قال‌الله تعالي: "يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ‌الله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ"(1( روز بعثت و غدير، تأسيس و بقاي اسلام روز تاريخي و بزرگ عيد...
( )

نسخة للطباعةSend by email
هو الصّراط المستقیم (مقالة من سماحة المرجع الدینی آیة الله العظمی الصافی الکلبایکانی مدظله الوارف بمناسبة مولد أمیرالمؤمنین علی‌بن أبی‌طالب علیه‌السّلام)
هو الصّراط المستقیم (مقالة بمناسبة مولد أمیرالمؤمنین علی‌بن أبی‌طالب علیه‌السّلام)

بسم الله الرحمن الرحیم

وماذا يقول الناس في مدح من أتت *** مدائحه الغراء في محكم الذكر
لا يخفى: أنّ سكوت الفصحاء والبلغاء، والعلماء والحكماء، والعرفاء والأولياء أمام مناقب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أخ الرسول وزوج البتول، أعلم الناس وأعرفهم بالله وأعبدهم له بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أبلغ من أن يمدحوه بما وصلوا إليه من معرفة  فضائله، ومراتبه الرفيعة، ومقاماته العلية، ومشاهده الجلية الجليلة، ومعجزاته الظاهرة الباهرة، وعجائب أمره.
  فالاعتراف بالعجز في حظيرة قدسه ومشهد عظمته أولى لكل أحد، وهو كما خاطبه النبيّ(صلى الله عليه وآله) في حقّه حقّاً: «لو أنّ الإنس كتّاب والجن حسّاب ما أحصوا فضائلك»، وهو الذي جعل الله له فضائل لا يحصى عددها غيره والذي خاطب الله تعالى نبيّه ليلة المعراج بلغته.
  وقال بعض أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) فيه: لقد كان لعلي من السوابق ما لو أنّ سابقة منها بين الخلائق لوسعتهم خيراً(1)
  ولقد كان ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أعظم آية الله تعالى ولعلمه وقدرته وسائر صفاته العليا. وليس له بديل ولا شبيه يعادله في عالم الإمكان إلاّ ابن عمه رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي كان له(صلى الله عليه وآله) ظهير بلا نظير.
  ولقد كان عظيماً في بطولاته وتضحياته، عظيماً في نصرة الحق وإقامة العدل، عظيماً في إعلاء كلمة الله، عظيماً في رحمته للضعفاء ومواساته للفقراء، عظيماً في خوفه من الله تعالى، وفي فصاحته وبلاغته، ومأكله وملبسه ومشربه، وفي كل أحواله وأفعاله.
  فتعالى الله العليّ العظيم خالق هذا الإنسان ومودع هذه العظمات والكمالات فيه، وتبارك الله المتصاغر لعظمته هذا الإنسان والمتذلل لجلاله وجبروته وسلطانه، والخائف من كبريائه، والمعترف عنده بعجزه وفقره إليه، وهو الذي قال: إلهي كفى لي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى لي فخراً أن تكون لي ربّاً.
  فهو الممسوس في ذات الله، والبكّاء من خشية الله، والمجاهد في سبيل الله، وهو الصراط المستقيم، والعروة الوثقى وحبل الله المتين، وميزان الأعمال، وقسيم الجنة والنار، ويدالله الباسطة، وعينه الناظرة، وحجته البالغة.
  ويعجبني هنا نقل كلام الشارح المعتزلی، إذا قال في
شرح قوله(عليه السلام) في كتاب له إلى معاوية «فإنّا صنائع ربّنا والناس
بعدُ صنائع لنا»(2):
  «هذا كلام عظيم عال على الكلام، ومعناه عال على المعاني. وصنيعةُ الملِك من يصطنِعُه الملك ويرفع قدره. يقول: ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل الله تعالى هو الذي أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنائعنا، فنحن الواسطة بينهم وبين الله تعالى، وهذا مقام جليل ظاهره ما سمعت، وباطنه أنّهم عبيدالله، وأنّ الناس عبيدهم»(3) انتهى.
  ونرى من جانب آخر صاحب هذه المفاخر العظيمة يتململ من خوفه تعالى كتململ السليم، وكان كما وصفه بعض أصحابه غزير الدمعة طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلى، ويقلب كفيه على ما مضى ويبكي ويقول: آه من قلة الزاد وبعد السفر وقلة الأنيس، ما لعليّ ونعيم يفنى ولذة لا تبقى. ويقول: ألا وإنّ إمامَكم قد اكتفى من دنياه بطمرَيْه، ومن طُعْمِه بِقُرصَيه... فوالله ما كنزْتُ من دنياكم تِبْراً ولا ادَّخرت من غَنائمها وَفْراً ولا أعددتُ لِبالي ثَوْبي طِمْراً(4).
  فماذا نقول عن نفس الرسول الذي قال(صلى الله عليه وآله) في حقه: إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلاّ أنّك لست بنبيّ. فما نحن والكلام عن أمير المؤمنين ومولى الموحدين(عليه السلام) إلاّ كالقطرة في جنب البحر والذرة في جنب الشمس، فعقول العالمين ولسان المادحين أقصر من أن ينال حق هذا الإمام(عليه السلام) و الحمدلله الذی جعلنا من المتمسّکین بولایة مولانا یعسوب المؤمنین علی‌بن أبی‌طالب علیه‌السّلام.
و أختم مقالتی هذه بمسك الصلوات على محمّد وآله بالأبيات التالية:
يا ربّ صل على النبيّ وآله *** أزكى الصلاة وخيرها والأطيبا
يا ربّ صل على النبيّ وآله ***  ما اهتزت الأثلاث من نفس الصبا
يا ربّ صل على النبيّ وآله ***  ما لاح برق في الأباطح أوخبا
يا ربّ صل على النبيّ وآله ***  ما قال ذو كرم لضيف مرحبا
يا ربّ صل على النبيّ وآله ***  ما أمت الزوار طيبة يثربا
يا ربّ صل على النبيّ وآله ***  ما غردت في الإيك ساجعة الربا
يا ربّ صل على النبيّ وآله ***  ما كوكب في الجو قابل كوكبا
يا ربّ صل على النبيّ وآله ***  سفن النجاة الغر أصحاب العبا
يا ربّ صل على النبيّ وآله ***  في الحشر إذ يتساءلون عن النبا(5)

المصادر:
1. اسد الغابة 4: 23.
2. نهج البلاغة، كتاب 28.
3. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15: 194.
4. نهج البلاغة، كتاب 45.
5. رشفة الصادي في بحر فضائل بني النبيّ الهادي، لأبكر الحضرمي، ص 75.

موضوع: