طننا الإسلامي ويطالبونهم بالدفاع عن حدود هذه الأوطان التي أحدثها المستعمرون وذلك لتفريق كلمة المسلمين، وتضاربهم فيما بينهم حتي تقف كل حكومة منهم في وجه الأخرى.

 

تأبي الرماح إذا اجتمعن تكسراً

وإذا افترقن تكسرت آحادا

والعارفون بأهداف الإستعمار يعلمون أن تجزئة الأمة الإسلامية أعظم وسيلة تمسك بها المستعمرون للإحتفاظ بسلطتهم.

فيا أخي ما قيمة الوطن الذي افتعله الأجنبي لمصلحة نفسه، وأي امتياز جوهري بين السوداني والمصري، والأردني والسوري، واليماني والباكستاني، والعربي والعجمي، بعد أن كانوا مسلمين خاضعين لسلطان أحكام الإسلام، وأي رابطة أوثق من الروابط الإسلامية والاخوة الدينية.

المسلمون كلهم أولاد علات، أبوهم واحد وهو الإسلام، وأمهاتهم شتي، بلادهم منهم ولكن الإستعمار صيرهم أقواماً متمايزة، وأراد أن يكون في كل بلد وإقليم حكومة خاصة، وشعائر تميز بعضها من بعض، والله تعالي أراد أن يكون الجميع أمة واحدة.

قال الله سبحانه: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون)[12].

وقال عز من قائل: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ماجاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم)[13].

فالمسلم أخو المسلم سواء كان من أهل قطره أم لا، المسلم الفلسطيني أخ للمسلم العراقي، وللمسلم الإيراني، وللمسلم الصيني، وللمسلم الأرجنتيني، ووو.

 

جميع بلاد الإسلام وطن لكل مسلم، والإسلام حكومته، وقانونه وسياسته، وعقيدته ودينه، وأما الحكومات العميلة التي لا يتصل بعضها ببعض بالصلات الإسلامية الوثيقة، والتي جعلت شعارها القوميات الضيقة المحدودة، وتشدقت بالدفاع عنها، ولم تكترث بأوضاع العالم الإسلامي، وما يصيب المسلمين في غير إقليمها من الضعف والإضطهاد، فلا تخدم إلا أعداء الإسلام ما لم تجعل شعارها الوحيد الإحتفاظ بمصالح المسلمين وتحقيق أهداف الإسلام في شرق الأرض وغربها.

فيا ألله، يا منزل القرآن، ويا منزل سورة التوحيد وحد حكوماتنا، وخلص المسلمين من كل حكومة انفصالية إقليمية، وأجمعهم تحت راية حكومة إسلامية واحدة.

المسلمون شعارهم واحد، ومقصدهم واحد، وعقيدتهم واحدة، لا يعين المسلم غير المسلم علي أخيه المسلم، ولا يرغب المسلم في حكومة قامت علي خيانة المسلمين، ولا يذل نفسه عند الكفار ليعيّنوه حاكماً علي المسلمين.

المسلم لا يكتب ما يوجب اشتداد البغضاء والتنافر بين إخوانه، ويمنعهم عن التقارب والتفاهم.

هذا شي‏ء يسير من تأثير السياسات الغاشمة في الأمة الإسلامية، ولم يبق منها في هذا العصر ما يمنع من التوفيق بين المذاهب، واتحاد المسلمين واجتماعهم تحت لواء الإسلام الا بعض العصبيات الجامدة التي ليس ورائها حقيقة، ولا مصلحة للمسلمين، وإلّا دعايات الإستعماريين «من الشيوعيين والرأسماليين» وقد قام بينهما الصراع في استعمار ممالك المسلمين وكل منهما يريد أن يستعمر، ولا يري إلا ما فيه مصلحة لنفسه أبعدهما الله عن المسلمين وممالكهم، وخذل عمالهما وكل حكومة تأسست علي رعاية منافعهما، وموادة من حاد الله ورسوله.

هذا بلاء المسلمين في عصرنا، ومنه يتوجه الخطر عليهم، وهذه السياسة هي التي لا تتوخي إلا فقر المسلم وجهله، وهذه هي التي تشيع الفحشاء في المسلمين، وتبيح بيع الخير والقمار الربا، تدعو إلي السفور، وتروج الدعارة والتحلل، وخروج النساء سافرات عاريات.

هذه السياسة هي التي تريد اشتغال المسلمين بالملاهي والمعازف، وانصرافهم عن حقايق ال‏ءسلام والقرآن، وتروج البطلالة، ولا تحب اشتغال المسلمين بالعلوم النافعة والصنايع، وتأسيس المعامل حتي لا يباع في أسواقهم إلا متاع المستعمرين.

وأما السياسات العاملة لتفريق المسلمين في القرون الأولي والوسطي فقد قضي عليها الزمان، فمضت العصور التي استعبدت الناس فيها جبابرة الأمويين والعباسيين، ومضت الأعصار التي كان فيها تأليف الكتب وجوامع الحديث تحت مراقبة جواسيس الحكومة.

مضت العصور التي كان العلماء فيها تحت اضطهاد شديد، والعمال والولاة يتقربون إلي الخلفاء والأمراء بقتل الأبرياء، ونفيهم عن أوطانهم وتعذيبهم في السجون، وقطع أبديهم وأرجلهم.

مضي الذين شجعوا العمل علي التفرقة واختلاف الكلمة، واشعال الحروب الداخلية.

مضت السياسات التي سلبت عن مثل النسائي حرية العقيدة والرأي وقتلته شر قتلة.

مضي عهد الجبابرة الذين صرفوا بيوت أموال المسلمين في سبيل شهواتهم، واتخاذ القينات والمعازت هواية لهم.

مضت العصور التي سبوا فيها علي المنابر أعظم شخصية ظهرت في الإسلام، لا يريدون بسبه إلا سب الرسول صلي الله عليه وآله وسلم.

مضت الأزمنة التي كان يرمي فيها بعض المسلمين بعضهم بالإفتراء والبهتان وحتي الكفر والإلحاد.

مضت العصور المظلمة التي عاشت فيها كل فرقة وطائفة من المسلمين كأمة خاصة لا يهمها ما ينزل علي غيرها من المصائب والشدائد، ولم يكن بينهم أي تعاون أو أدني تجاوب.

نعم قد مضت تلك العصور، وظهرت في تاريخ الإسلام صحائف مشرقة مملوءة بنور الإيمان والاخورة الإسلامية، فقامت جماعة من المصلحين المجاهدين بالدعوة إلي الاإصلاح والإتحاد، فأدركوا أن آخر هذا الدين لا يصلح ألا بما صلح به أوله، وأعلنوا أن المستقبل للإسلام، و: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)[14].

فدعوا إلي اتباع الكتاب والسنة، ورفض العصبيات: العصبية الشعوبية، والعصبية المذهبية والقبيلية، فأدوا رسالتهم في شرق البلاد الإسلامية وغربها، رزقهم الله التوفيق في توحيد الكلمة، وجمع شمل الأمة، فأثرت أعمالهم ال‏ءصلاحية في نفوس‏ المسلمين أثراً جميلًا، ولبّي دعوتهم جمّ غفير من الغياري علي الإسلام من العلماء الأفذاذ وغيرهم.

فكان من ثمرات هذه الجهود الكبري بل ومن أحلي ثمارها تأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، وإصدار مجلة «رسالة الإسلام» العالمية التي جعلت شعارها قوله تعالي:

(إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)[15] وكتب فيها من كتاب المذاهب ودعاة الخير والإصلاح، ورجالات الإسلام جماعة من المشايخ، والأساتذة، فحققت مساعيهم كثيراً من أهدافهم في رفع التدابر والتنافر.

وكان من فوائد هذه الجهود عرض عقائد كل من الفريقين علي الآخر بعد أن لم يكن لأكثرهم معرفة بمذهب غيرهم في الأصول والفروع، وكان هذا الجهل سبباً لتكفير بعضهم بعضاً في الأزمنة الماضية، فعرفوا اتفاق الكل في الأصول، وأن بعض الخلافات التي أدي إليها اجتهاد كل فريق لا يضر بالتقريب والتفاهم بعد اتفاق الجميع في الأصول.

وسيبزغ بفضل هذا الجهاد فجر وحدة المسلمين، ويصبحون كما أصبح أسلافهم في حياة النبي صلي الله عليه وآله وسلم إخواناً، ويدخل هذا الدين علي ما دخل عليه الليل ولا تبقي قرية إلا ونودي فيها بكلمة التوحيد.

نعم إن قوماً إلههم واحد، وكتابهم واحد، وقبلتهم واحدة، وشعائر دينهم واحدة، وقد جعلهم الله أمة واحدة، أتري ليس الي دفع مشاجراتهم واختلافاتهم سبيل؟

 

إن الإسلام يدعو إلي وحدة الأمم، ووحدة الأقوام والطوائف في مشارق الأرض ومغاربها.

دين الإسلام دين التوحيد، ودين خلع العصبيات، ورفض ما يوجب الشحناء والعداوات، دين يسير بأبناء البشر نحو حكومة عادلة ومساواة إنسانية كاملة، ونظام عدل للإقتصاد والإجتماع، ونظام للحكم والدستور ونظام للتربية والتعليم، ونظام في جميع نواحي الحياة ونظام للجموع وهم فيه سواء.

أتري أن هذا النظام الإلهي لا يقدر علي فصل الخصومات، وحسم المنازعات بين أبنائه؟

أتري أن ال‏ءسلام لم تكن له أساليب وتعاليم صحيحة لتمكين الأمة في الوطن الإسلامي الكبير الذي يشمل جميع المسلمين، أحمرهم، وأبيضهم. وأسودهم؟

أتري أنه لا يعرض علي أبنائه دواء لدائهم؟

أتري أنه لا يقدر علي رفع المشاجرات التي أحدثها عمال السياسات الغاشمة. وأيدي الإستعمار الظالمة تلك المشاجرات التي يعود كل فائدتها لأعدائنا؟

أتري أن الله حرّم علي هذه الأمة أن يجلسوا علي صعيد واحد ويعيشوا في ظل حكومة واحدة فأقفل عليهم باب التفاهم والتجاوب؟

هذا هو القنوط من رحمة الله واليأس من روحه، وكل دائنا يرجع إلي ذلك.

ودواؤه الثقة بالله، والإيمان بأن النصر من عنده، وأن جند الله هم الغالبون، وأن العالم سيلجأ إلي الإسلام، وأنه هو الدافع الفذ للمشاكل التي أحاطت بالإنسانية، وأن‏ المسلمين هم الذين يجب عليهم أن يؤدوا رسالة الإسلام إلي غيرهم وقد آن وقت ذلك وإن لم يأن فعن قريب سيجي‏ء إن شاء الله تعالي.

فإذاً لاعجب أن قامت في المسلمين نهضات للإصلاح، ورفع التفرقة وجمع الشمل، وإعادة كيانهم المجيد، ومجدهم العزيز.

ونسأل الله تعالي الإستقامة والصبر للمصلحين، ولمن يوازرهم علي توحيد كلمة المسلمين إنه لما يشاء قدير.

ربنا أفرغ علينا صبراً، وثبت أقدامنا

وانصرنا علي القوم الكافرين‏

قم المقدسة

شوال 1382

 

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمدلله رب العالمين الرحمن الرحيم‏

مالك يوم الدين إياك نعبد واياك نستعين إهدنا

الصراط المستقيم صراط الذين إنعمت عليهم‏

غير المغضوب عليهم ولاالضالين.

اللهم صل علي محمد امينك علي وحيك، ونجيبك من خلقك، وصفيك من عبادك، امام الرحمة وقائد الخير ومفتاح البركة، وعلي آله الطاهرين.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.

وكان من دعائه عليه السلام في الصلاة علي اثباع الرسل ومصدّقيهم‏[16]

اللهم وأتباع الرسل ومصدقوهم من أهل الأرض بالغيب عند معارضة المعاندين لهم بالتكذيب، والإشتياق إلي المرسلين بحقايق الإيمان في كل دهر وزمان، أرسلت فيه رسولا وأقمت لأهله دليلًا من لدن آدم إلي محمد صلي الله عليه وآله من أئمة الهدي، وقادة أهل التقي، علي جميعهم السلام فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان.

اللهم وأصحاب محمد صلي الله عليه وآله خاصّة الذين أحسنوا الصحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلي وفادته، وسابقوا إلي دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في اظهار كلمته، وقاتلوا الابآئ والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين علي محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشآئر اذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات اذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وارضهم من رضوانك، وبما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك دعاة لك اليك، واشكرهم علي هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش الي ضيقه، ومن كثرت في اعزاز دينك من مظلومهم.

اللهم وأوصل الي التابعين لهم باحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحروا وجهتهم، ومضوا علي شاكلتهم ...

اللهم وصل علي التابعين من يومنا هذا الي يوم الدين و علي ازواجهم، وعلي ذرياتهم، وعلي من اطاعك منهم صلوة تعصمهم بها من معصيتك (إلخ).

 

الخطوط العريضة

المسلمون كما أسلفنا الإيعاز إليه في حاجة ماسة إلي الاتحاد، ورفض ما أوجب الشحناء بينهم في الأجيال الماضية، وإذا كانت بينهم بعض الخلافات فيجب عليهم أن لا يجعلوها سبباً للتنازع والتخاصم. قال الله تعالي:

(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)[17].

سيما في هذا العصر الذي تداعي علينا الأمم كما تداعي الأكلة علي القصاع‏[18]

وأولي الناس برعاية هذا الواجب هم الكتاب والمصنّفون، فإنهم أدلاء العامة، وهداة الحركات الفكرية، فكما تكون لبعض المقالات والمؤلفات آثار قيمة لجمع الشمل، وعز الإسلام يكون لبعضها الآخر من مصارع السوء، والآثار المزخية ما لا يمكن دفعها إلا بعد مجاهدات و مجاهدات، فيجب علي المؤلفين الإحتراز عما يوجب إثارة الضغائن المدفونة كما أنه يجب عليهم التجنب عن الإفتراء والبهتان، ورعاية الأمانة والصدق، ونصيحة الأمة.

 

فإن أراد كاتب أن يكتب حول مذهب ما، كلمة أو كتاباً فالواجب عليه الرجوع إلي مصنفات علماء هذا المذهب في العقايد والفقه، وملاحظة آراء أكابرهم، والنظرات المشهورة بين أهل هذا المذهب، وترك الآراء الشاذة المتروكة بينهم، وأن لا يأخذ البري‏ء منهم بجرم المسي‏ء، ولا ينسب إلي الجميع ما ذهب اليه بعض من ابتلي بالشذوذ في الرأي، فإنه ليس من مذهب إلا ويوجد فيه من له بعض الآراء الشاذة.

ولعمر الحق لو راعي الكتاب والمؤلفون هذا الأمر حق رعايته لذهبوا بكثير من أسباب المنازعات والمخالفات، ولما وقعت بين المسلمين هذه المنافرات، ولما بهت المسلم أخاه المسلم بالكفر والشرك، وهذا أدب يجب علي كل كاتب أن يرعاه وإن لم يكن مسلماً.

إذا طهرت الصحف والأقلام من دنس الأغراض والعصبيات وانتزعت من أيدي الجهال وغير الخبراء، أدي ذلك إلي تخلص نفوس العامة من الأحقاد والضغائن، ومن إساءة الظن بالأبرياء.

هذا، ونحن لا نخفي أسفنا الشديد علي ما يصدر عن بعض الكتاب مما لا ينتفع به إلا أعداؤنا، وليست فيه أية فائدة ءلا الضعف والفشل، وخدمة الإستعمار الغاشم مضافاً إلي ما في كلماتهم من الإفتراء والبهتان.

ونحن نحسن الظن بإخواننا المسلمين، ولا نحب أن يصدر عن مسلم بصير بعقائد أهل السنة والشيعة وآرائهم مثل هذه المقالات التافهة، ونرجو أن لا يكون بين المسلمين من يتعمد ذلك، ونكره أن يكون بين الأمة من يخون الإسلام بلسانه وقلمه، ولا يشعر بضرره علي قومه وأمته.

وربما سامعنا بعض الكتاب الذين يكتبون في الأجيال الماضية عن الشيعة أو أهل السنة، ويسندون إليهم المقالات المكذوبة عليهم، حيث لم يكن العثور علي كتب الفريقين وآرائهم في وسع كل كاتب، وأما في هذا العصر الذي أصبح كتب الفريقين في متناول جميع الباحثين، ويمكن استعلام عقيدة كل طائفة من علمائها بكل الوسائل والسبل، فلا عذر لمن يرمي أخاه بما ليس فيه، ويتهمه بمجرد سوء الظن، وقد قال الله تعالي:

(يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم)[19]

ومن الكتب التي نسبت إلي نسبت إلي الشيعة المخاريق العجيبة، وسلكت مسلك أنصار الأمويين وغيرهم من أعداء عترة النبي صلي الله عليه وآله وسلم كتاب سماه مؤله [الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الإثني عشرية] فبالغ في البهتان والإفتراء، وتجريع عواطف الشيعة وأهل السنة، وفيه من الكذب الظاهر والفحش البين، والخروج عن أدب البحث والتنقيب ما لا يصدر إلا عن جاهل بحت، أو من كان في قلبه مرض النفاق، وأراد تفرقة المسلمين وافساد ذات بينهم، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فيما رواه الترمذي وأحمد وأبو داود:[20].

ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة، إصلاح ذات البين فان فساد ذات البين هو الخالقة.

وفي خبر من طرقنا إنه صلي الله عليه وآله وسلم قال:

إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة. والصيام‏[21].

وأخرج الطبراني عنه صلي الله عليه وآله وسلم: من ذكر امرءً بما ليس فيه ليعيبه حبسه الله في نار جهنم حتي يأتي بنفاد ماقال‏[22].

فما ظنك يا أخي بمن افتراء علي طائفة من المسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله، وكتابه وباليوم الآخر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويصومون ويحجون، ويحرمون ما حرم الله في كتاب ه وسنة نبيه. ويحلّون ما أحل الله ورسوله، ما هم منه أبرياء.

وقد طعن في هذا الكتاب علي أئمة المذهب ومفاخر الإسلام، ودافع عن سيرة يزيد بن معاوية، وأظهخر انحرافه عن أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق،[23] ليهيج الشيعة ويستنهضهم علي أهل السنة حتي يعارضوا ذلك بالمثل، فيتحقق أمله وأمل أعداء الدين من المستعمرين وغيرهم بإثارة خصومة حادة بين المسلمين، فإن الإستعمار لا يحب أن يري الشيعي والسني يغزوانه في صف واحد، ولا يريد اتفاقهما في الدفاع عن الصهيونية، ولا يريد اتحاد المسلمين في إحياء مجدهم واسترجاع تراثهم الإسلامي، واستعادة البلاد والأراضي المغتصبة منهم:

الإستعمار يريد الشقاق والنفاق حتي يصفو له الجو وتتحق أهدافه، ومحب الدين الخطيب كاتب الخطوط العريضة، ومن يسلك سبيله، يمهد له الوصول إلي مطامعه الخبيثة من حيث يعلم أو لا يعلم.

ولكن لا يبلغ الإستعمار آماله إنشاء الله تعالي، وسينجح المصلحون، ولا تهنُ عزائمهم بهذه الكلمات، فإنهم أعلم بمقالات أرباب المذاهب وآرائهم، والتقريب فكرة إصلاحية كلما مر عليها الزمان يزداد المؤمننون بها، وإن يري محب الدين استحالتها لأنه لم يفهم أو لم يشأ أن يفهم معناها.

وبعد ذلك كله فنحن نكره أن نخوض في نية محب الدين، وأنه أراد إثارة الفتن، وخدمة أعداء الإسلام، وإعانتهم علي هدم كيان المسلمين فالله هو العالم بالضمائر، فلا نريد أن نسير معه في مقالاته، ونوضح أخطاءه وعثراته، بل نريد تخليص أذهان بعض إخواننا من أهل السنة، وتطهيرها من هذه التهم والإفتراءات، وجعلنا كتاب الخطوط العريضة مورد البحث والنقد لأنه بالغ في التهجم علي الشيعة، وأتي بكل ما أراد من الكذب والبهتان، ولم نعارضه بالمثل‏ (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله واولئك هم الكاذبون)[24] بل لم نتعرض لما عند أهل السنة من آراء شاذة في الفروع والأصول، وما نسب أهل الإعتزال إلي الأشاعرة، والأشاعرة إلي المعتزلة، وأتباع بعض المذاهب إلي غيرهم، وما حدث بيهنم من المجادلات الكلامية في الكلام وخلق القرآن وغيره، وتكفير بعضهم بعضاً إلا ما دعت الحاجة إليه لتوضيح‏ المراد وتحقيق البحث والتنقيب، فإنا لا نري فائدة في نقل هذه المناقشات الا ضعف المسلمين وتشويه منظر الدين ونأخذ بما أدبنا الله تعالي به فقال سبحانه:

(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)[25].

ونقول:

(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)[26].

كيف تمت فكرة التقريب‏

قال محب الدين الخطيب في ص 5: «ونضرب لذلك‏

مثلا بمسألة التقريب من أهل السنة والشيعة ...

ثم هاجم دار التقريب بشدة، لأن غرضه الأصلي من‏

تأليفه الخطوط العريضة! مهاجمة مبدء التقريب».

من سبر أحوال المجتمع الإسلامي في أمسه ويومه، ووقف علي الصراع الطائفي الذي أردي المسلمين في مثل هذا الضعف والإنحلال، والسقوط في أحضان الإستعمار وجد أنّ سبب هذا التنافر والتشاجر جلّه أو كله يرجع إلي سياسات غابرة انتهت وكانت من نتايجها إبادة أربابها، ويدرك كما أدرك المصلحون ودعاة الوحدة والتقارب أنّ الإسلام لن تعود أليه دولته الذاهبة إلا إذا عادت إلي المسلمين وحدتهم في ظل الإسلام.

والواقع: إن من أعظم الأسباب في نشوب هذه المعارك المذهبية إنما هو جهل كل طائفة بآراء الطائفة الأخري، وإن التقارب بين المذاهب الإسلامية أمر ممكن إذا ما قدر للمسلمين أن يعيشوا في أفق أعلي وأنزه مما عاشوه في بعض أجيالهم الماضية.

بل إن ذلك ضرورة حتمية لمصيرهم ومستقبلهم، وليس ذلك من المستحيل كما زعمه الخطيب، بل يمكن أن يعيش المسلمون في محبة ووئام، كما عاش خيار الصحابة في صدر الإسلام، مع اختلافهم في الرأي والفتيا، حيث كانوا إخوة أحباء، تتميز أخوتهم بالتفادي والإ" يثار، ولم يفض اختلافهم في الرأي إلي جفوة أو بغضاء، أو تدابر أو تقاطع أو شحناء.

نعم أدرك المصلحون أن المجتمع الإسلامي في عصرنا هذا لا يقبل تكفير المسلم المؤمن بكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وآله بمجرد المزاعم والإفترائات والخلافات الفرعية[27].

فليس إذا فكرة التقريب فكرة شيعية أو فكرة سنية فضلًا عن أن تكون وليدة فكرة حكومة شيعية أو سنية، ولم تؤسس دار التقريب للتقريب بين السنة والشيعة فقط، بل تأسست للتقريب بين جميع المذاهب الإسلامية، وقد ساهم في تأسيسها من رجال العلم والدين أفذاذ لايشك في صدق نياتهم.

وأما ما ذكر من إنفاق دولة شيعية علي دار التقريب فنحيل الفاحص عن ذلك إلي أقطاب جمعية التقريب السنة وغيرهم.

ولو سلم كون التقريب فكرة شيعية، وصدر من مبدء شيعي فلماذا لا يقبله السني لأنه فكرة شيعية ما الذي يمنع من التفكر والتأمل حول آراء الطرفين؟

وماذا يخسر السني إذا ما عرض له الشيعي آراءه وعقائده لئلا يسي‏ء إليه الظن ولا يعتهمه بالفسق أو الكفر؟

إن الشيعي لا يري بذلك بأساً ولا يحس ضرراً من أن يدرس عقائد أهل السنة ومذهبهم فهو حر في دراسة جميع العقائد يقرأ كتب أهل السنة وصحفهم ومجلاتهم.

فهذه مكتبات قم، والنجف وطهران، وجبل عامل وغيرها من البلاد والعواصم الشيعية، والجامعات العلمية مملوة من كتب السنيين القدماء ومن الصحاح، وجوامع الحديث والتفاسير والتواريخ، يدرسونها في مدارسهم، ومن كتب المتأخرين، والمعاصرين أمثال الشيخ محمد عبده، ومحمد فريد وجدي والعقاد، ورشيد رضا، وهيكل، والطنطاوي وأحمد أمين، وسيد قطب، ومحمد قطب، والندوي، والمودودي وعفيف طباره، ومحمد الغزالي، وعبد الرزاق نوفل، والشيخ منصور علي ناصيف مؤلف «التاج الجامع للأصول» والشيخ المراغي والشيخ نديم الجسر وغيرهم.

وهذه محاضرات الشيعة في الفقه يدرسون فيها أقوال جميع أئمة الفقه، ورؤساء المذاهب، ويذكرون خلافاتهم، ويبحثون في أدلة الأقوال، ويأخذون بما هو أوفق بالكتاب والسنة باجتهادهم من غير تعصب لرأي، وكانت هذه سيرتهم من القديم، فراجع كتاب «الخلاف» للشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، و «التذكرة» للعلامة الحلي وغيرهما، لم يمنع أحد من العلماء تلامذته، وطلبة العلوم من مراجعة كتب أهل السنة، ولا ينكر أحد علي أحد شراءه وبيعه كتب أهل السنة في العقايد والحديث والكلام، ولا يرون بذلك كله بأساً، بل يستحسنونه ويستحثون عليه.

فرية الخطيب علي علماء النجف‏

حكي الخطيب‏[28] في ص 6 نسبة بشعة من‏

بعض كتب الشيعة إلي الخليفة عمر بن الخطاب،

ونسب نشر الكتاب الذي ذكر فيه هذه النسبة إلي‏

علماء النجف، ونسب إليهم أنهم قالوا فيه عنه كذا ...

من أوضح ما يظهر منه سوء نية الخطيب، وأنه لم يرد إلا إثارة الفتن والشقاق والخالف بين المسلمين بافتراءاته النابية إسناد نشر الكتاب المذكور إلي علماء النجف، وحكايته عنهم أنهم قالوا فيه عن عمر بن الخطاب إنه كان ...

ولو أسند نشره إلي ناشر معين وذكر اسمه واسم مؤلفه لكان له عذر في نقلها، ولكنه أسند نشره كذباً وبهتاناً ءلي علماء النجف يعني به جميعهم، وهم من أحوط الناس علي رعاية حرمة الإسلام والمسلمين، لا تجري أقلامهم وألسنتهم الطبة النزيهة إلا في الإصلاح بين المسلمين وتوحيد كلمتهم، ودعوتهم وإرشادهم الي الخير، ورفض البغضاء والشحناء، فهم في طليعة المصلحين المجاهدين لتحقيق الوحدة الإسلامية، ونبذ ما يوجب الخلاف والشقاق.

إذاً فلا شك أنه لم يرد بما حكاه عنهم إلا تجريح العواطف وتهييج الفتنة، وافتراق كلمة المسلمين أو النيل من الخليفة بنشر هذه النسبة إليه، وتسجيل نقلها عن علماء النجف، وفيهم من رجالات الدين والعلم والمعرفة بتواريخ الإسلام، وتراجم الرجال‏ من آرائه وأقواله في غاية ال‏ءعتبار والإعتماد، فكأنه أراد بتسجيل ما حكگاه علي علماء النجف تسجيل أصل النسبة علي الخليفة وإشاعتها، فإن الكتاب الذي ذكر فيه هذه النسبة «إن كان الخطيب صادقاً فيما حكاه» ليس معروفاً وفي متناول أيدي الشيعة وأهل السنة، فنحن لم نقف عليه ولا علي اسم كاتبه بعد، مع الفحص الكثير في المكتبات، ولم نطّلع علي مافيه إلا بحكاية الخطيب في كتابه الذي نشره في أرجاء العالم الإسلامي، وجعله في متناول أيدي أعداء الإسلام، والمتتبعين لعورات المسلمين، وكان الواجب علي الحكومات السنية مؤاخذة الخطيب ومصادرة كتابه بإشاعته هذه النسبة، وحكايته في كتاب يقرؤه المسلمون وغيرهم.

وعلي كل حال لاحاجة لنا بتبرئة علماء النجف عما حكي عنهم، فإن شأنهم الرفيع أكبر وأنبل من ذكر الأمور الشائكة في كتبهم، فهم معتمدون في مقالاتهم وآرائهم في المذهب والفقه والعلوم الإسلامية علي أقوي الأدلة العلمية.

هذا، ولو فرضنا ذكر شي‏ء من هذا القبيل في نقل لايعتمد عليه، أيجوز له أن ينسب ذلك إلي الشيعة!؟ وإلا فيجوز أن ينسب إلي السنيين عقايد النواصب الذين سبوا أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، وأحدثوا في الإسلام ما أحدثوا، وقتلوا سبطي رسول الله وريحانتيه صلي الله عليه وآله.

والعجب أن الخطيب تارة يقول إن التقية عند الشيعة عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر بغير ما يبطنون، وأخري يقول بتظاهرهم بأمر، لوكان التقية من دينهم لكان الواجب عليهم أن يستروه، لا أن يذيعوه ويكتبوه، وينشروه حتي يقرأه كل معاضد ومعاند،

فتأمل ما في كلماته من التهافت والتنناقض، ومجانبة الحق والإنصاف عصمنا الله تعالى منها.

الأصول قبل الفروع‏

قال الخطيب في ص 7: «ومن أتفه وسائل التعارف أن يبدأ منها بالفروع قبل الأصول، فالفقه عند أهل السنة وعند الشيعة لا يرجع إلي أصول مسلمة عند الفريقين، والتشريع الفقهي عند الأئمة الأربعة من أهل السنة قائم علي غير الأسس التي يقوم عليها التشريع الفقهي عند الشيعة، وما لم يحصل التفاهم علي هذه الأسس والأصول قبل الإشتغال بفروعها، وما لم يتم التجاوب في ذلك من الباحثين في المعاهد العلمية الدينية للطائفتين فلا فائدة من إضاعة الوقت في الفروع قبل الأصول، ولا نعني بذلك أصول الفقه بل أصول الدين من جذورها الاولي إلخ».

إن كان مراده من الأصول تلك التي قامت عليها دعوة الإسلام فلا اختلاف فيها بين المسلمين من الشيعة والسنة، لا اختلاف بينهم في أن الله واحد أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شي‏ء، ولا في أنه عليم قدير، سميع بصير، له الأسماء الحسني.

ولا في نبوة أنبياء السلف، ولا في نبوة خاتم الأنبياء وسيدهم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله، ولا في أن القرآن كتاب الله الذي أنزل إليه ليخرج الناس من الظلمات إلي النور، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

ولا اختلاف بينهم في المعاد، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وغير ذلك من الأمور الإعتقادية التي يعرفها المسلمون، ويؤمنون بها كلهم، كما لاخلاف بينهم في وجوب الصلاة، والصوم، والحج والزكاة وغيرها من التشريعات المالية والبدنية، والإجتماعية والسياسية.

وإن كان مراده من الأصول مسائل أخري مما اختلف فيه الصحابة أو التابعون، أو الفقهاء فليست هذه المسائل من تلك، وأذا كان الخطيب يعرف أصلًا من الأصول التي قامت عليها دعوة الإسلام مما يعد الإيمان في عصر النبي صلي الله عليه وآله والصحابة عند الجميع من شرايط الإسلام، ولايعرفه المسلمون من أهل السنة أو الشيعة في هذا العصر فنحن نطالبه به.

الاسس التي يقوم عليها التشريع الفقهي‏

أما ما ذكره من أن الفقه عنذ أهل السنة وعند الشيعة لا يرجع إلي أصول مسلّمة عند الفريقين، وأن التشريع الفقهي عند الأئمة الأربعة من أهل السنة قائم علي غير الأسس التي يقوم عليها التشريع الفقهي عند الشيعة.

فجوابه: أن الفقه عند جميع المسلمين من الشيعة وأهل السنة يرجع إلي الكتاب والسنة، والشيعة من أشد الناس تمسكاً بهما إن لم نقل إنهم أشد الفريقين في ذلك، ومع ذلك كيف تكون الأسس التي قام عليها التشريع الفقهي عند أهل السنة غير الأسس التي قام عليها عند الشيعة، وما الفرق بين السني والشيعي في هذه الأسس‏[29]؟ نعم لايجوز عند الشيعة إعمال القياس والإستحسان والرأي في الشريعة،

كما هو المعمول به عند بعض رؤساء المذاهب الأربعة، لأن القول بجواز العمل بالقياس والإستحسان يفضي عندهم إلي القول بنقص الشريعة التي لم تترك شيئاً من الأمور الدينية والدنيوية إلا وقد بينت حكمها، ولعدم مسيس الحاجة إلي إعمال القياس، لإمكان استخراج أحكام جميع الوقايع والأحداث والقضايا من الكتاب والسنة، وعدم وجود واقعة لا يمكن إدراجها تحت الأحكام الكلية، وذلك لم يكن من مختصات الشيعة.

ولا يخفي عليك إن أكثر الخلافات الواقعة في الفقه يرجع إلي اختلاف الإجتهاد في استخراج الحكم من النصوص، وثبوت بعض الأحاديث عند مجتهد، وعدم ثبوتها عند مجتهد آخر.

هذا مضافاً إلي أنه لا ملزم لتبعية المجتهد للأسس التي قام عليها التشريع الفقهي بحسب مذهب خاص، ولا أن يكون مقيداً بطريقة إمام خاص كالشافعي وأبي حنيفة وغيرهما، بل يجب أن يكون المتبع هو الأسس التي قام عليها التشريع الإسلامي «الكتاب والسنة» سواء وافق رأي أهل مذهب خاص أم لم يوافق، فإن وافق اجتهاد مجتهد في مسألة فتوي مجتهد شيعي لا بأس به، فإن المحذور مخالفة الأصول التي قام عليها التشريع الإسلامي لا الأسس التي قام عليها اجتهاد مجتهد خاص.

وقد كان المسلمون قبل حصر المذاهب في الأربعة يجتهدون في الكتاب والسنة، كما هو سيرة الشيعة ال‏ءمامية في الإجتهاد إلي اليوم.

وأما صحة الإجتهاد في فتوي مجتهد خاص فلم يدل عليها دليل، ولم يقم علي اعتباره لغيره من المجتهدين حجة من الكتاب والسنة، مضافاً إلي أنه يوجب سد باب الإجتهاد وسلب الحرية عن المجتهدين ووقوف الفقه الإسلامي عن مسيره، وحرمان العلماء عن التفكير والتأمل في الكتاب والسنة، وأظن أن الأئمة الأربعة أيضاً لم يريدوا أن يكون مسلكهم في الفقه حجة لساير المجتهدين، وسبباً لإقفال باب الإجتهاد عليهم، لتنحصر المذاهب في الأربعة[30] كما أظن أن المجتهدين لو جعلوا

 

نصب أعينهم التشريع الإسلامي، والكتاب والسنة، ولم يقيدوا أنفسهم باتباع مذهب مجتهد معين، كما كان عليه المسلمون قبل تأسيس هذه المذاهب، لزال كثير من هذه الإختلافات والمنافرات، ولسار الفقه الإسلامي نحو عالم أرقي وأوفق بالكتاب والسنة وبمزاج العصر، والمزيد البحث في ذلك مجال آخر.

 

 

 

 

 

 

[1] ( 1) فصلت/ 34.

[2] ( 2) الانفال/ 46

[3] ( 3) الفرقان/ 42

[4] ( 4) ق/ 18

[5] ( 1) النور/ 24.

[6] ( 1) الحجرات/ 10

[7] ( 2) الحجرات/ 13

[8] ( 3) بخاري: ج 1، ص 123.

[9] ( 4) مسند احمد: ج 4، ص 270.

[10] ( 5) مستدرك الحاكم: ج 4، ص 317.

[11] ( 1) في الأحاديث الكثيرة كحديث الثقلين المتواتر الذي توجد له طرق كثيرة في كتب الحديث مثل صحيح مسلم، ومسند أحمد والطيالسي؛ وسنن الترمذي والبيهقي والدارمي، وأسد اتلغابة، وكنز العمال، ومشكل الآثار، والجامع الصغير، والصواعق، وتهذيب الآثار، ومجمع الزوائد، وحلية الأولياء، وغيرها، وإليك لفظ الحديث في بعض طرقه:« إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلي الأرض وعترتي أهل بيت، ولن يتفرقا حتي يردا عليّ الحوض فانظروني كيف تخلفوني فيهما». وفي بعضها الآخر:« إني أوشك أن ادعي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزوجل وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلي الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتي يردا علي الحوض فانظروني بم تخلفوني فيهما».

[12] ( 1) المؤمنون/ 52

[13] ( 2) آل عمران/ 105

[14] ( 1) الاعراف/ 128.

[15] ( 1) الانبياء/ 92.

[16] ( 1) هذا الدعاء الرابع من الصحيفة السجادية التي يداوم الشيعة علي قراءة أدعيتها، نقلناه هنا ليعرف الباحثون منزلة صحابة النبي صلي الله عليه وآله الرفيعة عند الشيعة.

[17] ( 1) الأنفال/ 46

[18] ( 2) أخرج أبو داود في باب تداعي الأمم علي الإسلام من كتاب الملاحم ص 210 ج 2 بطريقه عن ثوبان قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله:« يوشك الأمم أن تداعي عليكم كما تداي الأكلة إلي قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينز عن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن»، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال:« حب الدنيا وكراهية الموت».

[19] ( 1) الحجرات/ 12

[20] ( 2) الجامع الصغير: ج 1، ص 114، الطبعة الرابعة.

[21] ( 1) نهج البلاغة: جزء 3، ص 47.

[22] ( 2) الجامع الصغير: ج 2، ص 171.

[23] ( 3) راجع المسند 6/ 292- المعجم الاوسيط 3/ 2176 مسند ابي العلي 12/ 6904 و 6931 والترمذي ومجمع الزوايد و كنز العمال و و و

[24] ( 1) النحل/ 105

[25] ( 1) فصلت/ 34

[26] ( 2) الحشر/ 10

[27] ( 1) انظر في ذلك ما كتبه الأستاذ العلامة الشيخ محمد تقي القمي السكرتير العام لجماعة التقريب تحت عنوان« قصة التقريب» في« رسالة الإسلام» في العدد الرابع من السنة الحادية عشرة.

[28] ( 1) علي ما هو ثابت في طبعته الأولي ولكن حذفت من الطبعة السادسة.

[29] ( 1) ونعم ما قال فضيلة العلامة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر فيما كتبه جواباً عن مسائل أبي الوفا الكردستاني وإليك بعض نصوصه:

علي ان تقسيم المذاهب إلي شيعة وسنة إنما هو اصطلاح في التسمية، وإلا فكل المسلمين أهل السنه لأنهم جميعا يوجبون الأخذ بالسنة، والشيعة كذلك نمن غير شك، إذ إن الشيعي لا يقول: قد يثبت حديث ما عن رسول الله صلي الله عليه وآله وأرفض العمل به من حيث هو حديث ثابت عن رسول الله، ولكنه يقول كما يقول جميع المسلمين إذا صح الحديث فهو مذهبي. وإنما وقع الخلاف أحياناً في ثبوت الحديث عند فريق وعدم ثبوته عند فريق آخر، وتوضيحاً لذلك نذكر ما ذكره أخونا العلامة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء الشيعي الإمامي في العراق في بعض ما كتب: إن عندنا قضية صغري وقضية كبري تؤلفان قياساً واحداً شكله هكذا:« هذا ثبت عن رسول الله وكل ما ثبت عن رسول الله صلي الله عليه وآله يجب العمل به شرعاً». فالخلاف بين المسلمين ليس في الكبري بل كلهم مجمعون عليها إجماعاً لا يتطرق إليه الشك وإنما هو في الصغري.« انظر رسالة الإسلام العدد الثالث والرابع من السنة الثانية عشرة».

[30] ( 1) وقد أعلن بفتح باب الإجتهاد، وعدم لزوم اتباع إمام مذهب خاص و عدم حصرها في المذاهب الأربعة، وجواز التعبد بمذهب ال‏ءمامية ف ضيلة العلامة شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت في فتواه التاريخية، وفي أجوبة مسائل أبي الوفاء المعتمدي الكردستاني، وفي موارد أخر، فراجع رسالة الإسلام العدد الثالث من السنة الحاديثة عشرة، والعدد الثالث والرابع من السنة الثانية عشرة. وما أدلي فضيلته إلي إحدي الصحف المصرية الكبري بحديث خطير الشأن سجل أيضاً بعض فقراتها في رسالة الإسلام- العدد الأول من السنة الحادية عشرة فقد صرح فيه بإفتائه في كثير من المسائل بمذهب الشيعة خضوعاً لقوة الدليل، ذكر منها علي سبيل المثال مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، فإنه يقع في المذاهب السنية ثلاثاً، ولكنه في مذهب الشيعة يقع واحدة رجعية، ومسألة الطلاق المعلق فإنه علي مذهب الشيعة لا يقع به الطلاق مطلقاً.

وراجع أيضاً حديثه مع مندوب جريدة إطلاعات الإيرانية المسجل في رسالة الإسلام في العدد الثاني من السنة المذكورة. وراجع مقالة الشيخ محمد محمد المدني عميد كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية في رسالة الإسلام العدد الرابع من السنة المذكورة تحت عنوان( رجة البعث في كلية الشريعة) وانظر ما كتبه الشيخ محمد أوب زهرة تحت عنوان( الوحدة الإسلامية) في العدد الثالث والرابع من السنة العاشرة.

في ‏اختلاف مستويات الأئمة عليهم السلام في‏الإيمان والعلم والأخلاق‏

 

قال السائل المحترم زاد اللَّه في سداده ورشاده: كيف يمكننا درء الشبهة القائلة باختلاف مستويات الأئمة عليهم السلام إيماناً وعلماً وخُلُقاً؟ وذلك باعتبار ما يرويه لنا التاريخ من سيرهم.

أقول: إن كان المراد من المستويات: مقوّمات الأهلية للإمامة، وتولّي الزعامة والقيادة فكل واحد منهم عليهم السلام واجد لتلك المرتبة، وإن كان المراد اختلاف مستوياتهم في الزائد على هذه المرتبة فالذي دلّ عليه الدليل هو أفضلية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من سائر الأئمة ومن أنبياء السلف على‏ نبيّنا وآله وعليهم السلام.

ويستفاد من بعض الأحاديث أنّ مولانا المهدي عليه السلام- وهو تاسع الأئمة من ذرّية الحسين عليه السلام- أفضل التسعة عليهم السلام كما أنّ الأحاديث الكثيرة دلّت على أ نّه عليه السلام يؤمّ عيسى‏ بن مريم وعيسى‏ يقتدي به صريحة في أفضليّته من عيسى‏ على نبينا وآله وعليه السلام.

وإن كان المراد: أنّ سيرهم التاريخية دلّت على اختلاف مستوياتهم فنقول:

اولًا: إنّ سيرهم التاريخية إنّما دلّت على علوِّ مستوى أرباب هذه السيرة، ولم نجد فيها ما يدلّ على اختلاف مستوياتهم، ومجرّد عدم حفظ التاريخ سيرة بعضهم، وما صدر عنه من العلوم لايدلّ على أنّ مستوى غيره ممّن حفظ عنه التاريخ ذلك كان أرفع وأعلى منه، لاسيّما مع ما نعلم بأنّ السبب الوحيد في عدم حفظ ما صدر عن بعض الأئمة عليهم السلام ، مثل الإمامين السبطين عليهما السلام إلّاالنزر اليسير، هو السياسات الغاشمة المستبدّة الحاكمة على المسلمين.

وإن شئت أن تعرف أفاعيل السياسة في ذلك، والخسارات العلمية التي منيت بها هذه الامّة من أرباب هذه السياسات، التي حرمت الناس حرياتهم في أخذ العلوم الإسلامية من منابعها الأصلية ومصادرها الأولية راجع كتب التاريخ، وكتاب «النصائح الكافية»، وكتابنا «أمان الامّة».

نعم، مرّت على هذه الامّة أزمنة كان أخذ العلم عن أهل البيت عليهم السلام وروايته من‏أعظم الجرائم‏السياسية، يُعذَّب مُحِبُّوهم وشيعتهم شرَّ تعذيب، ويُنكَّل بهم أشدّ التنكيل، يُقطِّعون أيديهم وألسنتهم، ويقتلونهم شرّ قتلة، ويسبّون بطل الإسلام ونفس الرسول وباب علمه وخليفته ووصيّه على المنابر، التي لم تقم في‏ الإسلام إلّابمجاهداته وتضحياته وبطولاته.

ففي هذه الظروف والأحوال لم تسمح الفرص لبعض الأئمة عليه السلام القيام ببثِّ العلم كما سمحت للبعض الآخر مثل الإمام‏ الباقر والإمام جعفر الصادق عليهما السلام، ومع ذلك فما في أيدينا منهم يكفي في الدلالة على علومهم اللدُنِّية، وأنّ مستوى كلّ واحد منهم في الإيمان والعلم والأخلاق أعلى‏ المستويات، وأنّهم خُزّان العلم، ومعادن الإيمان، وينابيع الحكم، وكنوز الرحمن، إليهم يفي‏ء الغالي، وبهم يلحق التالي، وعلم كلّ واحد منهم علم الجميع.

فهذا الإمام جعفر الصادق عليه السلام قد أخذ العلم منه جماعة يربو عددهم على أربعة آلاف رجل، حتّى أنّ الحافظ الشهير ابن عقدة (المتوفّى‏ سنة 333 هـ) صنّف كتاباً في أسماء الرجال الذين رووا عنه أربعة آلاف رجل، وأخرج لكلّ رجل حديثاً وعلماً رواه عن الصادق عليه السلام، وله أيضاً كتاب من روى‏ عن أمير المؤمنين، وكتاب من روى عن الحسن والحسين عليهم السلام، وكتاب من روى عن علي بن الحسين عليه السلام، وكتاب من روى عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام، وهو الذي قال في مجلس مناظرة له:

إنّه يجيب بثلاثمائة ألف حديث من أحاديث أهل البيت عليهم السلام.

ومَن سَبر غور كتب الحديث، واصول الشيعة، وكتب التراجم والرجال، وما بقي ممّا صدر عنهم في الأجواء المملوءة بالاضطهاد والضغط والقمع، في جميع حاجات الإنسان المعنوية والمادية يعرف أنّ مستواهم في جميع الكمالات أعلى وأنبل من أن يُقاس بهم أحد من الناس.

 جعلنا اللَّه تعالى من‏ شيعتهم، ووفّقنا لمتابعتهم، والاقتداء بهم، والمنتظرين لفرج قائمهم، وصلّى اللَّه على محمدٍ وآله الطاهرين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ  العالمين‏

لطف اللَّه الصافي الگلپايگاني‏

ليلة السابع عشر من رجب المرجب سنة 1403 هـ. ق.

 


 

المصدر: لمحات فى الكتاب و الحديث و المذهب ؛ ج‏1 ؛ ص209ـ ص: 212

لمحة من شخصية الإمام‏ الجواد (عليه السلام)
في كلام المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي الگلبایگانی دام ظله

نعزّي الامام الحجة المنتظر عج بذكرى شهادة جدّه الامام محمد بن علي الجواد عليه السلام

 

 

هو الامام التاسع من الأئمة الاثني عشر الذين نصّ عليهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، و ذكرهم بأسمائهم ، ونصبهم لامامة الأمة و قيادتها من بعده ، و ذلك حسب النصوص  و الروايات المتواترة الواردة عنه [1].

وقد ورث من أجداده العظام الأخلاق الكريمة ، والصفات الحسنة ، والسيرة الزكية العطرة ، و العلم والمعرفة ، والزهد ، والتقوى . كان مضرب المثل في ذلك لدى الداني والقاصي ، و قدوة للعامة والخاصة . ويتواضع لفضله العلماء ، و تخضع له ، و تقرّ بفضله الشخصيات الدينية والعلمية .

يفتخر كبار المحدّثين ، و أجلّ العماء بالتلمذ على يديه ، و الأخذ من علومه عليه السلام . و يجدون فيه ملاذا أمنا ، و ملجأ حصينا يلتجؤون إليه في حلّ أصعب المسائل العلمية .

فها هو «علي بن جعفر» الذي كان من كبار علماء بني هاشم ، ومن المشايخ العظام و أجلّ المؤمنين من العلويين ، كان قد أخذ العلوم من أبيه الامام الصادق عليه السلام ، و من أخيه الامام الكاظم عليه السلام ، ومن إبن أخيه الامام الرضا عليه السلام ، وكان معروفا بالفقاهة و الجلالة، مشهورا بالعلم والفضيلة. حينما كان عمر الامام الجواد عليه السّلام لم يتجاوز بعد الخمسة عشر سنة ، وكان عمر علي بن جعفر في حدود الثمانين عاما لكن مع ذلك كان يعترف للامام الجواد عليه السلام بالامامة ؛ بل وينهض لقدومه ، و يقبل يديه ، و حينما يسئل عن ذلك من قبل بعض تلاميذه ، يقول : « أنا له عبد» [2].

و هناك روايات كثيرة وردت في فضايل الامام الجواد عليه السلام و كراماته، و نصوص و معاجز وردت تدل على امامته عليه السلام[3].

و على الرغم من أن مدة حیاة الامام الجواد عليه السّلام لم تمتد طويلا ، و لم يتجاوز عمره الشريف الخمسة وعشرين عاما ، إلا أن علومه  الجمة قد ملأت الآفاق ، و شهدت حياته القصيرة عدّة مجالس علمية ومناظرات كبيرة ، مع علماء العصر ؛ أمثال «يحيى بن اكثم» قاضى القضاة، المناظرة التي عقدت بحضور المأمون  وجمع من بني العباس و آخرين غيرهم  ، و لما سئله يحيى بن أكثم عن مسألة ، أجابه الامام عنها ذكرا احكام جميع شقوق تلك المسألة ، و لما أنتهى عليه السلام من الاجابة ، أطرق يحيى بن أكثم حيرانا خجلا . ثم إقترح المأمون على الامام أن يسأل ابن أكثم عن مسألة ، ففعل الامام ، وعجز ابن أكثم عن الاجابة عليها ، فطلب المأمون من الامام أن يجيب عليها بنفسه ، فأجاب عليه السلام عنها .  ليلزم جميع بني العباس الحجة على أن الامام عليه السلام على الرغم من صغر سنّه هو اعلم العلماء ، و افضل الناس ، و ان هذا العلم و هذه الفضيلة إنما هي كمال  و ميزة من الله تعالى ، زيّنه بها ، و اصطفاه بها من بين جميع خلقه[4]. و من جمله المناظرات و المباحثات‏ التي حصلت للامام الجواد عليه السلام ما نقله «ابن شهر آشوب» عن كتاب «الجلاء والشفاء» ، و كان الامام في السنة الثامنة من عمره المبارك مع جمع من العلماء ، تضمنت مجموعة من المسائل العلمية الصعبة ، و قد أجاب عنها الامام عليه السلام بأفض الأجوبة العلمية .

‏الامامة في الصبا و صغر السن

الوصول إلى مقام الامامة قبل سن البلوغ و إن كان لم يحدث مثيله إلى زمن الامام الجواد عليه السلام ؛ فلم يسبق أن تقلد أحد الامامة في هذا السن ؛ إلا أنه سبق أن وصل أحد إلى مقام النبوة في هذا السن ؛ و هو حصل لبعض الأنبياء عليهم السلام ؛ ونص القرآن الكريم على ذلك ، منه : في حقّ النبي عيسى على نبينا و آله و عليه الصلاة و السلام ؛ إذ يقول على لسانه:

(انّي عَبْدُاللهِ آتانِي الْكِتابُ وَ جَعَلني نَبِيّاً)[5]

 

و في حقّ النبي يحيى على نبينا و آله و عليه الصلاة و السلام يقول:

(وَ آتَيْناهُ الْحُكْم صَبِيّاً)[6]

الحق أن الأئمة عليهم السلام منذ الصغر ، قد وهب الله تعالى لهم العلوم الجمّة ، وحباهم من دون سائر خلقه  بقوة الفهم ، و كثرة المعارف ، و أن علومهم عليهم السلام لم تكن بالتعلم ، و لم تكن وليدة تنامي استعداداتهم الجسمانية ، و مرور الزمان . هذه حقيقة يعلم بها القاصي و الداني، و يقر بها العامة و الخاصة .

لكل واحد من الائمة عليهم السلام في زمن الصبا و الصغر نقلت حكايات و مواقف كثيرة ، كشفت عن نبوغ استثنائي لهم ، و كمالات و فضائل فعليّة كبيرة و عظيمة ، لم تحصل لغيرهم . حتى أن أمثال معاوية ، و يزيد بن معاوية ، و عبد بن عمر تحدّثوا عن هذا العلم الّلدني للأئمة علیهم السلام[7].

و قد سأل أبو حنيفة الامام موسى بن جعفر عليه السلام و كان للامام سبع سنين عن مسائل فقهية، فأجابه عنها كلها  [8].

أجل ، من الواضح للعيان أن كل من يطالع سيرة الائمة عليهم السلام ؛ و ما صدر منهم من العلوم في الصغر و بعد البلوغ ، يذعن ان كل هذه العلوم و المعارف لم تكن بالتعلّم إطلاقا .

علوم أميرالمؤمنين عليه السّلام الواسعة ، الشاملة لجميع المجالات و الفروع العلمية الاسلامية ، و معارف العدالة والقانون و الالهيات و المعارف الأخرى.. كيف لها أن تكون بالتعلّم ، و أي مدرسة يمكن أن بتعلم منها هذه العلوم غير مدرسة خاتم الانبياء صلّى الله عليه وآله وسلّم ، و أي أستاذ يمكن ان يربّي مثل هذا التلميذ ؟ ومن غير علي عليه السلام يمكنه حمل علوم النبوة ، و يصبح باب مدينة علوم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ .

لم تكن علوم جميع صحابة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلا قطرة في بحر علوم علي عليه السّلام .

هذه العلوم من فضل الله تعالى و تعليم و ميراث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، و صدور مثلها و إن من الصغار مثيرا للتعصب فهو إذا صدرمن الكبار ايضا يثير العصبية . فهل لسائر الكبار الأهلية لتحمل هذه العلوم في المقابل ؟ و هل يجيب كبار العلماء العاديين عن مسائل الناس بالبداهة و العفوية، و دون سابقة؟

لا فرق في هذا الباب بين الطفل ذي السبع سنين و الرجل ذي السبعين سنة ؛ فكلاهما أزاء مثل هذه العلوم ينبغي أن يتحلّى بالأهلية الكافية ، و الصلاحية التنامة ، و الكمال الالهي ليصبح محلا للعناية الخاصة الالهية ؛ و هب أن يكون ملهما و مفهما ،  ومحدّثا بكل هذه العلوم .

فكما اعترف ال منصور، (الخليفة العباسي) في حقّ  الامام جعفر الصادق عليه السّلام ، و شهد بأنه من أولئل الذين قال الله تعالى عنهم في كتابه الكريم:

(ثُمَّ اوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ...)[9]

كذلك جميع الائمة عليه م السلام ؛ هم عباد الله  المصطفون الذين حباهمبعلم الكتاب ، و لا تخلو الأرض من أحد منهم ، و لا تحرم الأمة منهم حتى يرث الله تعالى الأرض و من عليها .

وما احاديث «الثَقَليْن»، «السفينة»، «الامان» و حديث:  «فى كّل خلف من امتى» وروايات الأخرى، إلا بيان لهذه الحقيقة و شاهد و مؤيّد لهذه المسألة.

مرور زمان نيز ثابت كرد، غير از اين ذوات مقدّسه، فرد ديگرى مصداق اين احاديث نيست و ايشان هستنند كه علمشان از علم خدا و بصيرتشان، موهبت خاصّ خدا است. و مسلمانان به شرق بروند يا به غرب، علم صحيح را جز در نزد آنها نخواهد يافت.

و قد أثبت التاريخ و مرور الأيام أن لا أحد غير هذه الذوات المقدسة من هو مصداق لهذه الأحاديث

حينما قرأ الامام زين العابدين عليه السّلام حسب نقل «ابن حجر هيثمى شافعى» الآيه الشريفه:

(يآ ايُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّادِقينَ)[10]

دعا بدعاء طويل ثم قال:

الْقُرآنِ، وَتَأَوَّلُوا بِآرائِهِمْ»

ثم قال عليه السلام:

«فالي مَنْ يَفْزَعُ خَلَفُ هذِهِ الْامَّةِ، وَ قَدْ دَرَسَتْ اعْلامُ الْمِلَّةِ، وَ دانَتِ الْامَّةُ بِالْفُرْقَةِ وَ الْاخْتِلافِ، يُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَاللهُ تَعالي يَقُولُ:

(ولاتَكُونُوا كَالَّذينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جائَتْهُمُ الْبَيِّناتُ‏)[11]

وَ افْتَرَضَ مَوَدَّتَهُمْ فِي الْكِتابِ»

ما هذا الكلام البليغ إلا إشارة إلى هذا المطلب ، و هو أن لا أحد يصلح لمقام قيادة الأمة سوى أئمة الهدى و اعدال الكتاب عليهم السلام .

فهم وحدهم محل وثوق الأمة ، و المعصومون من الزلل و الخطأ ، و قد أذهب الله تعالى عنهم الرجس و طهرهم  تطهيرا . و أوجب مودّتهم و طاعتهم على الأمة .

و السلام عليهم و على الامام الجواد يوم ولد و يوم أستشهد مسموما ويوم يبعث حيّا .

 

 

 

[1] . تتجاوز هذه الروايات حسب استقصائي الناقص المئتين  وسبعين رواية .

[2]. اصول الكافى ج 1 ص 322- تنقيح المقال ج 2 ص 272 و 237.

[3] . راجع: اصول الكافى، ج 1، في باب( الاشارة و النص على ابى جعفر الثانى عليه السّلام-) و باب( مولد ابى جعفر محمّد بن علّى الثّانى عليه السّلام-).

[4] ( 3) شرح اين مجلس مناظره تاريخى و بى نظير، در كتب معتبر اهل سنّت مانند: صواعق، الاتحاف، نور الابصار، تذكرة الخواص و ... نقل شده و در كتب شيعه نيز مانند: مناقب ابن شهر آشوب، ارشاد و اعلام الورى و كشف الغمه و بيش از صدها كتاب حديث و تراجم و تاريخ آمده است.

[5] ( 1) سوره مريم، آيه 30.

[6] ( 2) سوره مريم، آيه 12.

[7] . من الشواهد على ذلك ما روي عن الامام علي بن الحسين عليه السلام أنه قال في مجلس يزيد : يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا ، ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب ، قال : فأبى يزيد  عليه ذلك فقال الناس : يا أمير المؤمنين ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمع منه شيئا فقال : إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان فقيل له : يا أمير المؤمنين وما قدر ما يحسن هذا ؟ فقال : إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقا قال : فلم يزالوا به حتى أذن له فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب خطبة أبكى منها العيون ، وأوجل منها القلوب ، ثم قال : أيها الناس أعطينا ستا وفضلنا بسبع : أعطينا العلم ، والحلم ، والسماحة ، والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمدا ، ومنا الصديق ، ومنا الطيار ، ومنا أسد الله وأسد رسوله ، ومنا سبطا هذه الأمة ، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي..الرواية .بحار الأنوار 54: 137 ـ 138.

*و من ذلك ما رواه ال ، قال : دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية ، فقال له : صف [ لي ] عليا . قال : أو تعفيني يا أمير المؤمنين ؟ قال : لااعفيك : قال : إذا لابد ، فانه كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ويحكم عدلا ، ينفجر العلم من فيه ، وتنطق الحكمة من نواجذه يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته . وكان والله غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يقلب كفيه ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن . كان والله كأحدنا ، يدنينا ، إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه . وكان مع قربه منا لا نكلمه هيبة له ، فان تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، ولا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخي الليل سدوله وغارت نجومه ما ثلا في محرابه ، قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الواله الحزين ، وكأني أسمعه الآن وهو يقول : ربنا ربنا - يتضرع إليه - ثم يقول للدنيا : أبي تعرضت ؟ ! أم لي تشوقت ؟ ! هيهات هيهات هيهات غري غيري ، لاحان حينك ، قد أبنتك ثلاثا فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك يسير آه آه من قلة الزاد ، وبعد السفر ، وخشية الطريق . قال : فوكفت دموع معاوية على لحيته ، ما يملكها وجعل ينشفه بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء فقال : كذا كان والله أبو الحسن ، فكيف وجدك عليه يا ضرار ؟ قال : وجد من ذبح واحدها في حجرها ، لا ترقي دمعتها ولا يسكن حزنها. الاربعون حديثا لمنتجب الدين ابن بابويه ، ص 85 ـ 86.

*ومنه : ما فی الکافی :

عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : جاء رجل إلى الحسن والحسين ( عليهما السلام ) وهما جالسان على الصفا فسألهما فقالا : إن الصدقة لا تحل إلا في دين موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع ( 4 ) ففيك شئ من هذا ؟ قال : نعم فأعطياه وقد كان الرجل سأل عبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن أبي بكر فأعطياه ولم يسألاه عن شئ فرجع إليهما فقال لهما : مالكما لم تسألاني عما سألني عنه الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ؟ وأخبرهما بما قالا ، فقالا : إنهما غذيا بالعلم غذاء. الكافي - الشيخ الكليني - ج 4 - ص 47 – 48.

[8] . من ذلك: ما روى أن أبا حنيفة دخل يوما على الصادق ( عليه السلام ) ، فرأى بالباب ولده موسى الكاظم ( عليه السلام ) وهو يومئذ صبي فقال له أبو حنيفة : اني أريد ان أسألك عن مسألة أفتأذن لي في ذلك وتحسن الجواب عنها ؟ فقال ( عليه السلام ) : ( سل ما شئت ) . فقال أبو حنيفة : ممن المعصية ؟ فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أن كانت المعصية من الله ، فمنه وقع الفعل ، فهو أكرم من أن يؤاخذ عبده بما لا دخل له فيه . وان كانت منهما كان شريكه ، والشريك القوي أولى بانصاف شريكه الضعيف . وان كانت المعصية من العبد فمنه وقع الفعل واليه توجه الخطاب ، وصح له وقوع العقاب ‹ صفحه 110 › والثواب ) . فقال أبو حنيفة : ذريه بعضها من بعض. عوالي اللئالي - ابن أبي جمهور الأحسائي - ج 4 - ص 109 – 110.

[9] ( 1) سوره فاطر، آيه 32.

[10] ( 1) سوره توبه، آيه 119: اى كسانى كه ايمان آورده ايد: از خدا پروا كنيد و با راستان باشيد.

[11] ( 2) سوره آل عمران، آيه 105.

 

 


المصدر : كتاب "رمضان در تاريخ " ؛ ص84ـ  ص89

الصفحات

اشترك ب RSS - مناسبت‌ها