بسم الله الرحمن الرحیم إنّا لله و إنّا إلیه راجعون درگذشت اندیشمند عالیقدر، شخصیت برجسته مسلمانان اندونزی، مدافع حریم ولایت و امامت علیهم‌السلام، مرحوم دکتر جلال الدین رحمت رحمة‌الله علیه موجب تأسف و تأثر گردید. آن شخصیت والامقام، عمر خود را...
يكشنبه: 17/اسف/1399 (الأحد: 23/رجب/1442)

الأمر الرابع: وجوب الاحتياط للعلم الإجمالي

من الاُمور الّتي قيل بكون کلّ واحدٍ منها وارداً على حكم العقل بعدم تنجّز التكليف المحتمل بعد الفحص وعدم الظفر به بمجرّد الاحتمال، هو: العلم الإجمالي بوجود محرّماتٍ كثيرةٍ في الشريعة، ومقتضاه وجوب الاحتياط في الموارد المشتبهة.

وفيه: مضافاً إلى كون ذلك منقوضاً بالشبهات الوجوبية، لعدم وجهٍ لاختصاص العلم الإجمالي بالتكاليف التحريمية، أنّنا ننكر هذا العلم الإجماليّ الوسيع المتعلّق

 

بوجود التكاليف الوجوبية والتحريمية فيما بين مؤدّيات الطرق والأمارات، وفيما ليس بين مؤدّيات الطرق ممّا ليس إليه طريقٌ؛ فإنّ من كان عالماً ببعث النبيّ| وتبليغه أحكام الله تعالى يعلم إجمالاً بوجود تكاليف في الشريعة بحيث لو تفحّص عنها من طرقها لوصل إليها. ولا يرى مجالاً لاحتمال وجودها في الطرق المتعارفة المتداولة، لاستلزام ذلك نقض الغرض ولزوم اختراع الشرع طريقةً اُخرى في تبليغ مقاصده ومراداته غير ما استقرّ عليه بناء العقلاء وسيرتهم. وكيف يصحّ جعل حكمٍ وتكليفٍ مع عدم وجود طريقٍ إليه؟ ولو فرضنا احتمال ذلك فهو احتمالٌ بدويٌّ يزول بعد المراجعة إلى الطرق والأخبار. وعلى فرض بقائه ليس منجّزاً للتكليف.

ولو أغمضنا عن ذلك وقلنا بوجود هذا العلم الإجمالي الوسيع، فنقول: إنّ بعد الرجوع إلى الطرق والأمارات المثبتة للتكاليف نعلم إجمالاً بوجود هذه التكاليف بين مؤدّيات الطرق والأمارات بالمقدار المعلوم بالإجمال أوّلاً، ومعه ينحلّ العلم الإجمالي الكبير إلى هذا العلم الإجمالي بوجود تكاليف واقعيّةٍ فيما بأيدينا من الطرق بالمقدار المعلوم بالإجمال أوّلاً وعدم وجود غير ما بأيدينا من مؤدّيات الطرق والأمارات ممّا ليس إليه طريقٌ.

ولا نقول بانحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي بعد الرجوع إلى الأمارات والظفر بالطرق المثبتة للتكاليف بالمقدار المعلوم بالإجمال، حتى يقال بعدم الانحلال على القول بالسببية والموضوعية في باب الأمارات مطلقاً، وأمّا على القول بالطريقية أو جعل المنجّزية والحجّية فينحلّ لو كان ما نحن فيه من أقسام الصورة الاُولى من صور العلم الإجمالي ـ الّتي سيأتي ذكرها في التنبيه الآتي ـ وأمّا في سائر الصور فانحلاله محلّ للمناقشة والإشكال كما يأتي.

 

تنبيه: في تنقيح معنى الانحلال([1])

إعلم: أنّ العلم الإجمالي متقوّمٌ من علمٍ متعلّق بالمعلوم بالإجمال كالنجس المردّد في كونه إناء عمرو أو إناء زيدٍ مثلاً، وترديد هذا المعلوم بين شيئين أو أشياء، وإذا انحلّ العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي فلا يبقى ذلك الترديد ولا يعقل بقاؤه؛ فإنّ فرض بقائه مساوقٌ لفرض عدم انحلاله.

لا يقال: فما معنى قولهم: إنّ العلم الإجمالي ينحلّ إلى العلم التفصيلي والشكّ البدويّ؟

فإنّه يقال: هذا الشكّ البدويّ الّذي يبقى بعد الانحلال ليس الشكّ الّذي به يتقوّم العلم الإجمالي، فإنّه يزول بمجرّد الانحلال، بل هذا الشكّ زائدٌ على هذا الشكّ. كما إذا علم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين بالبول واحتملنا نجاسة الآخر منهما بالدم، ثم علمنا تفصيلاً ما تنجّس منهما بالبول؛ فإنّ العلم الإجمالي وإن انحلّ وزال الشكّ الّذي هو مقوّمٌ له إلّا أنّ الاحتمال والشكّ الّذي كان لنا في نجاسة الآخر بالدم باقٍ على حاله، وليس هذا الشكّ البدوي أثر الانحلال بل هو الشكّ الّذي كان موجوداً مع العلم الإجمالي غير التردّد الّذي كان أحد مقوّميه. ولذا لو لم يكن مع العلم الإجمالي هذا الشكّ، كما إذا علم غصبيّة أحد الإناءين ولم يحتمل غصبيّة الآخر منهما ثم علم تفصيلاً غصبيّة أحدهما، ينحلّ العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي من غير أن يكون في البين شكّ بدويٌ. فتارةً: ينحلّ العلم الإجمالي إلى التفصيلي من دون أن يكون معه شكٌّ بدويٌّ، وتارة: يكون معه ذلك. فالمراد من الشكّ البدويّ الشكّ غير المقارن للعلم الاجمالي.

وليعلم: أنّ العلم الإجمالي لا ينحلّ إلى التفصيلي إلّا في موردٍ كان تقدّم العلم

 

التفصيلي مانعاً عن حدوث العلم الإجمالي حتى يكون حدوثه متأخّراً عنه مانعاً عن بقائه، فإذا علمنا بغصبيّة أحد الشيئين ثم علمنا تفصيلاً غصبيّة أحدهما المعيّن ينحل العلم الإجمالي. وأمّا إذا علمنا بغصبيّة أحد الكبشين ثم علمنا تفصيلاً بكون واحدٍ منهما جلّالاً لا ينحلّ علمنا الإجمالي. وهذا کلّه واضحٌ والتعرّض له إنّما هو لاحتمال خفائه عن بعضٍ. وبعد ذلك نقول:

إنّ العلم الإجمالي تارةً: يتعلّق بغصبيّة إناء زيدٍ من الإناءين المعلوم كون واحد منهما ملكاً لعمرو والآخر لزيدٍ، ويتعلّق العلم التفصيلي بأنّ هذا الواحد المعيّن هو إناء زيدٍ، ففي هذه الصورة ينحلّ العلم الإجمالي بغصبية ما هو منهما إناء زيد بالعلم التفصيلي بما هو إناء زيد، وأما الشكّ البدويّ بالنسبة إلى غصبيّة إناء عمرو فهو باقٍ على حاله إ                                                                                                         ذا احتملنا غصبيّته مع العلم بغصبية إناء في البين إلى العلم التفصيلي والشكّ البدويّ بالنسبة إلى إناء عمرو لو احتمل غصبيته.

وتارةً: يتعلّق بغصبيّة أحدهما، ويتعلّق العلم التفصيلي بكون أحدهما المعيّن ـ كإناء زيدٍ ـ غصباً، وفي هذه الصورة أيضاً ينحلّ العلم الإجمالي وإن كان انحلاله في الصورة الاُولى أوضح.

وثالثةً: يتعلّق بعنوانٍ ويتعلّق التفصيلي بعنوان آخر، كما إذا تعلّق العلم الإجمالي بكون خمسة شياه من قطيع غنمٍ مغصوبةً وعلم تفصيلاً بكون خمسةٍ منها شربت من لبن الخنزيرة حتى اشتدّ عظمها، فهل ينحلّ العلم الإجمالي في هذه الصورة أيضاً أو لا؟

يمكن أن يقال بأنّ ما يجب أن يكون العبد بصدده هو الاجتناب عن الحرام ومبغوض المولى وتحصيل الأمن من عقوبته من غير فرقٍ بين أن يكون مندرجاً تحت عنوان الغصب أو غيره، فبعد هذا العلم التفصيلي يعلم تفصيلاً بوجوب اجتنابه عن هذا الحرام المعيّن ويشكّ في حرمة غيره، وهذا معنى انحلال العلم الإجمالي إلى التفصيلي.

 

ولكنّ الأقوى عدم الانحلال في هذه الصورة إذ لا تمانع بين العلمين، لقيام الحجّة على تكليفين أحدهما: وجوب الاجتناب عن الغنم المغصوبة المردّدة في البين مثلاً، والآخر: وجوب الاجتناب عن الغنم الجلّالة مثلاً، ولا انحلال هنا لبقاء العلم الإجمالي بغصبية أحد الغنمين مع العلم التفصيلي بكون أحدهما المعيّن جلّالاً. فكلٌّ من العلمين مؤثّرٌ في تنجّز خطابٍ خاصٍّ وحجّةٍ على تكليف المولى ولا تمانع بينهما، فلو أكل من لحم الغنم المعيّن المعلوم كونه جلّالاً واتّفق كونه هو المغصوب ارتكب حرامين ووقع في مخالفة تكليفين. ولو اتّفق عدم كونه غصباً ـ ولكن بسبب ارتكابه الطرف الآخر وقع في مخالفة التكليف المعلوم بالإجمال ـ يكون عاصياً أيضاً.

وأمّا أنّ همّ العقل هو الاجتناب عن الحرام ومبغوض المولى ولا فرق في ذلك بين كون حرمته من جهة الغصب أو جهة اُخرى.

ففيه: أنّ العصيان والطغيان لا يتحقّق إلّا بارتكاب ما هو الحرام بالحمل الشائع كالمغصوب والجلّال، وهو الّذي يتعلّق التكليف بالاجتناب عنه ويكون منهيّاً عنه، لا مفهوم الحرام وما هو الحرام بالحمل الأوّلي، وبعد هذا نقول: إنّ العلم الإجمالي بوجوب الاجتناب عن المغصوب المردّد بينهما موجبٌ لتنجّزه وحجّةٌ عليه، والعلم التفصيلي بوجوب الاجتناب عن أحدهما المعيّن المعنون بكونه جلّالاً موجب لتنجّز التكليف بوجوب الاجتناب عن هذا الجلّال، ولا تمانع بينهما أصلاً.

ورابعةً: يتعلّق العلم الإجمالي بما هو أعمّ ممّا هو متعلّق العلم التفصيلي، كما لو تعلّق العلم الإجمالي بحرمة أحد الكبشين وتعلّق العلم التفصيلي بكون أحدهما المعيّن غصباً. أو بالعكس بأن يكون متعلّق العلم التفصيلي أعمّ ومتعلّق العلم الإجمالي أخصّ، كما لو تعلّق العلم الإجمالي بغصبيّة أحد الغنمين وتعلّق العلم التفصيلي بحرمة أحدهما المعيّن.  وفي انحلاله وعدمه في هذه الصورة وجهان: من عدم تمانعٍ ومطاردةٍ بين العلمين،

 

واستقلال العقل بتنجّز التكليف المعلوم بالإجمال بسبب العلم الإجمالي، وعدم موجبٍ لانحلال ذلك العلم؛ ومن انطباق التكليف المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل، وعدم موجبٍ لوجوب الاجتناب عن الطرف الآخر بعد الانطباق، فيتعيّن الاجتناب عن المعلوم بالتفصيل ويصير الطرف الآخر مشكوكاً.

وربما يقال ـ بالنظر إلى الوجه المذكور في عدم انحلال العلم الإجمالي في هذه الصورة ـ بعدم انحلاله في الصورة الثانية أيضاً. فما يكون الانحلال بالنسبة إليه مسلّماً هو الصورة الاُولى. ولا فرق فيما ذكرنا بين تقدّم العلم الإجمالي على التفصيلي وعدمه؛ وبين تقدّم حدوث المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل وعدمه.

هذا کلّه إذا كانت الحجّة على التكليف علماً وقطعاً. وأمّا إذا كانت الحجّة غيره من المنجّزات، فعلى القول في باب الأمارات بالموضوعية والسببية، لا معنى للانحلال أصلاً في جميع الصور حتى في الصورة الاُولى. وأمّا على القول بالطريقية ووجوب الجري على وفق الطريق، وهكذا على القول بجعل المنجّزية والحجّية ينحلّ في الصورة الاُولى حكماً؛ فإنّ معنى قيام الأمارة على كون هذا الإناء المعيّن إناء زيد كون ذلك إناءه دون الآخر، ومقتضى ذلك سقوط العلم الإجمالي بوجوب الاجتناب عن الإناء النجس المردّد بين كونه إناء زيدٍ وإناء عمرو، عن رتبة تنجيز التكليف إذا كان في الطرف الآخر. وأمّا في سائر الصور، فعلى القول بالانحلال الحقيقي فيها ينحلّ حكماً أيضاً، وعلى القول بعدم الانحلال فلا انحلال هنا حكماً أيضاً.

ثم إنّه قد ظهر ممّا ذكر عدم وجود منجّزٍ للتكليف المحتمل بعد الفحص وعدم الظفر بالدليل، وأنّ احتمال التكليف لا يكون موجباً لتنجّزه بحيث يعدّ عدم الاعتناء به ومخالفته خروجاً عن رسوم العبودية وزيّ الرقّية حتى يترتّب عليه استحقاق العقاب.

 

فالحقّ في المسألة هو البراءة وعدم استحقاق العبد للعقاب على مخالفة التكليف المحتمل. وقد استدلّوا عليها مع ذلك بالآيات والأخبار.

 

([1]) ليس له كثير فائدة لخصوص المقام، وإنّما تعرّض سيّدنا الاُستاذ العلّامة ـ دام ظلّه وعلاه ـ لذكره هنا لمجرّد مناسبةٍ له بالمقام وعدم وجود بحثٍ مستقلٍّ عنه في الاُصول مع كونه ممّا يحتاج إليه في كثير من الموارد. [منه دام ظلّه العالي].

موضوع: 
نويسنده: