پیام ‌مرجع عالیقدر شیعه حضرت آیت الله العظمی صافی گلپایگانی مدظله الوارف به دوازدهمین اجلاس سالانه غدیر-مشهد مقدس، ۱۴۴۰ ه.ق بسم الله الرحمن الرحیم الحمد لله الذی هدانا لهذا و ما کنّا لنهتدی لولا أن هدانا الله  الحمد لله الذی جعلنا من...
دوشنبه: 4/شهر/1398 (الاثنين: 24/ذو الحجة/1440)

الأمر الأوّل: اُصولية مبحث القطع

قد ذكر في أوّل الكتاب عند البحث عن المراد من موضوع العلم ـ الّذي يكون تمام الملاك لامتياز العلوم بعضها عن بعضٍ ـ، وعن موضوع علم الاُصول ما يظهر منه دخول البحث عن حجّية القطع ومنجّزيته في مباحث هذا العلم.

وقد بيّنا هناك أنّ موضوع علم الاُصول هو الحجّة في الفقه، فكلّ ما كان سبباً لاحتجاج المولى على عبده وحجّةً له عليه لو خالفه وعصاه، أو كان حجّة للعبد عند المولى فيما لو وقع في مخالفته، يكون البحث عنه داخلاً في هذا العلم ومن مسائله؛ لأنّ المراد من العوارض الذاتية الّتي يجب أن يبحث عنها في العلم ليس ما اصطلح عليه الطبيعيون وقسّموه إلى المقولات التسع وقابلوه بالجوهر، بل المراد منها ـ كما صرّح به شارح المطالع([1]) وغيره، ويظهر من تتبّع مسائل العلوم ـ ما اصطلح عليه المنطقيّون

 

وقسّموه إلى الخاصّة والعرض العامّ ، وقابلوه بالذاتي المنقسم إلى النوع والجنس والفصل، وهو الخارج المحمول، أي الكلي الخارج عن الشـيء مفهوماً المتّحد معه وجوداً. فعلى هذا، يكون القطع من المسائل الاُصولية؛ لأنّه حجّة للمولى على العبد لو خالفه. ويكون مغايراً للحجّة في الفقه مفهوماً ومتّحداً معها وجوداً، فنقول: القطع حجّة. وهكذا الكلام في الشهرة وخبر الواحد وغيرهما، كما تقول: الشهرة حجّة وخبر الواحد حجّة.

فلا وجه للقول بكون البحث عن القطع أشبه بالمسائل الكلامية؛([2]) لأنّه لو كانت من جهة أنّ النزاع واقعٌ في صحّة معاقبة القاطع وحسن عقابه في صورة المخالفة ليرجع البحث فيه عمّا يصحّ صدوره من الله‏ تعالى وما يمتنع.

ففيه: أنّ المبحوث عنه في علم الكلام إنّما هو جواز صدور الفعل القبيح وعدمه من الله تعالى، فجوّزه الأشعري لإنكاره الحسن والقبح العقليين وأنّ الحَسَن ما صدر منه والقبيح ما لم يصدر منه، وأنكره العدلية، ولا يبحث في علم الكلام عن مصاديق ذلك وخصوصياته.

وإن كانت أشبهيته بالمسائل الكلامية من جهة رجوعه إلى أنّ العمل بالقطع هل يوجب الثواب؟ أو أنّ مخالفته هل توجب العقاب في الآخرة أو لا؟ ليرجع إلى المباحث المتعلّقة بالمعاد.

ففيه: أنّ المبحوث عنه في المعاد أيضاً ليس إلّا أصل المعاد والجزاء والثواب والعقاب، ولا يبحث فيه عن فعلية العذاب بالنسبة إلى المعاصي. ولا مجال للبحث عنه؛ لأنّ فعلية الجزاء ليست ممّا يمكن الاطّلاع عليها بخصوصيّاتها.

 

إن قلت: كيف يكون القطع من مسائل علم الاُصول مع عدم ذكره في كتب القدماء؟

قلت: عدم ذكره في كتب القدماء إنّما هو من جهة عدم انقداح شبهةٍ في منجّزية العلم عندهم، وإنّما ذكره المتأخّرون حيث أنكر بعض الأخباريين حجّيته إذا كان مأخوذاً من الأدلّة العقلية.

ثم إنّه قد ظهر ممّا ذكر أنّه لا تفاوت في إطلاق الحجّة على القطع وعلى سائر المنجّزات كالأمارات المعتبرة الشرعية؛ لأنّ إطلاق الحجّة على کلّ منهما إنّما هو من جهة كونه حجّة وسبباً لتنجّز الحكم الواقعي، ولا فرق في ذلك بين القطع وغيره.

فلا وجه لأن يقال بأنّ إطلاق الحجّة عليه ليس كإطلاق الحجّة على الأمارات المعتبرة شرعاً؛ لأنّ الحجّة عبارة عن الأوسط الّذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر كالتغيّر لإثبات حدوث العالم، فقولنا: «الظنّ حجّة» أو «البيّنة حجّة» أو «فتوى المفتي حجّة» يراد به كون هذه الاُمور وسائط لإثبات أحكام متعلّقاتها.([3])

لأنّه يقال: مضافاً إلى أنّ الحجّة في اصطلاح المنطقيّين عبارة عمّا هو المرکّب من القضيتين.

لو سلّمنا كونها عبارةً عن الوسط الّذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر اصطلاحاً خاصّاً للاُصوليّين لا تكاد تتمّ به حجّية الأمارات وصحّة إطلاقها عليها؛ لأنّ إطلاق الحجّة على خبر الواحد أو البيّنة وغيرهما ليس من جهة كونها وسائط لإثبات أحكام متعلقاتها، فإنّ المراد بقولنا: «خبر الواحد حجّة» أو «فتوى المفتي حجّة» ليس كونه حجّةً على الحكم الظاهري الّذي يستفاد من دليل حجّيته ويقع وسطاً للقياس في قولنا: «هذا ما أخبر العادل بوجوبه، وكلّ ما أخبر العادل بوجوبه واجبٌ فهذا

 

واجب» أو «هذا مظنون الوجوب، وكلّ مظنون الوجوب واجبٌ فهذا واجبٌ»، بل المراد كون خبر الواحد أو الظنّ أو غيرهما حجّة على الحكم الشـرعي الواقعي وسبباً لتنجّزه واستحقاق العقوبة على مخالفته لو صادف الواقع، وفي القياس المذكور جعل ما أخبر به العادل وسطاً لإثبات الحكم الظاهري وهو وجوب کلّ ما أخبر به العدل، فتدبّر.

 

([1])  قطب الدین الرازي، شرح المطالع، ص 18؛ وغيره في شرح الشمسية (قطب الدین الرازي، ص23؛ وشرح المنظومة، قسم المنطق (السبزواري، ص29).

([2])  قاله في الكفاية (الخراساني، ج2، ص4- 5).

([3])  الأنصاري، فرائد الاُصول، ص2.

موضوع: 
نويسنده: