پیام ‌مرجع عالیقدر شیعه حضرت آیت الله العظمی صافی گلپایگانی مدظله الوارف به دوازدهمین اجلاس سالانه غدیر-مشهد مقدس، ۱۴۴۰ ه.ق بسم الله الرحمن الرحیم الحمد لله الذی هدانا لهذا و ما کنّا لنهتدی لولا أن هدانا الله  الحمد لله الذی جعلنا من...
يكشنبه: 3/شهر/1398 (الأحد: 23/ذو الحجة/1440)

الامتثال الإجمالي

ثم إنّه حيث ذكر القوم هنا حكم الامتثال الإجمالي وكفاية الاحتياط، فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحقّ في المقام، ولتوضيح المرام نقول:

إعلم: أنّه وإن كان ظاهر بعض الكلمات ربما يوجب توهّم كبروية النزاع، ولكن لا ريب في فساده؛ لأنّه لا مجال للقول بعدم كفاية الاحتياط والامتثال الإجمالي، فإنّ الاحتياط عبارة عن الإتيان بالمأمور به بجميع ما احتمل دخله فيه جزءاً وشرطاً من غير إخلال بشـيء منه، بحيث يعلم مع الإتيان به بإتيان ما هو المطلوب للمولى وعدم الإخلال بشيء ممّا اعتبر واُخذ فيه شرطاً أو شطراً، وكفايته غير قابلة للنزاع.

فمحلّ النزاع والكلام إنّما هو في الصغرى وإمكان الاحتياط وعدمه في موارد:

أحدها: فيما إذا علم دخل شيء في المأمور به شرطاً أو شطراً، وشكّ في أنّ دخله فيه هل هو على نحو الوجوب أو الاستحباب؟ فاختلفوا في تحقّق الاحتياط مع الإتيان بالجزء المشكوك في وجوبه واستحبابه من جهة الإخلال بقصد الوجه الّذي احتمل دخله فيه.

ثانيها: إذا احتمل كون شيءٍ متعلّقاً للأمر رأساً، فهل الإتيان به بداعي الأمر المحتمل يكفي في الاحتياط أو لا؟

ثالثها: فيما إذا علم بتعلّق الأمر بفعل ولكن تردّد متعلّقه بين الأقلّ والأكثر، مع عدم كون الأكثر مانعاً، وإن لم تكن مطلوبيته معلومة.

وحال الجزء المشكوك في جزئيّته في هذا الفرض حال أصل المأمور به في الفرض الثاني، إلّا أنّه يؤتي به في هذا الفرض بداعي الأمر الضمنيّ الّذي احتمل تعلّقه به في ضمن الأمر بالكلّ.

رابعها: أن يدور الأمر بين المتباينين، كما لو كان عالماً بالأمر ولكن شكّ في أنّ

 

متعلّقه القصر أو التمام، فهل الإتيان بهما بداعي الأمر المتعلّق بأحدهما المعيّن واقعاً يكفي في حصول الامتثال؟ مع أنّ حاله حين الإتيان بكلّ منهما يكون حال من كان شاكّاً في أصل تعلّق الأمر بأمر معين معلوم خارجاً، لأنّه لا يعلم كون هذا مأموراً به أم لا، وإن علم بعد الإتيان بهما بالإتيان بالمأمور به.

خامسها: فيما إذا شكّ في الجزء المأمور به بالأمر الضمنيّ مع دوران أمره بين المتباينين، كالجهر والإخفات. وهذا نظير القسم الرابع إلّا أنّ داعي الإتيان في هذا القسم ـ بكلّ من الجزءين ـ هو الأمر الضمني الّذي تعلّق بأحدهما بخلاف القسم الرابع، فإنّ داعيه هو الأمر النفسي.

إذا عرفت ذلك فنقول: أمّا في القسم الأوّل فلا إشكال في صحّة الاكتفاء بالاحتياط والامتثال الإجمالي ولو قلنا باعتبار قصد الوجه في المأمور به. ووجهه يظهر ممّا ذكرناه في مبحث الصحيح والأعمّ من أنّ الصلاة عنوانٌ عرضيٌ مقولٌ بالتشكيك ذو مراتب ودرجاتٍ مختلفة في الشدّة والضعف والنقص والكمال، يصدق على مصاديقها المختلفة في الكمال والتمامية، فالفرد الّذي يتحقّق في ضمن تحقّق الأجزاء الواجبة والمستحبّة فردٌ لها ومعنون لهذا العنوان العرضي، كما أنّ الفرد الخالي من الأجزاء المستحبّة مصداق لها أيضاً، ففي کلّ واحد من المصاديق تكون حقيقتها محفوظة. فعلى هذا، يكون ما هو مصداق الصلاة برتبتها الكاملة الشديدة بتمام أجزائه مأموراً به، وكلّ جزء من أجزائه يكون واقعاً تحت الأمر بالكلّ ومتعلّقاً للأمر الضمني الّذي تعلّق به من جهة الأمر بالكلّ، من غير فرق بين الأجزاء الواجبة والمستحبّة.

كما أنّ ما هو مصداقها بغير هذه المرتبة مع فقده لجميع الأجزاء المستحبّة يكون معنوناً بعنوان الصلاة، ويكون کلّ جزءٍ منه مأموراً به بالأمر الضمني، وإن كان انطباق هذا العنوان على ما هو جامع لجميع الأجزاء المستحبّة والواجبة أولى من غيره.

 

فبناءً على ذلك لا مانع من قصد وجوب الكلّ من جهة كونه مصداقاً للصلاة، وقصد وجوب أجزائه بالوجوب الضمنيّ، ولو لا ذلك لما أمكن تصور معنى صحيحٍ لاستحباب الأجزاء المستحبّة.

وبالجملة: ليس معنى استحباب شيء في الصلاة إلّا أنّ المکلّف لو أتى بها في ضمن فردٍ فاقد للجزء المستحبّ غير صادق عليه الصلاة بمرتبتها الكاملة كان مجزياً عنها مع كونه فاقداً لهذا الشيء المستحبّ، ولم يكن لأجل فقدانه هذا الجزء مصداقاً للصلاة بمرتبتها الكاملة. ولو أتى بها في ضمن فرد كان واجداً للجزء المستحبّ انطبق عليه الصلاة بالمرتبة الكاملة.

وأمّا ما أفاد بعض من عاصرناه ـ من الأعاظم في مجلس ساعدنا التوفيق على الالتقاء به ـ في تصوير الأجزاء المستحبّة من أنّ للصلاة ماهيتين إحداهما: المرکّبة من الأجزاء الواجبة وهي: الصلاة الواجبة المشتملة على التكبير والركوع والسجود وغيرها من الأجزاء الواجبة. وثانيتها: المرکّبة منها ومن الأجزاء المستحبّة، وهي: الصلاة المستحبّة المتضمّنة للصلوات الواجبة.

ففيه: ما أوردنا عليه في المجلس المذكور بأنّ الصلاة لو كانت ماهيّة صادقة على جميع الأجزاء والشرائط الواجبة، فالأجزاء المستحبّة ليست منها لا محالة. وإن كانت مركّبة من الأجزاء المستحبّة والواجبة، فلازمه تعلّق الأمر بما هو المرکّب من الأجزاء والشرائط الواجبة والمستحبّة وهو منافٍ لاستحباب الأجزاء المستحبّة.

هذا کلّه في إمكان الاحتياط في القسم الأوّل. وأمّا غيره من الأقسام وما يمكن أن يقال بكونه مناطاً لعدم إمكان الاحتياط فيه غير ما يقال بكونه مناطاً في القسم الأوّل، وهو لزوم الإخلال بقصد الوجه، لإمكان تحقّق قصد الوجه في هذه الأقسام وصفاً وغايةً، فلو دار الأمر بين المتباينين يحصل قصد الوجه إذا أتى بهما بقصد الصلاة

 

الواجبة عليه من بينهما، أو بقصد الصلاة المردّدة بينهما لوجوبها. فإنّ قصد الوجه ليس إلّا قصد المأمور به من حيث وجوبه واستحبابه، فلا مانع من تحقّقه فيما نحن فيه، لإمكان قصد الوجه بعد معلومية وجوب الصلاة المردّدة بينهما أو استحبابها.

فما يمكن أن يقال بكونه مناطاً لعدم تمشّي الاحتياط ليس إلّا الإخلال بقصد القربة لا قصد الوجه، لما ذكرنا. ولا قصد التعيين والتمييز؛ لأنّ المراد من دخل قصد التمييز إن كان توقف تعيين بعض الأفعال وتميّزها عن الآخر بالقصد لكونه من العناوين القصدية الّتي لا تتحقّق إلّا به، كالتعظيم والظهرية والعصرية وغيرها، فلا ربط له بما نحن فيه؛ لأنّ المأمور به إذا كان من هذا القبيل لا يتحقّق إلّا إذا أتى به مع القصد، ولا ينطبق عليه إلّا إذا أتى به كذلك.

وإن كان المراد أنّ قصد التعيين موجب لتعيّن المأمور به وتميّزه عن غيره، فمن الواضح أنّ تميّزه وتعيّنه لا يتوقّف على قصد التعيين؛ لأنّه بنفسه متعيّن ومتميّز عن غيره. ولا دخل لمعلومية كون الواجب صلاة الجمعة أو صلاة الظهر في تميّزه، لأنّه متميّز عن غيره علم المکلّف به أم لم يعلم.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المراد من اعتبار قصد التمييز هو أنّ عدم معلومية المأمور به ولو بكونه مردّداً بين المتباينين موجب للإخلال بقصد القربة، فإنّه لا يتحقّق إلّا إذا أتى بالفعل بداعي أمره المعلوم تعلّقه به، لا ما إذا أتى به بداعي الأمر الّذي تردّد متعلّقه بين الفعلين.

فعلى هذا، تمام الإشكال في غير القسم الأوّل من الأقسام راجع إلى لزوم الإخلال بقصد القربة وعدم كفاية قصد التقرّب بما هو المطلوب من بينهما في تحقّق الامتثال والاحتياط.

ولا فرق في ذلك بين القول باعتبار قصد الوجه وعدمه.

فعلى القول باعتباره يشكل في كفاية الإتيان بالواجب المعيّن المردّد ظاهراً بين شيئين

 

بداعي التقرّب إلى الله تعالى في تحقّق الاحتياط، لعدم كفاية ذلك مع عدم قصد التقرّب بما هو مأمور به بالخصوص حين الإتيان به.

وعلى القول بعدم اعتباره يشكل كفاية الإتيان بما علم مطلوبيته إجمالاً ـ إمّا بنحو الوجوب أو الاستحباب ـ في تحقّق الاحتياط إذا أتى به بداعي الأمر المردّد متعلّقه بين المتباينين.

وكيف كان، فالّذي ينبغي أن يقال في دفع هذا الإشكال هو: أنّ الفاعل إذا أتى بالفعل بداعي المحبوبية أو امتثال الأمر بحيث كان محرّكه إلى الفعل تحصيل التقرّب إليه، لا مجال للقول بعدم كفاية ذلك في الامتثال وحصول التقرّب. ولا نعني بالتقرّب والتعبّد إلّا أن يكون داعيه نحو العمل أمر المولى أو محبوبية الفعل أو غيرهما من الوجوه الّتي يمكن أن يقال بكفايته لتحقّق التقرّب، ولذا لو أتى بأحد المشتبهين بهذا الداعي وتبيّن قبل الإتيان بالآخر كونه هو المأمور به، يكتفي به ولا يلزم الإتيان بالآخر.

ولا فرق فيما ذكر بين القول بتوصّلية المأمور به وتعبّديته تمسّكاً بالأصل اللفظي؛ لأنّ الأمر إنّما صدر ليكون داعياً نحو المتعلّق، أو بالأصل العملي وهو الاشتغال لوقوع الشكّ في كفاية الإتيان بالمتعلّق في حصول الغرض.

ووجه عدم الفرق هو أنّ کلامنا في المقام فيما تثبت عباديّته، وقد ظهر لك إمكان الاحتياط في الموارد الّتي ذكرناها من غير إخلال بقصد القربة.

إن قلت: نعم، لا مانع من تحقّق قصد القربة مع الامتثال الإجمالي، ولكن من الممكن أن تكون معلومية الواجب في الخارج وعدم اشتباهه معتبرة في المأمور به.

قلت: لا وقع لهذا الاحتمال مع عدم وجود أثر له في الأخبار؛ لأنّ اعتباره كذلك مع عدم ذكره إخلال بالغرض، فمقتضى البراءة نفي اعتبار ذلك فيه، وإن لم يمكن نفيه بسبب التمسّك بإطلاق المتعلّق، لأنّ العلم بالمأمور به متأخّر عن الأمر، فلا يمكن أخذه في متعلّقه.

 

إن قلت: إنّ الإجماع قائم على عدم  جواز الاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع إمكان الامتثال التفصيلي.([1])

قلت: إنّ دعوى قيام الإجماع في مثل هذه المسألة ـ الّتي لم يبحث عنها في كتب القدماء بل ذكرها المتأخّرون في كتبهم، والظاهر أنّ أوّل من تكلّم فيها صاحب «الإشارات»([2]) ـ مجازفة جداً.

ولو اُريد منه بناء المتشـرّعة على الامتثال التفصيلي وجريان سيرتهم عليه دون الامتثال الإجماليّ.

فليس ذلك من جهة عدم صحّة الاكتفاء به ولا كاشفاً عنه، بل استقرار سيرتهم عليه إنّما هو لموافقته للطبع والعادة، لأنّ في الامتثال الإجمالي کلفة ليست هي في التفصيلي.

إن قلت: نعم، لا مانع من الاكتفاء بالامتثال الإجمالي إذا لم يستلزم التكرار، وأمّا إذا استلزم التكرار فلا يجوز الاكتفاء به، لكونه لعباً بأمر المولى.([3])

قلت: لا اعتناء بهذا الإشكال؛ لأنّ عدم كونه لعبا بأمر المولى ـ ولو استلزم التكرار ـ بمكان من الوضوح.

ثم لا يخفى عليك: أنّه كما لا مانع من حصول التقرّب إذا كان المأمور به مردّداً بين شيئين بإتيان کلّ منهما بداعي الأمر الّذي تعلّق بأحدهما المعين المردّد في الظاهر وتحقّق الاحتياط فيه، لا مانع أيضاً من حصوله لو أتى بهما بداعي امتثال الأمر الّذي احتمل تعلّقه بأحدهما.([4])

 

هذا کلّه في كفاية الامتثال الإجمالي والموافقة الإجمالية مع التمكن من الموافقة التفصيلية. وأمّا كفايته في صورة تعذّر الامتثال التفصيلي وإمكان الامتثال الظنّي، سواء كان بالظنّ المعتبر أم لا، فلا ريب فيه.

هذا تمام الكلام في القطع، وسيأتي الكلام في غيره من المباحث إن شاء الله تعالى.

وفّقنا الله تعالى لطاعته وطاعة رسوله وأوليائه صلواته عليهم، وغفرلنا ولوالدينا ولأساتيذنا جميعاً بحقّ محمد وآله الطاهرين. اللّهمّ صحّح بلطفك نيّاتنا، واستصلح بقدرتك ما فسد منّا، وارزقنا عافية الدنيا والآخرة، وصلّ على محمد وعترته الطاهرة يا أرحم الراحمين.

 

 

([1]) الأنصاري، فرائد الاُصول، ص15.

([2]) وهو الحاج محمد إبراهيم بن محمد حسن الكافي الأصفهاني الكلباسي، صاحب «إشارات الاُصول».

([3]) الأنصاري، فرائد الاُصول، ص15.

([4]) يمكن أن يقال بعدم تحقّق الاحتياط لو قلنا باعتبار قصد الوجه في صورة احتمال الأمر إذا لم يعلم أنّ مطلوبيته تكون على نحو الوجوب أو الاستحباب لإخلاله حينئذٍ بقصد الوجه، فتأمل. [منه دام ظله العالى].

موضوع: 
نويسنده: