پیام ‌مرجع عالیقدر شیعه حضرت آیت الله العظمی صافی گلپایگانی مدظله الوارف به دوازدهمین اجلاس سالانه غدیر-مشهد مقدس، ۱۴۴۰ ه.ق بسم الله الرحمن الرحیم الحمد لله الذی هدانا لهذا و ما کنّا لنهتدی لولا أن هدانا الله  الحمد لله الذی جعلنا من...
چهارشنبه: 30/مرد/1398 (الأربعاء: 19/ذو الحجة/1440)

الأمر الثالث:
تقسيم حالات المکلّف إلى القطع وغيره

قد ظهر لك ممّا ذكر: أنّ ما هو المشهور من أنّ الحكم الظاهري هو الحكم الّذي يكون موضوعه الشكّ في الحكم الواقعي.

ليس في محلّه؛ لأنّه يلزم منه إمكان أن تكون للحكم الظاهري نفسية واستقلال، وأن لا تكون رعاية للحكم الواقعي، وهو خلاف التحقيق. مع أنّ جعل الحكم الظاهري لا يكاد يصحّ إلّا في مورد يكون الخطاب المتكفّل للحكم الواقعي قاصراً عن بعث المکلّف أو زجره، فلا يكون الشكّ موضوعاً للحكم الظاهري إلّا إذا كان لازماً لشأنية الحكم‏ الواقعي وقصوره عن‏ البعث والزجر من ‏جهة عدم ‏علم ‏العبد به.

ففي الحقيقة: يكون موضوع الحكم الظاهري شأنية الحكم الواقعي وقصوره في إيجابه لانبعاث العبد، وهذا وإن كان ملازماً للشكّ في الحكم الواقعي لعدم قصور الخطاب إلّا في صورة الشكّ في الحكم الواقعي دون صورة العلم به ـ كما مرّ ـ ولكن موضوع الحكم الظاهري ليس إلّا شأنيّة الحكم الواقعي.

وبعبارة اُخرى: الشكّ في الحكم الواقعي لازمٌ أعمّ لشأنية الحكم وقصور الخطاب. فربما نشكّ في الحكم الواقعي وهو موجود شأناً، وربما نشكّ فيه من غير أن يكون حكم في البين أصلاً، وقصور الخطاب إنّما يكون في الصورة الاُولى، وهو الموضوع للحكم الظاهري لهذه الصورة دون الثانية.

 

وكيف كان إذا عرفت ذلك کلّه، فاعلم: أنّ الشيخ& أفاد في أوّل الرسالة بأنّ المکلّف إذا التفت إلى حكمٍ شرعيٍ، فإمّا أن يحصل له القطع أو الشكّ أو الظنّ.([1]) وبيّن حكم القطع في المقصد الأوّل. وأشار إلى حكم الشكّ هنا، وذكره مفصّلاً في المقصد الثالث. ولم يتعرّض في هذا المقام لحكم الظنّ وذكره في المقصد الثاني مفصّلاً.

وقد أشكل المحقّق الخراساني+ على تثليثه الأقسام بتداخل الظن والشك بحسب الحكم.

أمّا دخول الشكّ في الظنّ، كما إذا اعتبر مثلاً خبر من لم يتحرّز عن الكذب غالباً من جهة حكايته، فلا يبقى معه مجالٌ للرجوع إلى الأصل أصلاً.

وأمّا دخول الظنّ في الشكّ، كما في صورة حصول الظنّ الّذي لا يساعد على اعتباره دليلٌ، فيلحقه ما للشكّ من الرجوع في مورده إلى الاُصول.

ولهذا عدل عنه وقال في الكفاية: «إنّ البالغ الّذي وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكمٍ فعليّ واقعيٍّ أو ظاهريٍّ متعلّقٍ به أو بمقلّديه فإمّا أن يحصل له القطع به أو لا... إلخ».([2])

وعبر بالحكم الفعلي لإخراج ما ليس بفعليٍّ كالحكم الاقتضائي أو الإنشائي. وبالواقعيّ والظاهريّ لتقريب المسافة وتمهيداً لتثنية الأقسام.

ثم قال: «وإن أبيت إلّا عن ذلك، فالأولى أن يقال: إنّ المکلّف إمّا أن يحصل له القطع أو لا، وعلى الثاني إمّا أن يقوم عنده طريقٌ معتبرٌ أو لا».([3])

هذا، مضافاً إلى أنّ لازم ما أفاده الشيخ+ كون التقسيم خماسياً، فإنّ في صورة

 

الظنّ إمّا أن يقوم عنده دليلٌ على اعتباره أو لا، فيرجع حكمه إلى حكم الشكّ، وفي صورة الشكّ إمّا أن يكون شكّه من الشكوك الّتي في مورده حكم للشارع أو لا؟

وقد أجاب بعضهم عن هذا الإشكال بأنّ تثليث الأقسام إنّما هو باعتبار الحالات النفسانية واختلافها من حيث المنجزّية؛ فإنّ القطع منجّزٌ صرفٌ، والشكّ غير منجّز صرفٍ، والظنّ لا منجّز ولا غير منجّز، أي: هو برزخٌ بينهما.

وفيه أوّلاً: أنّه يأتي فيما بعد إن شاء الله إمكان عدم كون القطع منجّزاً في بعض الموارد.

وثانياً: أنّ اتّصاف الظنّ باللامنجزية والمنجزية وكونه برزخاً في ذلك بين القطع والشكّ محلّ إنكارٍ؛ فإنّ الظنّ لو قام على اعتباره دليل يكون منجّزاً كالقطع، وإلّا فليس بمنجّزٍ ويكون حاله حال الشكّ.

أمّا الشكّ فهو أيضاً يمكن أن يكون منجّزاً كالقطع، كما في صورة احتمال أن يكون الغريق ابن المولى، فإنّ نفس هذا الاحتمال يكون منجّزاً أي موجباً لاستحقاق العقاب لو لم يعتنِ العبد به واتّفق كونه ابن المولى. ومثل احتمال صدق مدّعي النبوّة، فإنّ مجرّده منجّز وموجب لاستحقاق العقاب لتركه تصديق النبيّ لو اتّفق صدق مدّعيها. ومثل احتمال بقاء الحالة السابقة، فإنّه يكون منجّزاً لاستحقاق العقاب على ترك التكليف بحكم الشارع.

ولا نقول: إنّ الاحتمال كاشف عن الواقع، بل نقول: إنّ الشكّ في مثل هذه الموارد منجّز للواقع عقلاً أو شرعاً.

هذا، ولكن يمكن الإشكال على ما أفاده في الكفاية: بأنّ الحكم المتعلّق للقطع لابدّ وأن يكون صالحاً للتنجّز واستحقاق العقوبة على مخالفته؛ والحكم الظاهريّ ليس صالحاً له ـ كما أفاد أخيراً في مجلس بحثه بأنّه ليس في موارد الطرق والأمارات حكمٌ وجوبيٌ متعلّقٌ بالعمل بها، بل ليس مفادها إلّا جعل الحجّية والمنجزّية. ولو كان

 

المجعول حكماً وجوبياً فهو طريقيٌ صرفٌ لا مجال لتنجّزه واستحقاق العقوبة على مخالفته بنفسه ـ .

فلا يستقيم هذا التقسيم (الثنائي) بحسب الظاهر، لأنّه إنّما يكون باعتبار منجّزية القطع، مع أنّ الحكم الظاهريّ المقطوع به لا يتنجزّ بسبب القطع، وليس فيه صلاحية التنجّز واستحقاق العقاب على مخالفته بنفسه.

وأمّا بيانه الآخر وهو تثليث الأقسام، فلا إشكال فيه.

وإن شئت تثنية الأقسام فقل: إنّ المکلّف إذا التفت (بالمعنى الّذي ذكرنا للالتفات) إلى حكمٍ شرعيٍّ إنشائيٍّ، فإمّا أن يكون للحكم منجّزٌ في البين أو لا، وعلى الأوّل فسيأتي الكلام في كونه موجباً لاستحقاق العقاب على مخالفة التكليف، وأنّه لا معنى لتنجّز الحكم إلّا استحقاق العقاب على مخالفته، وعلى الثاني المرجع هو البراءة .

ويدخل ـ  على هذا البيان ـ في المنجِّز: القطع والأمارات المعتبرة والاحتمال والاستصحاب، فإنّه حكمٌ ظاهريٌ منجّز للتكليف الّذي احتمله العبد في ظرف وجود الحالة السابقة.

ويدخل في القطع: الاشتغال والتخيير، لوجود العلم بالتكليف الّذي يكون منجّزاً له في موردهما.

ولتوضيح المقام نقول: إنّ المکلّف إمّا أن يتعلّق قطعه بحكمٍ تفصيلاً أو إجمالاً، سواءٌ كان إجماله من جهة نوع التكليف مع العلم بأصله، كالعلم بأنّ هذا الفعل إمّا واجبٌ وإمّا حرامٌ، أم كان من جهة تردّده بين شيئين أو أشياء مع معلومية نوع التكليف. وعلى کلّ حالٍ فإمّا أن يمكن فيه الموافقة القطعية والمخالفة القطعية والموافقة الاحتمالية.

 

وإمّا أن لا يمكن الموافقة القطعية ويمكن الموافقة الاحتمالية والمخالفة القطعية.

وإمّا أن لا يمكن إلّا الموافقة الاحتمالية.

ففي الفرض الأوّل، ـ أي فرض إمكان الموافقة القطعية والمخالفة القطعية ـ يكون تعلّق العلم بالتكليف المردّد بينهما موجباً لتنجّزه واستحقاق العقوبة على مخالفته، فلو ترك المکلّف أحد المشتبهين واتّفق مخالفة التكليف المعلوم بالإجمال لكونه في الطرف الّذي تركه فإنّه يستحقّ العقوبة على المخالفة ويكون كمن ترك کلّ واحد من المشتبهين.

واستحقاق العقوبة إنّما يكون على مخالفة هذا التكليف الّذي تعلّق به العلم لا غيره. فلو فرض كون کلّ واحدٍ من المشتبهين متعلّقاً للحكم رأساً ولكنّ القطع تعلّق بأحدهما إجمالاً ولم يأت المکلّف إلّا بأحد المشتبهين فاتّفق وقوعه في مخالفة التكليف المعلوم بالإجمال استحقّ العقوبة عليه، وإن أتى بالتكليف الّذي لم يتعلّق به علمه بإتيانه بالطرف الآخر، وكذا لو لم يأت في هذا الفرض بأحد منهما لم يعاقب إلّا على مخالفة تكليفٍ واحدٍ، وهو التكليف المعلوم بالإجمال دون المجهول .

فعلى هذا، تكون أصالة الاشتغال ووجوب الاحتياط ـ فيما أمكنت فيه الموافقة القطعية والمخالفة القطعية ـ منجّزة للتكليف من جهة تعلّق القطع بالحكم المردّد بينهما وسببيته لتنجّز الحكم. وبعبارة اُخرى: وجود المنجّز ـ وهو العلم ـ يكون سبباً لتنجّز التكليف المعلوم بالإجمال، ولازمه وجوب الاحتياط.

وأمّا الفرض الثاني، وهو ما أمكنت فيه المخالفة القطعية والموافقة الاحتمالية دون القطعية، كما لو تردّد الوجوب بين صلاة الجمعة والظهر مع فرض عدم قدرته إلّا على الإتيان بإحداهما، فلو ترك کلّ واحدة منهما واتّفق مصادفة قطعه مع الواقع استحقّ العقوبة على المخالفة لتنجّز التكليف المعلوم بالإجمال بهذا النحو من التنجيز الّذي مقتضاه لزوم الإتيان بحكم العقل بإحداهما مع كونه مخيّراً في الإتيان بأيّهما شاء إذا كان احتماله في وجود التكليف المعلوم بالإجمال بالنسبة إلى کلا الطرفين على السواء. وأمّا إذا كان احتمال التكليف في أحد الطرفين أقوى وأرجح من الآخر فيدور الأمر بين

 

التعيين والتخيير والعقل يحكم بلزوم الإتيان بالطرف المظنون مصادفته للواقع، فيصير ظنّه هذا موجباً لتنجز الواقع لو كان في الطرف المظنون، فيستحق العقوبة على المخالفة لو أتى بالطرف المرجوح دون الراجح.

وأمّا الفرض الثالث ـ وهو عدم إمكان الموافقة القطعية والمخالفة القطعية ـ فلو كان احتمال مصادفة التكليف في أحد الطرفين أقوى من الآخر فالكلام هو ما ذكر في الفرض الثاني.

ولو كان احتمالها في کلّ واحدٍ منهما على السواء فالعقل يحكم بتخيير المکلّف بين ارتكاب الطرفين لكن لا بنحو الإلزام واللزوم كما كان في التخيير المذكور في الفرض الثاني لإمكان المخالفة القطعية فيه، فكان المکلّف ملزماً بحكم العقل باختيار أحدهما، وأمّا في هذا الفرض فلا مجال لإلزام العقل لدوران أمر المکلّف مدار الفعل والترك فلا يحكم العقل إلّا بعدم استحقاق العقاب عند مخالفة التكليف، ففي الحقيقة حكم العقل إنّما هو البراءة عن العقاب وقبح التوبيخ والعتاب. ولهذا قلنا: إن لم يكن منجّز في البين يكون المرجع هو البراءة ولم نذكر التخيير.

وقد ظهر ممّا ذكرناه إشكالٌ آخر على عبارة الرسائل في قوله: «فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية الثابتة للشاكّ»،([4]) فإنّ هذه القواعد ـ غير الاستصحاب الّذي هو حكمٌ ظاهريٌ منجّز شرعاً للحكم الـشرعي ـ ليست إلّا من القواعد العقلية؛ إذ الاشتغال والتخيير من أحكام العقل والبراءة أيضاً كذلك، كما سيجيء إن شاء الله‏ تعالى.

إذا عرفت ذلك کلّه، فاعلم: أنّ الكلام يقع في مقامين.

 

 

([1])  تقدّم تخريجه آنفاً.

(2) الخراساني، كفاية الاُصول، ج2، ص5.

([3]) الخراساني، کفایة الاُصول، ج2، ص5.

([4])  الأنصاري، فرائد الاُصول، ص2.

موضوع: 
نويسنده: