بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذي جعلنا من المتمسکين بولاية اميرالمؤمنين و الائمة المعصومين عليهم‌السلام لاسيما مولانا بقية الله المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف و رزقنا الفوز بلقائه.   با تبريک ایام مبارک ماه شریف ذی الحجة به...
چهارشنبه: 1400/05/13 - (الأربعاء:24/ذو الحجة/1442)

وصایا سماحة المرجع الدینی أية الله العظمى الصافي الكلبايكاني مد ظله الوارف بمناسبة ليالي القدر المباركة
وصایا سماحة المرجع الدینی بمناسبة ليالي القدر المباركة

بسم اللّه الرحمن الرحیم
الحمدللّه رب العالمین و صلّی اللّه علی سیّد المرسلین محمد و آله الطاهرین لا سیّما بقیّة اللّه فی الأرضین
إِنَّ النَّاسَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي صَلَاةٍ وَ دُعَاءٍ وَ مَسْأَلَةٍ وَ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ فِي شُغُلٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ إِلَيْهِ بِأُمُورِ السَّنَةِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِهَا مِنْ كُلِّ أَمْرٍ...
من الأجدر القيام بما يلي في هذه الليالي المباركة و التي تنزل الملائكة الإلهية فيها  لعرض مقدرات الناس للعام القادم على إمام العصر عليه السلام:
۱. قيام المؤمنين بتجديد العهد مع ولي الأمر و صاحب ليلة القدر و وارث الغدير الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه و ذلك بقرائتهم الدعاء المعروف ب اللهم كن لوليك و زيارة آل ياسين ليستضيئوا بنور هذا الهادي الرباني.
۲. الاغتنام بفرصة هذه الليلة لاكتساب المعارف الدينية و التوبة و الدعاء و إخلاص النوايا لله و طلب الهداية و توفر الأمن و الصحة لجميع أبناء البشر لنتمكن في ظل عنايات بقية الله الأعظم عجل الله تعالى فرجه من القضاء على هذا المرض المتفشي و إزالة جوانب الضعف الاقتصادي و الاجتماعي و المعاصي و الذنوب التي تهدد هوية المجتمعات.
۳. بكل خضوع و محبة أناشد جميع المنتظرين لاسيما الخطباء و الشعراء و ذاكري أهل البيت عليهم السلام أن يوجهوا القلوب نحو ذلك الإمام العزيز و الرؤوف و أن يخصصوا بشكل خاص جزءا من مجالسهم المقامة أثناء السنة بالابتهال و التضرع و الدعاء لفرج الموعود المبارك لأن الدعاء لتعجيل الفرج و الظهور واجب على جميع المسلمين.
«اللهم اکشف هذه الغمة عن هذه الامة بحضوره و عجل لنا ظهوره انهم یرونه بعیدا و نراه قریبا»

بيان المرجع الشيعي سماحة آية‌الله العظمی الصافی الگلپایگانی مدّظله الوارف بمناسبة حلول أیّام الفاطمیة علیها السلام المأساوية
بيان المرجع الشيعي بمناسبة حلول أیّام الفاطمیة علیها السلام المأساوية

بسم الله الرّحمن الرّحیم

اللهم صلّ وسلّم علی الصدیقة الشهیدة الرّضیة المرضیة الحوراء الانسیة المظلومة المغصوبة فاطمة الزهراء سیدة نساء العالمین.

في ذكرى شهادة سيدة نساء الإنسانية، مولاتنا الصدیقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله علیها اتقدّم بأحرّ التعازي الى القلب المقدّس المحزون لولدها المفجوع المنتقم للدماء الزكية، حضرة مولانا بقیّة الله الأعظم عجّل الله تعالی فرجه الشریف.
لقد طلب مني ـ وأنا المفتاق الضعيف ـ جمع من المحبين لساحة القدس الفاطمی أن أقول كلمة حول إقامة مراسم العزاء والحزن في مناسبة أيام الفاطمية ، وامتثالاً للأمر اقدّم بعض الكلمات بهذا الشأن:

إنّ الشخصیة النورانیة والإلهية لحضرة الصدیقة الطاهرة علیها السلام لا ينبغي أن يتصدّى لتعريفها سوى بارئ فاطمة وأبيها العظيم وزوجها الرفيع وأبناؤها الكرام صلوات الله علیهم أجمعین.
إنّ الله جلّ وعلا في قرآنه الکریم في آیة المباهلة الشریفة أو في آیة التطهیر أو في سورة الإنسان المبارکة وأيضاً في الآیات المبارکة من سورة الکوثر قد عرّف هذه السيدة الجليلة بأنّها أعزّ شخص على الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وأنّها الاُسوة في الطهارة والعصمة والشخصية النموذجية الفذّة في الفضائل الإنسانية ومكارم الأخلاق.
وإنّ شهر جمادى ليذكّرنا بأشدّ حوادث التاريخ حزناً وأسيً ممّا لا نظير له ولا شبيه، وإذا أردنا أن نبيّن الحقيقة المحزنة لهذه المصيبة الأليمة فعلينا أن نقول بأنّ السماوات والأرض والنجوم والأفلاك لا تطيق رؤية ولا سماع هذه المصيبة العظمى ، حيث إنّ أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو جبل الصبر والثبات وأشجع إنسان على وجه الأرض قد وصل به الحزن الى حدّ حينما سمع بشهادة زوجته الحنون اُغمي عليه وأنشأ يقول بعد:

نفسی علی زفراتِها محبوسةٌ * یا لیتَها خرجـتْ مع الزَّفراتِ
لا خیرَ بعدکِ فی الحیاةِ وإنّما * أبکی مخافةَ أن تطولَ حیاتی

ثمّ إنّ الشيعة ومحبي أهل البیت علیهم السلام إذ يُقيمون لها مجالس العزاء ويقفون على أعتاب ذكراها بكلّ إجلال وإخلاص وخشوع إنّما يريدون من وراء ذلك تبيين التاريخ الحقيقي للعالَم وعرض شيئ من فضائل ومقامات هذه الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله علیها وأن يكشفوا لكلّ من يؤمن بالله ولأحرار العالم ما اشتملت عليه الخطبة الفدكية من المعارف الإلهية السامية.

هؤلاء الشيعة ومحبّو هذه السيدة الطاهرة اليوم ومن خلال إقامتهم لمراسم ومجالس العزاء مع مراعاتهم الضوابط الصحية قد أثبتوا للعالَم أجمع عظمة وجلال المراسم الفاطمية ، وسجّلوا لأنفسهم مفخرة الدفاع عن مقام الولاية والإمامة الشامخ وأنّهم قد حُظُوا بالاقتداء بها.
نسأل الله العليّ القدير تعجيل الفرج البهيج لوليّ العصر روحی وأرواح العالمین له الفداء وأن يزيل الغموم والهموم والبلايا والأمراض عن المؤمنين ببركة الأنوار القدسية لهؤلاء العظماء ، وذلك بالتضرّع إليه تعالى بحقّ المعصومين علیهم السلام سيما السيدة الزهراء المرضية سلام الله علیها وببركة قراءة حدیث الكساء الشریف ودعاء التوسّل.والسلام علیکم و رحمه الله و برکاته

10 جمادی الاولی 1442 هـ . ق
لطف الله الصافی

 

بمناسبه ولاده سیدنا عبدالعظیم الحسنی علیه السلام
عَرْض الدّين في العصر الراهن
(سماحه المرجع آیت الله العظمی الصافی الکلبیکانی دام ظله)

بسم الله الرحمن الرحیم

في عصرنا الحاضر، على الجميع وخاصّة جيل الشباب والمثقّفين والجامعیّين المؤمنين الأعزّاء، أن يهتمّوا بمسألة عرض الدّين على علماء الدّين الّذين عرفوا الدّين من القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت علیهم السلام فقط، إذ أنّ يد التحريف والتأويل والتصـرّف واتّباع الاستحسان والسليقة الشخصية، قد امتدّت إلی العقائد والتعاليم الإسلامية من قبل بعض الأشخاص، ولأسباب عديدة منها: التأثّر بالحضارة الغربية، وأنَّ بعض فاقدي الأهلية والصلاحية قد نصبوا أنفسهم خطباء للدّين، فتراهم يعقدون جلسات الحوار والمناقشة، ويخطبون ويكتبون المقالات الدينية الّتي تستهدف الإسلام والتزام الناس بالعقائد والأحكام الشرعية، ويوحون للناس بأنّ التقيّد بالأحكام الشـرعية ومداليل الكتاب والسنّة، بعيدٌ عن الانفتاح الفكري والحضاري، ويحاولون تخطئة ما تلقّاه كبار العلماء والفقهاء على امتداد القرون المتمادية، معتقدين بأنّ الكثير من الأحكام الإلهية لا تناسب المزاج العصـري الّذي أسّسه الغرب أو الشـرق، متوسّلين ببعض المصطلحات الرنّانة مثل «الفقه المنفتح» أو «انقباض وانبساط الشـريعة» لاتّهام بعض الأحكام وتعطيل خاتمية وأبديّة المنهج الشـرعي ونظام الجزاء والقوانين الاجتماعية الإسلامية وغيرها.

وقد تدخَّل هؤلاء حتى في العقائد وعرّفوا الكتاب والسنّة باصطلاحات عرفانية، وبذلك يكونوا قد سلكوا طريقاً إذا استمرّوا به لم يؤدّ إلّا إلی تضعيف الالتزام الديني عند الكثير من الناس.

لقد کان عمل الأنبياء المهمّ والعظيم هو هداية الناس إلی المنهج الّذي اُمروا بتبليغه من قبل الله‏، وحثّهم على العمل بهذا المنهج والالتزام الوجداني به، هذا العمل الجبّار الّذي عجز عن مثله کلُّ الفلاسفة وکلّ أدعياء الفكر والثقافة الحديثة، ولا زالوا عاجزين.

إنَّ هؤلاء الأشخاص الّذين يدّعون الثقافة والفكر،  أينما وجدوا، فإنّهم حاولوا إضعاف الإیمان ومواجهته، ويفتخرون بأنّهم يستطيعون أن يخدشوا المعتقدات والمسلَّمات الإسلامية وأن يقلّلوا من تمسّك الناس والتزامهم بدينهم، ويفسّـرون الدين بما تشتهيه أذواقهم المتأثّرة بالثقافات الأجنبية وأحوال وأوضاع الغرب، وينكرون أو يشكّكون في الأصالة الفكرية الإسلامية.

وللأسف الشديد، فإنّ بعض هذه الأحابيل قد أثّرت في بعض طبقات المجتمع الإسلامي برجاله، ونسائه خاصّة، وأنّها منمَّقة ومطليّة بطلاء التجديد الديني والرجوع إلی الذات ممّا أدّى إلی إدخال الوسوسة في بعض المسائل الدينية المسلّمة، والالتزامات الإسلامية عند البعض.

ولا يخفى أنّ مثل هذه المخالفات والمواجهات للشرع الحنيف يكون لها صدىً إعلامي، ومن هنا تجد أنّ أبطال مثل هذه الاتّجاهات هم من عشّاق الشهرة والصيت الذائع الّذين يحاولون الظهور على ساحة المجتمع بأيِّ ثمن حتّى لو کان إنکار المسلَّمات الدينية والمقدّسة عند المسلمين، فهؤلاء عاجزون تماماً عن شقّ طريق الوجاهة والرفعة، لخوائهم وضعفهم وعدم أهليّتهم، فيتشبّثون بمثل هذه الاُطروحات الهزيلة لكسب السمعة والشهرة، وهم يعرفون تماماً أنّهم کلّما ازدادوا في هتك الحرمات وإثارة الشبهات وإهانة المقدّسات وإنكار القيم الاجتماعية، ازدادت شهرتهم، وهذا ما يطمحون إلیه، ولا شكّ في أنّ هؤلاء سيكون لهم أتباع ومروّجون ممّن تتعارض مصالحهم الشخصية وأهواؤهم وأمزجتهم مع تلك المسلّمات العقائدية والدينية.

فالكثير من المتأثّرين بالغرب ومن يتصوّرون أنّهم من المجدّدين، يعتبرون أنّ الكاتب والخطيب المتحرّر المثقّف هو الأكثر جرأةً على محاربة المقدّسات والمسلّمات الإسلامية والاستهزاء بها.

ومن ثمَّ تجد بأنّ كتاب المرتدّ سلمان رشدي، والّذي کان عارياً عن أيِّ استدلال منطقيّ وتوجيه معقول، والخالي من أيِّ ردٍّ فكريّ وجيه، قد عدَّته بعض المحافل الّتي لا ترى للحرّيّة حدّاً، من الكتب الفكريّة المتحرّرة المنفتحة،  کلّ ذلك لأنّ ما ورد في الكتاب هو أعلى ما يمكن من درجات الإهانة والجرأة على الشخصيات المقدّسة عند المسلمين بل عند کلّ العالم، فصار رشدي وكتابه مشهوراً عن طريق هتك القداسة وإهانة العصمة والطهارة، ولذا فقد قامت القوى الاستعمارية الّتي رقصت على أنغام هذه السنفونية، قامت بحماية هذا المرتدّ والدفاع عنه، مع أنّ الكتاب فاقدٌ للمحتوى الفكريّ المنطقيّ المستدلّ.

ولذا، فإنّ شبابنا إذا ما أرادوا الأمان من شرِّ إضلال مثل هؤلاء المجدّدين الصوريّين، وأن يتعلّموا الدين الإسلامي الصحيح والمنزّه وكما اُنزل على قلب النبيّ الأكرم صلی الله علیه و آله  وأخذه من مصادره الأصيلة النقيّة، عليهم أن يراجعوا بأنفسهم تلك المصادر، وأن يعتبروا الكتاب والسنّة الخاليين من التأويل والتوجيه، حجّة دامغة، أو أن يرجعوا إلی حَملَة الإسلام، أي اُولئك الّذين أخذوا الدين من مكتب أهل البيت^، والّذين غاصوا بحار هذين المصدرين وسبروها، فإنّ هؤلاء معروفون عند الجميع، أمثال أبي ذرّ والمقداد وسلمان وسُليم ومحمد بن مسلم وابن أبي عُمير والفضل بن شاذان وابن بابويه والکليني والشيخ الطوسي وتلامذتهم وتلامذة تلامذتهم إلی يومنا هذا، من العلماء والفقهاء والمراجع الكرام.

فهذه الطبقة من العلماء هم الّذين تناقلوا الإسلام والدين الصحيح على مرِّ الأعصار والأدوار بعد أن تلقّوه من مصادره الأصلية يداً بيد وصدراً بصدر وروحاً بروح، ونقلوه إلی الخَلَف عن السلف، فلو لم يكن هؤلاء المخلصون لم يتمكّن الآخرون من الحفاظ على هذه الأمانة الغالية، ولعمَّت غوغاء البحوث الفلسفية وأفكار وآراء الصوفية لهذا وذاك، ولم يكن ليبق شيء ثابت وخالص ولا لتسلم المباني الاعتقادية الإسلامية من خطر الانحراف والتأويل.

فکلّ المطَّلعين المنصفين يعرفون تماماً أنّ أمثال هؤلاء الأفذاذ من العلماء هم المنفردون من سائر أقرانهم من أرباب العلوم العقلية والمشهورين من المتبحّرين في العلوم الإسلامية، في حفظ الإسلام وصيانته، فكان لهم الدور الأساسي في تبليغ الدين للأجيال اللاحقة، والمناهج الاُخری كالفلسفة والعرفان الاصطلاحي لم يكن لها مثل هذا الاهتمام وَلم تسْعَ لتحقيق هذا الهدف.

ولا شكّ في أنّه لو خُلّي الأمر بين المسلمين وبين أمثال علاء الدولة السمناني وبين بايزيد وأبي سعيد وصوفية الهند وإيران والخانقاهات الكئيبة، كان الشـيء الوحيد الّذي يفتقده المسلمون اليوم هو «الإسلام» وکلّ ما كان موجوداً حينها، يعجز عن إدارة الدين والدنيا.

فمثل «ابن الفارض والسهروردي وابن العربي»، لم يكن لهم دورٌ في هذا المجال، وما قام به السیّد الميرداماد ـ عليه الرحمة ـ من خدمات في حفظ الدين وصيانة آثار أهل البيت^، لا يمكن حسابه في خانة تجرّه في الفلسفة وما قال هو عنه في مشاركته لفلاسفة اليونان فيه، ومع أنّه ـ رحمه الله ـ قد استعان بالفلسفة في بعض آرائه ونظراته في بعض المسائل الإسلامية، لكن خدماته وخدمات أمثاله للإسلام، کانت نتيجة تخصُّصه في مجالات العلوم الإسلامية والمعارف القرآنية وآثار أهل البيت علیهم السلام لا غير.

وعلى أيِّ حال، في مسألة «عرض الدّين» وتحصيل الاطمئنان بمطابقة دين الشخص مع الدين الّذي جاء عن النبيّ والأئمّة الأطهار علیهم السلام وأنّه دين الله، يكون المعيار والمناط الوحيد هو الوحي الإلهي وکلمات أهل البيت علیهم السلام

وبمقتضى: «هَذَا الْعِلمُ دينٌ فَانظُروا عَمَّنْ تأخُذُونَ دينَكُمْ»،([1]) لابدّ من أخذ دين الله‏ وعلم الدين من أهله وفي کلّ المجالات.

([1]) الدارمي، سنن، ج1، ص113؛ مسلم النیسابوري، صحیح، ج1، ص11؛ ابن عبد البرّ، التمهید، ج1، ص45 ـ 47، 67؛ الخطیب البغدادي، الکفایة في علم الروایة، ص150؛ السیوطي، الجامع الصغیر، ج1، ص384؛ الشهید الثاني، منية المريد، ص239.

ذکری سماحة الزعیم الأکبر آیة الله العظمی السید البروجردی قدّس سره

ذکری سماحة الزعیم الأکبر آیة الله العظمی السید البروجردی قدّس سره

بسم الله الرحمن الرحیم

نموذج من الفضائل و المکارم الأخلاقیة
یصادف الیوم الثّالث‌‌عشر من شهر شوّال، ذکری رحیل فقید الأمة‌ الإسلامیة المقدّس آیة‌الله العظمی السّید البروجردی أعلی الله مقامه، الزّعیم الکبیر للشّیعة و الّذی کان فی عصره، نموذجاً ممتازاً و إلهیاً من رجال الإیمان و العبادة و وجود مفعم بالإعتقاد بالتّوحید.
إنّ الفقید العظیم کان تذکاراً لجدّه الأعظم السبط الأکبر علیه‌السلام فی الأخلاق الکریمة و السّجایا الحمیدة و الخشیة من الله.

الخوف من الله تعالی
کلّ جهات العظمة الشخصیة قد اجتمعت فی وجوده الشریف و التی کان أکبرها الخوف من الله تعالی و یوم المعاد؛ کان یعتقد بالله تعالی و بالقیامة بتمام الإعتقاد.

الزّهد عن طلب الدّنیا
لم‌یتراءی فیه طلب الدّنیا و الرئاسة. کان یکرّر بنفسه قائلاً – و لاشکّ فی صدقه-: «لم احذو حذواً واحداً للمرجعیة و الرئاسة الدّینیة.»

تجلّی صفات المتّقین
کانت ترائی فیه الصفات التی عدّدها أمیرالمؤمنین لهمّام من صفات المتّقین:
فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ النَّارُ
كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ

المواظبة علی صرف بیت المال
کان یواظب فی صرف بیت المال مواظبة شدیدة و یمکن أن یقول لم یعط أحداً دینارً غیر ابتغاء وجه الله.
کان لایصرف لحاجاته الشخصیة کاللباس بل الطعام من السهم المبارک للإمام علیه‌السلام و من بیت المال.

البساطة فی العیش
البیت و داخله کان بسیطاً دون الکمالیات،‌ کان یفرش بالسجادات القدیمه التی لعله کان قد ورثها.
تجلیل العلماء الکبار و العظام
کان یحترم الکبار من علماء السلف و المعاصرین.

الإهتمام بالمستحبّات

و کان لایجامل و لایسامح فی إظهار الحق و إبطال الباطل و کان یهتمّ فی رعایة الأمور و الحقوق التی کانت رعایتها من المستحبّات و الآداب و المکارم الأخلاقیة.

مقتطفات من کتاب (فخر دوران) تالیف سماحه آیه الله العظمی الصافی الکلبایکانی دام ظله الوارف

تساؤلات ، و إجابات (وصايا المرجع الصافي حول الشعائر الحسينية)
الشعائر الحسينية فی کلام المرجع الديني/ق 2

الشعائر الحسينية فی کلام المرجع الديني الصافي الكلبايكاني مد ظله /

 القسم الثانی : تساؤلات ، و إجابات (وصايا المرجع الصافي حول الشعائر الحسينية)

المصدر : كتاب الشعائر الحسينية،  ص46ـ ص57

الشعائر الحسينية

 

س 1. تقوم أحد دور النشر سنوياً بإصدار نشرة ثقافية في شهر محرم الحرام حيث تطرح الملحمة الحسينية لجمهور المؤمنين وإيصال الفكر الإسلامي من خلال ما طرحه سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام).

ومن هذا المنطلق نرجو من سماحتكم التفضل بالاجابة على الاستفسارات التالية بغية نشرها لتعم الفائدة على جمهور المؤمنين.

1. ما هو دور المنبر الحسيني ومدى تأثيره في مجتمعتاتنا؟

2. ماهي رسالتكم لأصحاب الحسينيات والمتولّين عليها؟

3. ماهي رسالتكم لخطباء المنبر الحسيني؟

4. ما هي رسالتكم لجمهور المجالس الحسينية؟

ج 1: غير خاف عليكم وعلى جميع المؤمنين ما للمنبر الحسيني من فوائد ومدى تأثيره في مجتمعاتنا من الهداية إلى الأحكام الشرعية وما للتضحية في سبيل الله من الأجر والثواب.

ج 2: لأصحاب الحسينيات ومتولّيها أوّلًا الأجر والثواب ؛ لقيامهم بإدارة شؤونها، وعليهم ثانياً أن يسلكوا مع المرتادين سلوكاً مرضياً لهم ومرضيّاً لله تعالى.

وفق الله الجميع لإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام).

ج 3: حضرات السادة خطباء المنبر الحسيني حفظهم الله ووفقهم لمراضيه هم أعرف بما يجب عليهم من إرشاد المستمعين بتلاوة الآيات القرآنية وذكر أحاديث أهل البيت عليهم أفضل التحية والسلام.

ج 4: رسالتي لهم الاتعاظ بالمواعظ والعمل بها \ ليصبح الجمهور أُمّة مسلمة مؤمنة موالية لأهل البيت (عليهم السلام).

س 2. ما هي نصيحتكم حول الاهتمام بالمساجد والحسينيات بشكل عام؟

ج: قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)[1]

والمساجد والحسينيات من شعائر الله وشعائر الإسلام وشعائر المذهب، فتعظيمها وتكريمها بأي صورة شرعية وعمرانها بالاجتماع فيه لإقامة الجماعات وقراءة القرآن وتعلّم الأحكام واستماع الحديث وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام وفضائلهم ومناقبهم ومصائبهم سيّما مصائب مولانا سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فذلك كلّها من تعظيم شعائر الله، وقد قال تعالى: (وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ‏)[2]، ولهذه المظاهر والمجامع فوائد جليلة كثيرة تزيد بها شوكة الإسلام والمسلمين ورفع مستواهم الثقافي، فمن لا يستفيد من اجتماعات هذه المساجد والمجامع يكون في معرض الوقوع في شبكات الملحدين والمبدعين.

ومن عمران المساجد والحسينيات حفظها عن كلّ ما ينفر الطباع السليمة من الحضور فيها، وذلك بحفظ نظافتها، ورعاية آدابها الشرعية والعرفية، وتنزيهها عن الاشتغال بالأُمور الدنيوية التي لا ترتبط بالدين ومصالح المسلمين.

س 3. ماهي نصائحكم للراثين على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في أيّام محرم الحرام؟

ج: أنصح من يتصدى لرثاء الحسين عليه وعلى أصحابه الكرام أفضل التحيةوالسلام في محرم الحرام وغيره من الأيّام أن يذكر المطالب الصحيحة من الأُصول والكتب المعتبرة، وأن يتجنّب الكذب والغناء واستعمال آلات اللهو. وعلى الجملة اجتناب جميع منافيات غرض الشارع المقدس وما قصده سيد الشهداء بقيامه، وإخلاص النية ليدرك أجر إقامة العزاء. والله هو الموفق والمعين.

س 4. بلدان الاغتراب مملوءة بمظاهر المادية والكفر والإباحية .. وكل شي‏ء فيها يشجع على ذلك من القوانين إلى وسائل الأعلام إلى التربية في المدارس بل حتّى الإنسان والأطفال، وقد اضطرتنا الظروف إلى العيش في هذه الأجواء. ولا يخفى عليكم انّ أنجع وسيلة للحفاظ على ديننا ودين أبنائنا هي إقامة المجالس‏ الحسينية، فهي أفضل طريق لتزكية النفوس وتعليمها وربطها عاطفياً بشريعة سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) وإقامة هذه المجالس تحتاج إلى نفقات عالية من تجهيز القاعات التي تقام فيها، والأجهزة الصوتية، وما يوزع فيها من وجبات طعام وشراب، والهدايا التي تدفع للعلماء والخطباء والرواديد والشعراء الذين يحيون هذه المجالس خصوصاً أنّ بعضهم يُدعى من خارج هذه البلدان فتدفع إليهم نفقات سفرهم ... ويتسابق المؤمنين لتغطية هذه النفقات من خالص أموالهم لا ممّا يجب عليهم من الخمس والزكاة ونحوهما من الفرائض المالية، فإنّهم يصرفونها في وجوهها التي حدّدها الشارع الأقدس، بل يدفع الكثير منهم زيادة على ذلك مساعدات إلى الفقراء من ذوي رحمهم وأهل بلدهم، وقد نمت واتّسعت تلك المجالس واتّسعت النفقات باتّساعها حيث بلغت نفقات بعضها عشرين ألف دولار في عشرة أيام؛ ولذا فقد ظهرت أخيراً موجة عنيفة من التشكيك مفادها أنّ مساعدة فقراء وأيتام البلدان الإسلامية كالعراق أفضل من ذلك، فأيّهما أفضل وأكثر ثواباً عند الله عزوجل، إقامة المجالس الحسينية في الظروف المذكورة أم مساعدة الفقراء؟

ج: إنّ الاهتمام بإقامة أمثال هذه المجالس والمراسم وصرف المال الكثير بلغ ما بلغ هو رمز لحياتنا ومن شعائر ديننا ومذهبنا، وبها تحفظ هويتنا الإسلامية وشخصيتنا المذهبية، ولا يقوم مقامها أي عمل آخر. وغير خاف أنّ فوائدها الاجتماعية ومنافعها السياسية قوية جداً، إذ بها يحيا الإيمان في النفوس، وبها يزداد الحب لله ولرسوله ولأئمتنا- سلام الله عليهم- وحب الخير والإحسان والإيثاروالعزم على التضحية والانفاق في سبيل الله وبذل المال لمعونة ا لمعوزين والفقراء وإنشاء الجمعيات الخيرية والمستشفيات والمساجد وغيرها.t t

فاللازم على القائمين بأمثال هذه الشعائر المقدّسة والمشرفين عليها أن يكونوا خبراء بمعاني هذه البرامج المباركة، ومالها من الفوائد الإيمانية والتربوية والأخلاقية والسياسية، وينبغي لنا أن نمعن النظر إلى باطنها عن ظاهر وإلى حقيقتها من مجازها، بل الواجب هو الالتزام بمفاهيم ولاية أهل البيت (عليهم السلام) ومعانيها القيمية ومقاصدها العظيمة التي منها العطف على الفقراء والمحرومين وإدارة شؤونهم (من أصبح ولم يهتم بأُمور المسلمين فليس منهم) فإن مجالسنا شعائر كلّها لا تخلو من‏ الدعوة إلى مافيه حياة الأُمة وخيرها وسعادتها وبها نهتدي إلى أهل البيت وهدي الحسين- سلام الله عليهم أجمعين- وهدي مولانا وصاحب أمرنا بقية الله أرواح العالمين له الفداء. ولا حول ولا قوة إلّا بالله.

س 5. كلمة حول عاشوراء لمجلة التوعية الصادرة عن جمعية التوعية الإسلامية في البحرين أيام عاشوراء كيف يجب أن تكون؟

ج: إقامة العزاء للمعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يجب أن تكون متمحضة ببيان فضائل أهل البيت (عليهم السلام) المتّخذة من خطبهم وبياناتهم ومواعظهم (عليهم السلام)، وبعيدة عن كلّ ما يشين بها من استعمال الآلات الموسيقية المتداولة في هذا الزمان، كي لا تكون مهزلة الأجانب والأعداء، خاصة أيام عاشوراء فهي من المصائب العظيمة المقرحة لقلوب الأعداء فضلًا عن الأحبة وشيعتهم، وتكون موجبة لمرضاتهم- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- وفق الله الجميع لتعظيم هذه الشعائر.

س 6. ماهي النصيحة التي تقولونها للخطباء؟

ج: وصيتي لهم أن يعملوا بما يقولونه للناس، ويجعلوا التقوى شعاراً لأنفسهم، ويعملوا لله، ويحذروا عن موعظة الناس وتحذيرهم عن الإكباب على الدنيا لجلب حب الناس وتوجّههم إليهم، فإنّ ذلك موجب للحسرة والندامة.

t t

والحاصل: أنّ عملهم هو عمل الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وشؤونهم فوق سائر الشؤون، ولا يعلم أجر عملهم إلّا الله تبارك وتعالى، فلابدّلهم من المحافظة على هذا الشأن، وأدعو لهم أن يوفّقهم الله لذلك.

س 7. تخرج في ذكرى وفيات أهل البيت (عليهم السلام) العديد من المواكب العزائية السيارة التي تطرح فيها مصائب أهل بيت العصمة والطهارة، وتحيي ذكرهم من خلال القصائد التي تلقى من قبل بعض المؤمنين، وما يصاحبها من لطم على الصدور حزناً وأساً على مصاب أهل البيت (عليهم السلام). وفي الآونة الأخيرة أُثير حول بعض هذه المواكب الكثير من الإشكالات وعلامات الاستفهام من قبل العامة، ولهذه توجّهنا لسماحتكم بالأسئلة كالتالي:

1. في رأيكم الشريف هل إقامة مثل هذه المواكب أمر راجح شرعاً وعقلًا، أم أنّ الأولى تركها وعدم إقامتها؟

2. هل مثل هذه المواكب تعتبر إحياء للشعائر الإلهية التي أمر الله بإحيائها، أم أنّها بدعة ليست في الدين من شي‏ء؟

3. هل هناك إشكال شرعي في إقامة العزاء على أهل البيت (عليهم السلام) على الصورة المذكورة سابقاً؟

4. تتخلل القصائد الملقاة أثناء مواكب العزاء المزبور إشارات تتعلّق بالوضع الاجتماعي والعقائدي ومصالح المسلمين العامة مع ذكر مصائب أهل البيت (عليهم السلام)، فهل في ذلك إشكال شرعي؟

5. هل يجوز للمؤمنين التنازل عن إقامة مثل هذه المواكب بذريعة التعرض للضغوط الداخلية والخارجية التي تخطط لمحو مراسم العزاء الحسيني؟

6. ما هو الحكم في حالة تعرض المواكب المزبورة لبعض المضايقات التي تهدف لتحجيمها ومحوها في سبيل إطفاء نور أهل البيت (عليهم السلام) وإخماد ذكرهم وتضييق الخناق على أتباع المذهب الحق للتنازل عن معتقداتهم؟ وما هو واجب علماء الدين ووجهاء الطائفة في مثل هذه الحالة؟

7. هل يجوز للآباء منع أبنائهم من الذهاب لإحياء مراسم العزاء الحسيني؟

8. ما هو واجب العلماء تجاه هذه المواكب؟

ج: وأمّا ما ذكرتم من الأسئلة حول المواكب الشريفة التي تطرح فيهامصائب أهل البيت (عليهم السلام) وتحيي بها أمجادهم الخالدة وتضحياتهم المباركة في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى وحفظ الدين والشريعة والمثل الإنسانية العليا، فلا شك ولا ريب في أنّها من أعظم ما رغب فيه الشرع المقدّس، وأنّها من الشعائر التي يجب على كلّ مسلم بل على كلّ إنسان يحترم الحق والعدل وكرامة الإنسان ومقاومة الاستكبار، أن يشارك فيها ويؤيّدها.

ولا شكّ أنّ القصائد والشعارات التي تلقى في هذه المراسم وترشد الناس إلى حقوقهم الاجتماعية والسياسية والاهتمام بأُمور المسلمين العامة وأمثالها ممّا يستفاد له من هذا الفرصة الحسينية العظيمة- أُمور محبوبة لله تعالى، لأنّها توجب تقوية المؤمنين ضد أعداء الدين والمستكبرين. أمّا التنازل عن إقامة هذه المواكب وأمثالها بذريعة أنّها تعرض المؤمنين لضغوط داخلية أو خارجية فمعناه التنازل عن القيم الإنسانية والمطالبة بالعدالة الاجتماعية. وأعداء هذه المواكب (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ‏)[3]. نعم ينبغي أن لا يكون إقامة هذه المواكب تعريضاً للنفوس للهلاك وإراقة الدماء، وأن يكون بالأساليب الحكمية المقبولة.

وعلى هذه فعلى الآباء تشجيع أبنائهم إلى الذهاب والمشاركة في إحياء هذه المراسم والاستفادة ممّا فيها من الدروس والعظات.

وعلى العلماء تفهيم الناس ما في مواكب النهضة الحسينية من الحقائق والمعارف الدينية.

س 8. كتب الصحفي المصري المعروف الدكتور نبيل شرف الدين في شبكة هجر الثقافة بتاريخ 4/ 5/ 2000 م موضوعاً بعنوان (المشهد الحسيني في القاهرة) قال فيه:

على باب ضريح الإمام الحسين في القاهرة لوحة رخامية كبيرة كتب عليها بالذهب الحديث النبوي الشريف: الحسن والحسين مني ... من أحبهما أحببته، ومن أبغضهما أبغضته ...

وداخل المسجد أكبر ثريا «نجفة» في العالم العربي (كما يؤكّد إمام المسجد)، وهي للحق آية الجمال والبهاء، ووزنها (كما هو مثبت في دليل تاريخ الضريح وصاحبه) يصل إلى خمسة أطنان من الكريستال المحلّى بالذهب الخالص، وقوائمها من الفضة الخالصة.t

أمّا السجاد فحدث ولا حرج، فقد تبرع العام الماضي أحد كبار التجار من طائفة البهرة (الذين يقيمون حول الضريح) بسجادة فارسية تعود إلى القرن العاشر الميلادي، وحجمها يبلغ 16 متراً مربعاً، وهي من الحرير الخالص، وقد فرشت في المقام (الضريح) الذي يقع في الجانب الشرقي داخل المسجد .. ويعقد داخل المسجد

يومياً أكثر من خمسمائة عقد قران تصل أيام الخميس والجمعة إلى الألف، حيث يحرص آلاف المصريين على عقد قرانهم داخل المسجد الحسيني، وبعضهم يأتي من مدن مصرية بعيدة قد تبتعد عن القاهرة أكثر من سبعمائة كيلومتراً.

للحسين، ومسجده، وضريحه، ومشهده منزلة خاصة في نفوس المصريين (السنة).

وفي شهر رمضان يستحيل على المرء أن يجد موضعاً لقدم في هذا الميدان المعروف بالمشهد الحسيني. واسألوا الدكتور جمال الصباغ كيف كان يسير هناك حينماتقابلنا في رمضان أنا وهو والأخ حازم محرز ... باعة لكل شي‏ء. من المصوغات الذهبية إلى التحف اليدوية ... مكتبات ضخمة ... مقاهي شديدة الجمال ... مطاعم شهيرة ... حلقات ذكر ... ندوات دينية وأُخرى ثقافية ... مواكب زواج ... سياح أجانب يقفون مذهولين لروحة المكان وتلك الأعداد الغفيرة من الزوار ...

كلّ هذا في كفة ... و «مجاذيب الحسين» في كفة أُخرى، فهناك حول الضريح تجد عشرات ممّن ارتدوا «الخرقة الصوفية» وتركوا بيوتهم وأعمالهم واستأنسوا بالحسين، أقاموا حول الضريح يلتحفون السماء ويفترشون الأرض، يأكلون ما يجود عليهم به أهل الخير (وما أكثرهم هناك) ويصلّون الصلوات الخمس في المسجد.

في رمضان لست مضطراً لأن تدفع نقوداً لكي تفطر إذا ما كنت في ميدان الحسين، فأهل الخير يحملون آلاف الوجبات ويقدّمونها مجاناً للصائمين وعابري السبيل. وفي كلّ شهور السنة يحرص الكثير من الأغنياء على توزيع زكواتهم وصدقاتهم على الناس حول الضريح.

أمّا في صلاة العيدين فحدث ولا حرج. تغسل الأرض والله العظيم غسلًا لا تكاد تميز بين عامل النظافة الموظف رسمياً لهذا الغرض، وبين مئات الشباب والشيب الذين يشمرون عن سواعدهم ويحملون «المقشات» ليكنسوا الميدان، بعضهم أطباء ومهندسون وضباط وأساتذة جامعات وتجار أثرياء. كلّهم يعتقدون أن الله تعالى سيبارك الميدان لهم عندما يتواضعون ويكنسون الميدان ويرشون الماء.

 

في الفجر يحضر الموكب الرسمي لرئيس الجمهورية ومعه كلّ الوزراء وشيخ الأزهر، ويحظر سير السيارات في هذا الميدان وكافة الشوارع المؤدية إليه، ويتجاوز عدد المصلين المليون شخص كلّ عيد تستمع لابتهالات الشيخ سيد النقشبندي وإنشاد الشيخ ياسين التهامي حتّى يرفع المؤذن الأذان: الله أكبر الله أكبر، فيتحول الكون كلّه لمستمعين لهذا النداء السماوي الجليل.

عجائز أتين من أقصى الصعيد حملن بضع قروش يوزعنها وفاء لنذر تحقّق، سيدات يتعلّقن بأستار الضريح راجيات تحقيق أملهن في إنجاب طفل حرمن منه، أو عودة ابن غريب اضطرته الحياة الصعبة للرحيل في بلاد الله، وثمة رجل طاعن في السن يذرف دمعة حرّى وهو يناجي صاحب الضريح قضاء حاجة يعلمها الله وحده.

يتعامل الناس هنا في مصر مع الحسين كأنّه مازال حياً داخل الضريح.

يتحاكمون إليه في منازعاتهم ...

بعضهم يرسل إليه خطابات عبر البريد وصلت خلال العام الماضي إلى أكثر من مليون رسالة كما أكدت هيئة البريد المصرية التي تسلمها لخدام الضريح.

المرسل: ...

المرسل إليه: حضرة الإمام سيد شهداء الجنة الحسين بن علي رضوان الله عليهما وصلاته.t t العنوان: القاهرة مسجد الإمام الحسين.

رائحة العطور تغمر أنوف زوار الضريح، وأنوار لا تنطفئ ولم تنطفئ منذ قرون وجلال لا يضاهيه حتّى ضريح السيدة زينب التي يحلو للمصريين إطلاق عدة ألقاب عليها، منها «أم العواجز» و «رئيسة الديوان» و «الطاهرة».

في المسافة الممتدة بين الضريحين تقع أجمل وأبهى أحياء القاهرة. الدرب الأحمر .. القلعة .. الحسينية .. باب الخلق .. باب النصر .. باب الفتوح .. الباطنية .. الجمالية .. الكحكيين .. المغربلين .. الخ.

لأهل البيت في مصر منزلة لا يشعر بها إلّا من يعرف المصريين جيداً، فحينما حاول بعض المتطرفين ذات يوم تفجير قنبلة في منطقة الحسين «خان الخليلي» لم يسلمهم الناس للشرطة، بل فتكوا بهم، فحينما وصلت قوات الأمن لم تجد سوى جثت هامدة، ولم يزل الفاعل مجهولًا حتّى اليوم، فقد تفرقت دماؤهم بين القبائل.

ماهو تعليق المرجع الديني آية الله العظمى الصافي مد ظله على موضوع الدكتور نبيل شرف الدين؟

ج: اطّلع سماحة المرجع الديني الكبير الشيخ لطف الله الصافي مد ظله على موضوع الكاتب المصري، فتفضل بكتابة ما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

بعد الحمد والصلاة،

فإني لا أقدر على وصف ما حصل لي من الوجد والشوق، والإحساس بالقرب والحضور، والجلوس على بساط المحبة والأُنس والخشوع لله تعالى. عند ما طالعت ما كتبه بعض الأدباء العارفين عن الحالات العطرة والروحانية القدسية، التي تحصل لزوار مشهد مولانا سيد أهل الإباء، وواحد أهل المباهلة والعباء، أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، في مصر، القطعة الشريفة من وطننا الإسلامي الكبير، التي حازت شرف ولاء أهل البيت (عليهم السلام) من أوّل ما أشرق عليها نور شمس الدعوة المحمدية والرسالة الإلهية.

لقد كررت مطالعة هذا التصوير الجميل لمظاهر الولاء ومحبة النبي والآل صلوات الله عليهم، والاجتماعات والاحتفالات والحلقات في مشاهدهم النورانية، العامرة بذكر الله تعالى وعبوديته.

إنّ مشهد الإمام الحسين (عليه السلام)، من البيوت التي إذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، بل هو من أفاضلها كما رواه السيوطي، ولو لمن يكن بيت علي وفاطمة الزهراء وسيدي شباب أهل الجنة، بعد بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أفضل تلك البيوت، فبيت من يكون؟!

وجدت نفسي بعد قراءة هذا المقال مفعمة شوقاً وحضوراً بالله تعالى، ورغبةً في زيارة هذا الضريح الشريف والمشهد الجليل، الذي تسطع منه أنوار الجمال المحمدي والجلال العلوي، المشعة من جلال الله تعالى وجماله الأزلي السرمدي.

وهي معان يدركها ويشعر بها من يدرك بحقيقة إيمانه بالله ورسوله ما لهذه المشاهد المرفوعة التي تخدمها ملائكة الله تعالى، من قدر عند الله تعالى ورسوله.

وجدت نفسي كأنّي في مصر، في جوار الضريح الشريف والحضرة الحسينية، بين إخواني الزائرين المصريين الوالهين، الموالين لأهل البيت (عليهم السلام)، وهم يتبرّكون بالمقام ويغتنمون الفوز فيه بالصلاة والابتهال ومناجاة الله تعالى، يطلبون حاجاتهم من ربهم عنده، ويصلّون على النبي، وعلى شهيد الإخلاص والإباء، شهيد معالم الإنسانية الكبرى، شهيد كل المكارم، أبي عبد الله الحسين، حسين التضحية والجهاد والإيثار، حسين الصبر والشجاعة، حسين الإسلام والإنسانية.t

اللهم كحّل بصري بمشاهدة تراب ضريحه في مصر وكربلاء.

نعم، وجدت نفسي في هذه البقعة المباركة التي شرفها الله تعالى بكرامة الانتساب إلى سبط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فرأيت بعين قلبي ملائكة الله تعالى محدقين بها.

فهنيئاً لزوار تلك البقعة المباركة، طور تقرب أولياء الله، ومهبط ملائكة الله.

وهنيئاً لإخواننا أهل مصر ما هم فيه من جوار ضريح سيد شباب أهل الجنة.

هنيئاً لهم هذا الفوز العظيم. ثم هنيئاً لهم ما هم فيه من ولاء أهل البيت (عليهم السلام).

هنيئاً لهم جميعاً .. لشيوخهم وشبابهم، رجالهم ونسائهم، علمائهم وتلاميذهم، أساتيذهم وطلاب جامعاتهم. فيا ليتنا معهم فنفوز بما يفوزون به عند هذا الضريح المبارك.

ويا مولاي يا حسين، يا أبا عبد الله، يا بن رسول الله، يا من استنقذت عباد الله بتضحيتكم الكبرى، من جهالة الضلالة. أشهد أنّك رفعت أعلام الدين، وكسرت صولة المستكبرين والمستعبدين، ونصرت الله ورسوله، مجاهداً صابراً. وأشهد أنّ الله يحب من أحبك، ويبغض من أبغضك، وأن الله طهركم يا أهل البيت من الرجس تطهيراً.

 

 

 

[1] ( 1). التوبة: 18.

[2] ( 2). الحج: 32.

[3] ( 1). الصف: 8.

لبس السواد حزنا على سيد الشهداء عليه السلام
الشعائر الحسينية فی کلام المرجع الديني/ق 1

الشعائر الحسينية فی کلام المرجع الديني الصافي الكلبايكاني مد ظله

 القسم الأول : لبس السواد حزنا على سيد الشهداء عليه السلام

المصدر : كتاب الشعائر الحسينية،  ص27ـ ص46

حكم لبس السواد

 

هل أنّ لبس السواد في عاشوراء حزناً على الإمام الحسين (عليه السلام)، أمر مستحب أو راجح شرعاً؟ وهل يتنافى ذلك مع ماهو معروف في فقهنا من كراهة لبس السواد؟

الجواب:

نعم انّ لبس السواد في عزاء سيد الشهداء وعزاء سائر المعصومين- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- من الأعمال الراجحة، ومن مصاديق تعظيم شعائر الله، ومن مظاهر إعلان الولاية للنبي وآله والبراءة من أعدائهم وظالميهم، وقد كان هذا المظهر وغيره من مظاهر الحزن شعاراً لمحبي أهل بيت النبي الطاهرين من صدر الاسلام إلى يومنا هذا.

أمّا فتوى عدد الفقهاء بما ينافي ظاهرها ذلك فهي أوّل الكلام، وأمّا الروايات الواردة في كراهة لبس الثياب السواد، فهي إن تمّت لا تشمل لبس السواد حزناً في مناسبات عزاء المعصومين (عليهم السلام)، وخلاصة الكلام في ذلك:

أوّلًا: أنّ عمدة دليل الفتوى بكراهة لبس الثياب السود هو دعوى الإجماع، وهو إجماع غير محصّل، وعلى فرض أنّه محصّل لا يكون كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام)، لاحتمال استناده إلى الاخبار الواردة في هذا الباب.

أمّا الأخبار التي قد يستدلّ بها فعمدتها مراسيل وضعاف، وإنّما تمسّك من أفتى بالكراهة اعتماداً على التسامح في أدلّة السنن بناء على شموله لأدلّة المكروهات أيضاً.

لكن يرد عليه أنّ من المشكل شمول دليل التسامح في أدلّة السنن والمستحبات لأدلّة المكروهات، لأنّ غاية ما يستفاد منه أنّ من بلغه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شي‏ء من ثواب ففعل ذلك طلب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان له ذلك، وإن كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقله.[1]

فكيف يمكن تعميم ذلك إلى أدلة ترك العمل برجاء الثواب إلّا باعمال عناية بأن يفترض أنّ المقصود منها (من بلغه ثواب على عمل أو على ترك عمل) وهو محل إشكال وتأمّل.

ثانياً: أنّ القول بجبران ضعف الأخبار الدالّة على كراهة لبس السواد بعمل الأصحاب لايتم إلّا إذا ثبت استنادهم في فتواهم بالكراهة إليها، لكن يحتمل استنادهم إلى قاعدة التسامح في أدلّة السنن، فلا يتم المطلوب.

ولو سلّمنا تمامية انجبار ضعف الأخبار بالعمل، فإنّ دلالتها على كراهة لبس السواد مطلقاً محل إشكال، بل منع كما سيأتي.

ثالثاً: لو سلّمنا تمامية الأخبار المذكورة وقبول الفتوى بكراهة لبس السواد، فإنّ إثبات حكم موضوع لموضوع آخر، أو إثبات حكم موضوع ذي خصوصية لموضوع فاقد الخصوصية، لا يصح إلّا مع اليقين بتساوي الموضوعين في موضوعيتهما للحكم، وبعدم دخالة الخصوصية في الحكم، وإلّا لكان قياساً وحكماً بغير علم.

ومن أين لنا العلم بأنّ لبس السواد حزناً لمناسبات عزاء المعصومين (عليهم السلام) لا خصوصية له؟! فيبقى لبس السواد فيها على حكمه الأولي، وهو الاستحباب والرجحان، لأنّه من مصاديق إعلان الولاية والبراءة، ومصاديق تعظيم شعائر الله تعالى، ومصاديق «يحزنون لحزننا ...»[2] وغيرها من الأدلّة المعتمدة.

2- الظروف السياسية لأخبار لبس السواد

من الثابت تاريخياً وفقهياً أنّ بني العباس جعلوا شعارهم في حركتهم الرايات السود، والظاهر أنّ هدفهم من ذلك محاولة تطبيق أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المهدي (عج) وظهور الرايات السود التي تمهّد له، على حركتهم وراياتهم!

ثم اتّخذوا لبس الثياب السود شعاراً لهم وعلّلوا بأنّه شعار حزن على قتل الإمام الحسين (عليه السلام) وغيره من شهداء أهل البيت (عليهم السلام)، وبأنّه أكثر هيبة.

وبعد سيطرتهم ألزموا أعضاء دولتهم به ثم ألزموا عامّة الناس بلبس السواد! ثم بلبس القلانس‏[3] السوداء الطولية!! .. الخ.

وهذه نماذج من أخبارهم في ذلك:

* روي ابن شهر آشوب في كتاب «مناقب آل أبي طالب» عن «تاريخ الطبري»: أنّ إبراهيم الإمام أنفذ إلى أبي مسلم لواء النصرة وظل السحاب، وكان أبيض طوله أربعة عشر ذراعاً مكتوب عليها بالحبر (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)[4]، فأمر أبو مسلم غلامه أرقم أن يتحوّل بكلّ لون من الثياب، فلمّا لبس السواد قال: معه هيبة، فاختاره خلافاً لبني أمية، وهيبة للناظر. وكانوا يقولون: هذا السواد حداد آل محمد، وشهداء كربلا، وزيد، ويحيى.[5]

وروي أبو الفرج الاصفهاني في كتابه «مقاتل الطالبيين».

أخبرنا يحيى بن علي قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثنا علي بن الجعد قال: رأيت أهل الكوفة أيام أخذوا بلبس السواد حتى أنّ البقّالين إن كان أحدهم ليصبغ الثوب بالأنقاس‏[6] ثم يلبسه.[7]

* وقال: عن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: امتنع من لبس السواد، وخرقه لمّا طولب بلبسه، فحبس بسر من رأى حتى مات في حبسه، رضوان الله عليه.[8]

* عن القاسم بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام): كان عمر بن الفرج الرخجي حمله إلى سر من رأى، فأمر بلبس السواد فامتنع، فلم يزالوا به حتى لبس شيئاً يشبه السواد، فرضى منه (بذلك) وكان القاسم رجلًا فاضلًا.[9]

* وقال ابن الاثير في «البداية والنهاية» عن الأوزاعي: «وقد اجتمع الأوزاعي بالمنصور حين دخل الشام ووعظه وأحبّه المنصور وعظّمه، ولمّا أراد الانصراف من بين يديه استأذنه أن لا يلبس السواد فأذن له، فلمّا خرج قال المنصور للربيع الحاجب: الحقه فاسأله لم كره لبس السواد؟ ولا تعلمه أنّي قلت لك، فسأله الربيع؟ فقال: لأنّي لم أر محرماً أحرم فيه، ولا ميتاً كفن فيه، ولا عروساً جليت فيه، فلهذا أكرهه».[10]

وقال: «وفيها بايع المأمون لعلي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب أن يكون ولي العهد من بعده، وسمّاه الرضا من آل محمد، وطرح لبس السواد وأمر بلبس الخضرة، فلبسها هو وجنده، وكتب بذلك إلى الآفاق والأقاليم، وكانت مبايعته له يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وذلك أنّ المأمون رأى أنّ علياً الرضا خير أهل البيت، وليس في بني العباس مثله في علمه ودينه، فجعله ولي عهده من بعده ... فلمّا كان يوم السبت الآخر (سنة 204 ه-) دخل (المأمون) بغداد حين ارتفع النهار لأربع عشرة ليلة خلت من صفر، في أبّهة عظيمة وجيش عظيم، وعليه وعلى جميع أصحابه وفتيانه الخضرة، فلبس أهل بغداد وجميع بني هاشم الخضرة، ونزل المأمون بالرصافة ثم تحوّل إلى قصر على دجلة، وجعل الأُمراء ووجوه الدولة يتردّدون إلى منزله على العادة، وقد تحوّل لباس البغاددة إلى الخضرة، وجعلوا يحرقون كلّ ما يجدونه من السواد، فمكثوا كذلك ثمانية أيام.

ثم استعرض حوائج طاهر بن الحسين‏[11]، فكان أوّل حاجة سألها أن يرجع إلى لباس السواد، فإنّه لباس آبائه من دولة ورثة الأنبياء. فلمّا كان السبت الآخر وهو الثامن والعشرين‏

من صفر جلس المأمون للناس وعليه الخضرة، ثم إنّه أمر بخلعة سوداء فألبسها طاهراً، ثم ألبس بعده جماعة من الأُمراء السواد، فلبس الناس السواد وعادوا إلى ذلك، فعلم منهم بذلك الطاعة والموافقة، وقيل: إنّه مكث يلبس الخضرة بعد قدومه بغداد سبعاً وعشرين يوماً، فالله أعلم.[12]

*** حكم لبس السواد ...

الروايات التي استدل بها على كراهة لبس السواد

نورد فيما يلي أهم الروايات التي ربّما يستدلّ بها للفتوى بكراهة لبس السواد، فمنها:

ما رواه الحر العاملي في «وسائل الشيعة»:

1- عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن عبد الله، عن بعض أصحابه، عن صفوان الجمّال قال: حملت أبا عبد الله (عليه السلام) الحملة الثانية إلى الكوفة وأبو جعفر المنصور بها، فلمّا أشرف على الهاشمية مدينة أبي جعفر، أخرج رجله من غرز الرحل، ثم نزل فدعا ببغلة شهباء ولبس ثياباً بيضاء وكمة بيضاء، فلمّا دخل عليه قال له أبو جعفر: لقد تشبّهت بالأنبياء، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): «وأنّى تبعدني من أبناء الأنبياء ...» الحديث.[13]

2- عبد الله بن جعفر «قرب الاسناد»: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام) أنّ علياً (عليه السلام) كان لا يلبس إلّا البياض أكثر ما يلبس، ويقول: فيه تكفين الموتى.

3- وعن عبد الله بن سليمان، عن أبيه أنّ علي بن الحسين (عليه السلام) دخل المسجد وعليه عمامة سوداء قد أرسل طرفيها بين كتفيه.[14]

4- وعن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته وهو يقول: «دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحرم يوم دخل مكة وعليه عمامة سوداء وعليه السلاح».[15]

ما رواه الكليني في «الكافي»

5- عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض آصحابه رفعه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكره السواد إلّا في ثلاث: الخف، والعمامة، والكساء.[16]

6- أبو علي الأشعري، عن بعض أصحابه، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بالحيرة، فأتاه رسول أبي جعفر الخليفة يدعوه،

فدعا بممطر أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أما إنّي ألبسه وأنا أعلم أنّه لباس أهل النار».[17]

7- عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسي، عن سليمان بن راشد، عن أبيه، قال: رأيت علي بن الحسين (عليه السلام) وعليه دراعة سوداء وطيلسان أزرق.[18]

8. عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محسن بن أحمد، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: أُصلّى في القلنسوة السوداء؟ فقال: «لا تصل فيها فإنّها لباس أهل النار»[19].

ما نقله الصدوق في «علل الشرائع»

9- وبهذا الاسناد عن محمد بن أحمد، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور قال: كنت عند أبي عبد الله بالحيرة فأتاه رسول أبي العباس الخليفة يدعوه، فدعا بممطرة له أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أما إنّي ألبسه وأنا أعلم أنّه من لباس أهل النار».

ثم قال الصدوق: (قال مؤلّف هذا الكتاب: لبسه للتقية وإنّما أخبر حذيفة بن منصور بأنّه لباس أهل النار. لأنّه ائتمنه، وقد دخل إليه قوم من الشيعة يسألونه عن السواد ولم يثق إليهم في كتمان السر فاتّقاهم فيه).[20]

10- حدّثني محمد بن الحسين قال: حدّثني محمد بن يحين العطار، عن محمد بن أحمد، عن علي بن إبراهيم الجعفري، عن محمد بن الفضل، عن داود الرقي قال: كانت الشيعة تسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن لبس السواد؟ قال: فوجدناه قاعداً عليه جبة سوداء وقلنسوة سوداء وخف أسود مبطن بسواد قال، ثم فتق ناحية منه وقال: «أما إنّ قطنه أسود» وأخرج منه قطناً أسود ثم قال: «بيّض قلبك واليس ماشئت».

(قال محمد بن علي مؤلف هذا الكتاب:

فعل ذلك كلّه تقية، والدليل عل ذلك قوله في الحديث الذي قبل هذا: «أما إنّي ألبسه وأنا أعلم أنه من لباس أهل النار». وأي غرض كان له (عليه السلام) في أن يصبغ القطن بالسواد، إلّا لأنّه كان متهماً عند الأعداء أنّه لا يرى لبس السواد فأحب أن يتّقي بأجهد ما يمكنه لتزول التهمة عن قلوبهم فيأمن شرهم.[21]

11- حدّثنا محمد بن الحسين قال: حدّثنا محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أوحى الله عزوجل إلى نبي من أنبيائه: قل للمؤمنين لاتلبسوا لباس أعدائي، ولا تطعموا طعام أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي»[22].

ما نقله الحر العاملي في «وسائل الشيعة»

12- وفي العلل، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن علي بن إبراهيم الجعفري، عن محمد بن المفضل، عن داود الرقي قال: ... وأورد الحديث ثم قال: أقول: ويمكن حمله على إرادة الجواز ونفي التحريم بقرينة آخره.[23]

4- مناقشة دلالة الروايات على الكراهة.

* بعد غضّ النظر عن سند هذه الروايات نكتفي بالمناقشه في دلالتها بشكل عام، فنقول:

أوّلًا: من الواضح أنّ النهي في هذه الروايات- بملاحظة روايات اتّخاذ العباسيّين شعار السواد- لم يرد على موضوع السواد بعنوانه الأوّلي، بل بسبب تعنونه بعنوان ثانوي، وهو أنّه شعار لبني العباس، وأنّ لبسه تشبّه بهم وموجب لزيادة نفوذهم في أوساط المسلمين. نعم منها رواية واحدة مرسلة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي ضعيفة سنداً وتختص بهم ولا يحتج بها.

بل إنّ النهي في هذه الروايات عن لبسه من مصاديق النهي عن التشبّه بالظلمة ولبس الثياب التي هي شعارهم. ومثل هذا الحكم دائر مدار بقاء عنوانه على ذلك الموضوع .. فلو بقي بنو العباس وغيّروا شعارهم من لبس الأسود إلى لبس الأحمر أو الأصفر، أو انتهى بنو العباس وانتفى موضوع شعارهم كما حدث، وجاء غيرهم من الظلمة واتّخذوا شعاراً من لون آخر .. لتغيّر الموضوع وثبت الحكم على ماهو شعار الظلمة وأهل الباطل وأهل الكفر.

ثانياً: لو سلّمنا أنّ الحكم بكراهة لبس السواد ثابت في الشريعة بدليل الإجماع، فإنّ دخول لبس السواد في مناسبات العزاء بالمعصومين (عليهم السلام) في معقد الاجماع غير معلوم، خاصة بملاحظة أنّه كان متداولًا في عصور الائمة (عليهم السلام) وعصر الغيبة، فالقدر المتيقّن من الإجماع هو ما عدا مناسبات العزاء أو اللباس الذّي يصدق عليه أنّه شعار الأعداء.

وكذا لو سلّمنا بأنّ حكم الكراهة بلبس السواد ثابت بالروايات، فإنّ مناسبة حكمها وموضوعها تمنع من شمول ظهوراتها أو عموماتها للبس السواد في مناسبات العزاء.

ولذا فالأقوى استثناء ذلك من مفادها، وفاقاً لما ذهب إليه صاحب الحدائق والمجلسي- قدس سرهما- ومال إليه غيرهما، كما سيأتي.

5- أهم كلمات فقهائنا في لبس السواد

تناول كبار فقهائنا هذه المسألة في كتبهم الفقهية نأتي بنماذج منها.

(باب النوادر) قال والدي (رحمه الله) في رسالته إلىِّ: ... واعلم أنّ غسل الثياب يذهب الهم والحزن وهو طهور للصلاة، وعليك بلبس ثياب القطن، فإنّه لباس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولباس الأئمة (عليهم السلام)، واتّق لبس السواد فإنّه لباس فرعون. ولا تلبس النعل الأملس فإنّه حذو فرعون، وهو أوّل من اتّخذ الملس.[24]

وقال الشيخ المفيد في «المقنعة»:

وتكره الصلاة في الثياب السود، وليس العمامة من الثياب في شئ، ولا بأس بالصلاة فيها وان كانت سوداء.[25]

وقال أبو الصلاح الحلبي في «الكافي في الفقه»:

وتكره الصلاة في الثوب المصبوغ، وأشدّ كراهية الأسود، ثم الاحمر المشبع والمذهب والموشح والملحم بالحرير والذهب، وما عدا ذلك جائز. وأفضل الثياب البياض من القطن والكتان.[26]

وقال الشيخ الطوسي في «النهاية»:

وتكره الصلاة في الثياب السود كلّها ما عدا العمامة والخف، فإنّه لا بأس بالصلاة فيهما وإن كانا سوداوين.[27]

وقال أيضاً في «الخلاف»:

تكره الصلاة في الثياب السود. وخالف جميع الفقهاء في ذلك.

دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط. وروى عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف، والعمامة، والكساء، وروى عنه أيضاً أنّه سئل عن الصلاة في القلنسوة السوداء؟ فقال: «لا تصل فيها فإنّها لباس أهل النار».[28]

وقال أيضاً: لا يجوز للمحرم لبس السواد، ولم يكره أحد من الفقهاء ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط.[29]

وقال المحقّق الحلّي في «المعتبر»:

وتكره الصلاة في الثياب السود خلا العمامة، والخف، قاله الأصحاب: روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «البسوا من ثيابكم البياض فإنّها من خير ثيابكم» وأمره (عليه السلام) بهذا اللون يدل على اختصاصه بالمصلحة الراجحة، فيكون ما يضاد غير مشارك في المصلحة، وأشدّ الألوان مضادة للبياض السواد. ويؤيد ذلك من طريق الأصحاب، ما رواه أحمد بن رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يكره السواد إلّا في ثلاث: العمامة، والخف، والكساء».[30]

وقال العلّامة الحلّي في «تذكرة الفقهاء»:

البحث الثالث: فيما يكره فيه الصلاة وهو أشياء:- آ- يكره في الثياب السود ما عدا العمامة والخف، لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «البسوا ثيابكم البيض فإنّها من خير ثيابكم» وأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه اللون يدلّ على اختصاصه بالفضيلة، فيكون أشد الألوان معاندة له وهو السواد مكروهاً.

ومن طريق الخاصة قول الصادق (عليه السلام): «يكره السواد إلّا في ثلاث: العمامة، والخف، والكساء»[31].

وقال الشهيد في «الذكرى»:

الثالثة: تكره الصلاة في الثياب السود لما رواه الكليني عمّن رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام): «يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف، والعمامة والكسا».

وفي مرفوع آخر اليه (عليه السلام): «في القلنسوة السوداء لا تصل فيها فإنّها لباس أهل النار».

وقال ابن بابويه: ولا تصل في السواد فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تلبسوا لباس أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي، فتكونوا أعدائي». وروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «البسوا من ثيابكم البياض فإنّها من خير ثيابكم». وفيه دلالة على أفضلية البيض للمصلحة فالمضاد لا يشاركها في المصلحة.[32]

وقال المحقّق الكركي في «جامع المقاصد»:

ويستحب لبس الفاخر من الثياب، وأفضلها البيض، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أحب الثياب إلى الله تعالى البيض، يلبسها أحياؤكم، ويكفن فيها موتاكم».[33]

وقال المقدّس الأردبيلي في «مجمع الفائدة والبرهان»:

قوله: « (ويكره السود عدا العمامة الخ ...)» دليل كراهة السود، عدا العمامة والخف، وكذا الكساء: هو الخبر المرفوع عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف، والعمامة، والكساء». ولا يخفى أنّه يدلّ على الكراهة مطلقاً. وكأنّ القلنسوة أشدّ كراهة، لما روى عن الصادق (عليه السلام). قال: قلت له: أُصلّي في القلنسوة السوداء؟ فقال:

«لا تصل فيها فإنّها لباس أهل النار». وروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيما علم أصحابه: «لا تلبسوا السواد فإنّه لباس فرعون». وفي رواية أُخرى: «انّه لباس أهل النار»[34].

وقال المحدّث البحراني في «الحدائق الناضرة»:

وعن عمر بن علي الحسين (عليه السلام) قال: «لمّا قتل الحسين (عليه السلام) لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح‏[35]، وكنّ لا يشتكين من حر ولا برد، وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم».

أقول: الظاهر أنّ ذلك بعد رجوعه (عليه السلام) إلى المدينة.[36]

وقال أيضاً:

و (منها): أنّه يكره الصلاة في الثياب السود عدا العمامة والخف والكساء وهو ثوب من صوف ومنه العباء، كذا نقل عن الجوهري.

ويدل عليه ما رواه ثقة الإسلام في «الكافي» عن أحمد بن محمد، رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف، والعمامة، والكساء».

وروي في كتاب الزي من الكتاب المذكور عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه رفعه قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكره السواد إلّا في ثلاث: الخف، والعمامة، والكساء».

وعن حذيفة بن منصور قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بالحيرة فأتاه رسول أبي العباس الخليفة يدعوه، فدعا بممطر أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أما إنّي ألبسه وأنا أعلم أنّه لباس أهل النار».

أقول: في القاموس: الممطر والممطرة- بكسرهما- ثوب صوف يتوقّى به من المطر.

ثم أقول: يحتمل أن يكون لبسه (عليه السلام) له في تلك الحال لضرورة دفع المطر أو تقية، حيث إنّه المعمول عليه عند المخالفين يومئذ.

وروى الصدوق في «الفقيه» مرسلًا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال في ما علم أصحابه: «لا تلبسوا السواد فإنّه لباس فرعون».

وروي باسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال «أوحى الله إلى نبي من أنبيائه قل للمؤمنين لا يلبسوا ملابس أعدائي، ولا يطعموا مطاعم أعدائي، ولا يسلكوا مسالك أعدائي، فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي».

أقول: قال الصدوق في كتاب «عيون الأخبار»[37] بعد نقل هذا الخبر بسند آخر عن علي بن أبي طالب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قال المصنف (رضي الله عنه): لباس الأعداء هو السواد؛ ومطاعم الأعداء هو: النبيذ، والمسكر، والفقاع، والطين، والجري من السمك، والمارماهي والزمير والطافي وكل ما لم يكن له فلس من السمك، والأرنب والضب والثعلب، وما لم يدف من الطير، وما استوى طرفاه من البيض، والدبا من الجراد وهو الذي لا يستقل بالطيران، والطحال؛ ومسالك الأعداء: مواضع التهمة، ومجالس شرب الخمر، والمجالس التي فيها الملاهي، ومجالس الذين لا يقضون بالحق، والمجالس التي تعاب فيها الأئمة والمؤمنون، ومجالس أهل المعاصي والظلم والفساد. انتهى.

وحاصله يرجع إلى التخصيص بالمحرّمات في ماعدا اللباس حملًا للنهي على التحريم. والأظهر الحمل على ماهو أعم من التحريم أو الكراهة، مثل لباس اليهود والنصارى ومأكلهم، وكذا لباس المخالفين ومآكلهم المعلومة مخالفة ذلك للسنن النبوية والشريعة المحمدية (صلى الله عليه وآله وسلم) ويؤيّده وقوع المناهي في الاخبار عن جملة من الأشياء من حيث دخولها في مضمون هذا الخبر، مثل النهي عن البرطلة لأنّها من زي اليهود، وإسدال الرداء لأنّه من زيهم، وشمّ النرجس في الصوم لأنّه من فعل المجوس، والأكل بالملاعق كما يفعله الروم والمخالفون لمخالفته لسنة الأكل باليد، وجر الثياب على الأرض كما يفعلونه أيضاً لمنافاته التشمير المأمور به، وجز اللحي وإعفاء الشوارب كما يفعلونه لمخالفته للسنّة النبوية في العكس، وأمثال ذلك. فإنّ الظاهر دخول الجميع تحت الخبر.

ثم أقول: لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين (عليه السلام) من هذه الأخبار لما استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الاحزان.

ويؤيّده مارواه شيخنا المجلسي 1 عن البرقي في كتاب «المحاسن» أنّه روي عن عمر بن زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: «لمّا قتل جدي الحسين المظلوم الشهيد لبس نساء بني هاشم في مأتمه ثياب السواد، ولم يغيرنها في حر أو برد، وكان الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصنع لهن الطعام في المأتم». الاستفادة من هذه القضية مبني على اقرار الإمام (عليه السلام) لبس النساء السواد في ماتم الحسين والحديث منقول من كتاب «جلاء العيون» بالفارسية ولكن هذا حاصل ترجمته.[38]

وقال صاحب الجواهر في «جواهر الكلام»:

المسألة (الثامنة: تكره الصلاة في الثياب السود ما عدا العمامة والخف) بلا خلاف أجده في المستثنى منه، بل ربّما ظهر من بعضهم الإجماع عليه، بل عن الخلاف ذلك صريحاً، وهو الحجة، مضافاً إلى استفاضة النصوص في النهي عن لبسه الذي ربّما قيل باستفادة الكراهة في خصوص الصلاة منه، إمّا لدعوى اتّحاد الكونين كما سمعته في المغصوب، أو لأنّ إطلاق الكراهة يقتضي شمول خصوص الصلاة، ولا ينافيه شمول غيرها، إذ ليس المراد اختصاص الصلاة بذلك من بين الأفراد، بل المراد الكراهة فيها بالخصوص وإن كان غيرها من الأفراد كذلك، وقد سمعت نظيره في استحباب خصوص بعض الأذكار في الصلاة، لكن لا يخفى عليك أنا في غنية عن هذا التكلّف- خصوصاً الأخير الذي يمكن دعوى ظهور العبارات بخلافه- بما سمعت من الإجماع المحكي المعتضد بما عرفت.

وبالمرسل في «الكافي» أنه «روي لا تصل في ثوب أسود، فأمّا الكساء والخف والعمامة فلا بأس».

بل وبالمستفاد من بعض النصوص في القلنسوة من كراهة لباس أهل النار في الصلاة، ففي مرسل محمد بن سليمان «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّي أصلّي في القلنسوة السوداء قال: «لا تصل فيها فإنها لباس أهل النار» ولا ريب في ظهور التعليل فيه بكراهة الصلاة في كلّ ماكان كذلك. وقد ورد في السواد أنّه لباس فرعون، وأنّه زي بني العباس، وفي الممطر منه أنّه لباس أهل النار، ففي مرسل الفقيه قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما علّم أصحابه: «لا تلبسوا السواد فإنّه لباس فرعون».

وفيه أيضاً: «رروي أنّ جبرئيل (عليه السلام) هبط على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قباء أسود ومنطقة فيها خنجر، فقال: يا جبرئيل ما هذا؟ فقال: زي ولد عمك العباس، يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ويل لولدك من ولد عمك العباس».[39]

وفي خبر حذيفة بن منصور قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بالحيرة فأتاه رسول أبي العباس الخليفة يدعوه، فدعا بممطر أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه، ثم قال: أما إنّي ألبسه وأنا أعلم أنّه لباس أهل النار». بل من المعلوم كون ذلك من حيث السواد لا خصوصية الممطر؛ كما أنّ من المعلوم كون لبسه للتقية، فيتجه حينئذ كراهة الصلاة فيه للتعليل المزبور.

بل منه تنقدح المناقشة فيما ذكر غير واحد من الأصحاب من شدة الكراهة وتأكّدها في القلنسوة السوداء للخبر المزبور، ضرورة أنّه بعد تعليل الكراهة فيه بالعلّة المشتركة بين الجميع لم يبق حينئذ خصوصية لمورد التعليل، سيّما مع كونه من كلام السائل، ولعلّه لذا أطلق الباقون.

أمّا المستثنى فقد يقضي عدم الاستثناء في كلام كثير من الأصحاب على ما في الذكرى بعدمه، لكن فيه أنّ النصوص صريحة في الاستثناء، منها مرسل الكليني السابق، ومنها قول الصادق في مرسل أحمد بن محمد «يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف والعمامة والكساء». ومنها المرسل الآخر: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكره السواد إلّا في ثلاثة: الخف والكساء والعمامة».

وكذا الفتاوى بالنسبة للخف والعمامة، بل عن «المعتبر» نسبة ذلك إلى الأصحاب، و «المنتهى» إلى علمائنا، ومنه يعلم حينئذ ما في اقتصاد المفيد وسلار وابن حمزة والشهيد في «الدروس» على استثناء العمامة، اللّهم إلّا أنّ يكون لعدم دخول الخف في المستثنى منه، لانّه ليس من الثياب.

لكن فيه أوّلًا انّ المحكي عن «المقنعة» عدم كون العمامة من الثياب أيضاً، كما عن جماعة من الأصحاب في بحث الحبوة.

وثانياً: بقاء المناقشة بالنسبة إلى الكساء، بل في «كشف اللثام» أنّه لم يستثنه أحد من الأصحاب إلّا ابن سعيد إلى أن قال: «وكأن إعراضهم جميعاً عنه لكونه من الثياب، مع إرسال أخبار الاستثناء، وعموم نحو قول أمير المؤمنين (عليه السلام)» مشيراً به إلى ما سمعت، قلت: قد يؤيده أيضاً خبر الممطر السابق بناء على أنّه من الأكسية، لكن فيه أنّا لم نجد الخف مستثنى إلّا مع الكساء، أمّا العمامة فقد يفهم استثناؤها من قول الباقر (عليه السلام) في خبر علي بن المغيرة «كأنّي بعبد الله بن شريك العامري‏[40] عليه عمامة سوداء ذوابتاها بين كتفيه مصعداً في لحف الجبل بين يدي قائمنا أهل البيت (عليهم السلام) في أربعة آلاف يكبرون ويكررون».[41] وخبر عبد الله بن سليمان المروي عن مكارم الأخلاق «انّ علي بن الحسين (عليهما السلام) دخل المسجد وعليه عمامة سوداء قد أرسل طرفيها بين كتفيه».

وخبر معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) المروي عن الكتاب المزبور أيضاً قال: «سمعته يقول: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحرم يوم دخل مكة وعليه عمامة سوداء وعليه السلاح».

لكن الظاهر أنّ مستند الأصحاب في الاستثناء غيرها، بل ليس هو إلّا تلك النصوص، وحينئذ يقوي الاعتماد عليها، خصوصاً مع ما قيل من استثناء جماعة له كالخلاف والبيان واللمعة والموجز الحاوي وكشف الالتباس وجامع المقاصد وفوائد الشرايع وحاشية الإرشاد وحاشية الميسي والروض والروضة والمسالك ومجمع البرهان والكفاية والمفاتيح، بل عن ظاهر الخلاف اندراج هذا الاستثناء في معقد إجماعه، ومن ذلك يعلم ما في قوله: إنّه لم يذكر إلّا ابن سعيد.

كما «يعلم الحال منه» فيما عساه أن يقال في المقام: «إنّ النصوص هنا جميعها لا تخلو من ضعف مانع عن الحجّية، إلّا أنّه لمّا علم التسامح في الكراهة وجب قبولها بالنسبة إليها بخلاف الاستثناء منها، فإنّه محتاج إلى دليل معتبر، والفرض عدمه، وليس دليل الكراهة منحصراً في المشتمل على الاستثناء حتى يلتزم قبوله في المستثني والمستثني منه، لكونه هو الذي بلغنا، بل قد سمعت نحو قول أمير المؤمنين (عليه السلام) الظاهر في العموم بلا استثناء «إذ

قد عرفت أوّلًا اعتضاد أخبار الاستثناء بما تقدّم ونحوه ممّا لا يخفى على الفقيه الماهر من القرائن الدالّة على اعتبارها وإن ضعفت أسانيدها، وثانياً يمكن أن يقال- بعد اشتراك جميع النصوص في الضعف مطلقها ومقيدها-: إنّه ما بلغنا إلّا المقيد، ضرورة تساوي المطلق والمقيد في غير جهة التقييد، فيحكم حينئذ عليه، ويتجه الاستثناء المزبور، فكان على المصنف وغيره ذكره، بل هو أولى من الخف الذي لا يحتاج إلى الاستثناء، لعدم اندراجه في الثياب، بل والعمامة في وجه، وربما يؤيد ذلك كلّه سيرة من شاهدناه من العلّماء على لبس العباءة السوداء وعدم اجتنابها ومعاملتها معاملة غيرها من الثياب، ولعلها من الكساء عندهم، كما عن الميسي وتلميذه التصريح به، بل في المسالك نسبته إلى الجوهري، بل قيل: وفي القاموس أنّ العباءة ضرب من الأكسية.

وكيف كان فالمدار في السواد على مسمّاه عرفاً من غير فرق بين المصبوغ وغيره، نعم يمكن عدم اندراج الأدكن فيه عرفاً، بل عن المجمع أنّه لون بين الغبرة والسواد، فلا حاجة حينئذ إلى حمل ما في خبر جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) «قتل الحسين بن علي (عليهما السلام) وعليه جبة خز دكناء»[42] على بيان الجواز ونفي التحريم، لكن عن المسالك «تكره الصلاة في غير السواد من الألوان» وهو- مع أنّه لاصراحة في الخبر المزبور أنّه كان يلبسها وقت الصلاة- لم نقف على دليل له في ذلك، واستفاضة النصوص بلبس الأبيض لا تقتضي كراهة غيره، وكان ما عن الميسي- من أنّ الصلاة في غير السواد من الألوان أيضاً على خلاف الأصل، لأنّ الأصل البياض- يريد به ما ذكرنا.

بل ولم نقف على ما يدلّ على ما عن الغنية من كراهة الصلاة في الثوب المصبوغ، وأشدّه الأسود، وإن قيل: إنّ ظاهره الإجماع عليه.

أمّا ما عن السائر- من الكراهة في الثواب المشبع الصبغ، وكأنّه بمعني ما عن الكاتب والمبسوط من الكراهة في الثوب المصبوغ المشبع المفدم «[43] بناء علي إرادة الأعم من الأحمر من المفدم فيه». فعن الجوهري يقال: صبغ أي خاثر مشبع، وكأنّ من خصّ الكراهة بالأحمر حمل المفدم- بكسر الدال- على المصبوغ بالحمرة المشبع كما عن الجوهري أيضاً، ولعل التعميم أكثر فائدة وأقرب إلى العرف، بل المغروس في الذهن منه المشبع الشديد.

 

أمّا المزعفر[44] والمعصفر[45] فقد نص على كراهة الصلاة فيهما في المحكي عن المعتبر والمنتهي ونهاية الأحكام والتحرير والتذكرة والذكرى والموجز الحاوي وكشف الالتباس، ولعلّه للمرسل عن يزيد بن خليفة عن أبي عبد الله (عليه السلام) «انّه كره الصلاة في المشبع بالعصفر والمضرج بالزعفران»[46] إلّا أنّه كان عليهم التعبير بمضمون الخبر المزبور، والأمر سهل في ذلك كلّه بعد التسامح، هذا.

وعن غير واحد من كتب الأصحاب التصريح باختصاص كراهة السواد في الرجل، ولعلّه لأنّه أبلغ من غيره في سترها، وظهور فحوي استثناء العمامة ونحوها فيه، إلّا أنّه كما ترى مناف لقاعدة الاشتراك وظاهر التعليل السابق، والله أعلم.[47]

وقال الطباطبائي اليزدي في «العروة الوثقى»:

(10 فصل فيما يكره من اللباس حال الصلاة) وهي أُمور: أحدها الثوب الأسود حتى للنساء، عدا الخف والعمامة والكساء، ومنه العباء والمشبع منه أشد كراهة، وكذا المصبوغ بالزعفران أوالعصفر، بل الأولى اجتناب مطلق المصبوغ.[48]

6- كلمات فقهاء المذاهب الأُخرى‏

تناول علماء المذاهب الأُخرى هذه المسألة في صحاحهم وسننهم المعتبرة نأتي بنماذج منها:

قال البيهقي في «السنن الكبرى»:

(أخبرنا) أبو زكريا يحيى بن إبراهيم قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، ثنا الشافعي، أنبأ يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (رضي الله عنه) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من خير ثيابكم البياض فليلبسها أحياؤكم، وكفّنوا فيها موتاكم.

 (وحدثنا) أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي، أنبأ بشر بن أحمد الاسفرائني، ثنا داود بن الحسين، ثنا يحيى بن يحيى، أنبأ بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، فذكره بنحوه إلّا أنّه قال: البسوا من ثيابكم البياض فإنّها من خير ثيابكم.[49]

وقال أبو داود في سننه:

حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا همام، عن قتادة، عن مطرف، عن عائشة- رضى الله عنها-، قالت: صنعت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بردة سوداء فلبسها، فلمّا عرق فيها وجد ريح الصوف فقذفها، قال: وأحسبه قال: وكان تعجبه الريح الطيبة.[50]

ونقل الترمذي في سننه:

حدّثنا أحمد بن منبع، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، أخبرني أبي، عن مصعب بن شبية، عن صفية ابنة شبية، عن عائشة قالت: «خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود».

هذا حديث حسن وصحيح غريب.[51]

7- نتيجة البحث جواز لبس السواد في عزاء سيد الشهداء (عليه السلام).

في ختام البحث نأتي بالروايات التي تدلّ على جواز لبس السواد.

قال الحر العاملي في «وسائل الشيعة»:

وعن الحسن بن ظريف بن ناصح، عن أبيه، عن الحسين بن زيد، عن عمر بن علي بن الحسين قال: لمّا قتل الحسين بن علي (عليه السلام) لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنّ لا يشتكين من حر ولا برد، وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم.[52]

وقال المجلسي في «بحار الأنوار»:

وفي رواية أُخرى ... قال: فلمّا أصبح استدعى بحرم رسول الله فقال لهنّ: أيما أحب إليكن: المقام عندي أو الرجوع إلى المدينة، ولكم الجائزة السنية؟ قالوا: نحب أوّلًا أن ننوح‏

 

على الحسين، قال: افعلوا ما بدالكم. ثم أُخليت لهنّ الحجر والبيوت في دمشق، ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلّا ولبست السواد على الحسين، وندبوه على ما نقل سبعة أيام، فلمّا كان اليوم الثامن دعاهن يزيد، وعرض عليهن المقام فأبين وأرادوا الرجوع إلى المدينة، فأحضر لهن المحامل وزينها وأمر بالأنطاع الإبريسم.[53]

وقال صاحب «وفيات الأئمة»:

ثم رجع الحسن والحسين (عليه السلام) وأخوتهما من دفنه، وقعد في بيته ولم يخرج ذلك اليوم، ثم خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس، فقال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد توفّى وانتقل إلى جوار الله وقد ترك بعده خلفاً، فإن أحببتم خرج إليكم وإن كرهتم فلا أحد على أحد فبكى الناس وضجّوا بالبكاء والنحيب، فقالوا: بل يخرج الينا، فخرج إليهم الحسن وعليه ثياب سود وهو يبكي لفقد أبيه، فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه وذكر النبي فصلي عليه، ثم قال: «أيّها الناس اتقوا الله فإنّا أُمراء كم وساداتكم وأهل البيت الذين قال الله فيهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[54] أيّها الناس لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون ولا يلحقه الآخرون، لقد كان يجاهد مع رسول الله فيفديه بنفسه، لقد كان يوجهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، فلا يرجع حتّى يفتح الله عليه، ولقد توفّي هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى ابن مريم، والتي توفّى فيها يوشع بن نون، وما خلف صفراء، ولا بيضاء إلّا سبعمائة دينار فضلت من عطاياه، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله. (2)

ونقل الشيخ عباس القمي في «الكنى والألقاب»:

حكي عن تاريخ ابن كثير أنّه قال: في سنة 352 أمر معز الدولة أحمد بن بويه‏[55] في بغداد في العشر الأُول من المحرم بإغلاق جميع أسواق بغداد، وأن يلبس السواد ويقيموا

مراسم العزاء، وحيث لم تكن هذه العادة مرسومة في البلاد لهذا رآه علماء أهل السنّة بدعة كبيرة، وحيث لم يكن لهم يد على معز الدولة لم يقدورا إلّا على التسليم، وبعد هذا في كلّ سنة إلى انقراض دولة الديالمة الشيعة في العشرة الأُولى من المحرم من كلّ سنة يقيمون مراسم العزاء في كل البلاد، وكان هذا في بغداد إلى أوائل سلطنة السلطان طغرل السلجوقي. انتهى.[56]

 

 

 

[1] ( 1). الوسائل: ج 1 ص 60، الباب 18 من أبواب العبادات، ح 4.

[2] ( 2). ذكر الشيخ الصدوق في خصاله في حديث الأربعمائة عن أمير المؤمنين( عليه السلام) أنّه قال: إن الله تبارك وتعال اطّلع إلى الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعة ينصروننا، ويفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أُولئك منا وإلينا. الخصال: 2/ 625؛ بحار الأنوار: 44/ 287 ح 26.

[3] ( 1). جمع قلنسوة وهو نوع من ملابس الرأس وهي على هيئات متعدّدة.

[4] ( 2). الحج: 39.

[5] ( 3). مناقب آل أبي طالب: 3/ 86.

[6] ( 4). الأنقاس: جمع نقس- بالكسر- المداد أو الحبر الذي يكتب به.

[7] ( 5). مقاتل الطالبيين: 212.

[8] ( 6). مقاتل الطالبيين: 393.

[9] ( 1). المصدر نفسه: 407.

[10] ( 2). البداية والنهاية: 10/ 127.

[11] ( 3). هو أبو الطيب أو أبو طلحة طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن ماهان الملقّب ب-« ذو اليمنين» والي خراسان، كان من أكبر قوّاد المأمون والمخلصين في تثبيت دولته في محاربة أخيه الأمين محمد بن زبيدة ببغداد.

كان جده زريق بن ماهان أو باذان مجوسياً، فأسلم على يد طلحة الطلحات الخزاعي المشهور بالكرم والي سجستان، وكان مولاه ولذلك اشتهر بالطاهر الخزاعي.

وبنو طاهر ينسب إليهم التشيع. رسالة في آل أعين: 12؛ مستدركات علم رجال الحديث: 289 برقم 8198؛ سير أعلام النبلاء: 10/ 108 برقم 7.

[12] ( 1). البداية والنهاية: 10/ 269- 273. وذكر شبيهاً لما تقدم اليعقوبي في تاريخه: 2/ 448، 453، والمسعودي في التنبيه والأشراف: 302.

[13] ( 2). وسائل الشيعة: 3/ 355، الحديث 2.

[14] ( 3). وسائل الشيعة: 3/ 378- 379، الحديث 9 و 10.

[15] ( 4). المصدر نفسه.

[16] ( 5). الكافي: 6/ 449، باب لبس السواد، الحديث 1.

[17] ( 1). الكافي: 6/ 449، باب لبس السواد، الحديث 2.

[18] ( 2). الكافي: 6/ 449، باب لبس السواد، الحديث 3.

[19] ( 3). الكافي: 3/ 403.

[20] ( 4). علل الشرائع: 2/ 37، الحديث 4.

[21] ( 1). علل الشرائع: 2/ 37، الحديث 5 و 6.

[22] ( 2). المصدر نفسه.

[23] ( 3). وسائل الشيعة: 2/ 379، الحديث 9.

[24] ( 1). المقنع: 194؛ الوسائل: الباب 16، كتاب الصلوة، ح 1.

[25] ( 2). المقنعة: 150.

[26] ( 1). الكافي في الفقه: 140.

[27] ( 2). النهاية: 97.

[28] ( 3). الخلاف: 1/ 175، المسألة 247.

[29] ( 4). الخلاف: 1/ 392، المسألة 80.

[30] ( 5). المعتبر: 2/ 94.

[31] ( 1). تذكرة الفقهاء: 1/ 99.

[32] ( 2). الذكرى: 147.

[33] ( 3). جامع المقاصد: 2/ 438.

[34] ( 1). مجمع الفائدة والبرهان: 2/ 87.

[35] ( 2). المسوح: كساء من شعر، وهو ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشّفاً وقهراً للجسد.

[36] ( 3). الحدائق الناضرة: 4/ 160.

[37] ( 1). عيون أخبار الرضا: 1/ 26، الحديث 51.

[38] ( 1). الحدائق الناضرة: 7/ 116- 118.

[39] ( 1). من لا يحضره الفقيه: 1/ 252 برقم 769.

[40] ( 1). عبد الله بن شريك العامري يكنى أبا المحجل، روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر( عليهما السلام) وكان عندهما وحبهاً مقدماً، وروى الكشي مدحه وأنّه من أهل الرجعة. وسائل الشيعة: 30/ 410، الفائدة الثانية عشرة.

[41] ( 2). بحار الأنوار: 53/ 76 ح 81.

[42] ( 1). الكافي: 6/ 452 ح 9، باب لبس الوشي.

[43] ( 2). الكافي: 3/ 402 ح 22، باب اللباس الذي تكره الصلاة فيه.

[44] ( 1). المزعفر: المصبوغ بالزعفران.

[45] ( 2). المعصفر: المصبوغ باللون الأصفر المأخوذ من العصفر وهو نبات اصفر معروف.

[46] ( 3). تهذيب الأحكام: 2/ 373 ح 550، باب ما يجوز الصلاة فيه.

[47] ( 4). جواهر الكلام: 8/ 230- 235.

[48] ( 5). العروة الوثقى: 1/ 572.

[49] ( 1). سنن البيهقي: 5/ 33.

[50] ( 2). سنن أبي داود: 2/ 264 برقم 4074، الباب 21 في السواد.

[51] ( 3). سنن الترمذي: 4/ 204 برقم 2966، الباب 82 ما جاء في الثوب الاسود.

[52] ( 4). وسائل الشيعة: 2/ 357، الحديث 10، نقلًا عن المحاسن للبرقي: 2/ 420، الحديث 195.

[53] ( 1). بحار الأنوار: 45/ 195- 197. والأنطاع جمع نطع وهو بساط من جلد.

[54] ( 2). الأحزاب: 2. 33. وفيات الأئمة: 85.

[55] ( 3). هو أبو الحسن أحمد بن بويه بن فنا خسرو بن تمام من سلالة سابور ذي الأكتاف الساساني، وكان من ملوك بني بويه في العراق فقد استولى على بغداد سنة 334 ه- وبايع المستكفي بالله وخلع الخليفة عليه ولقبه ذلك اليوم بمعز الدولة ولقب أخويه بعماد الدولة وركن الدولة، وأمرأن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم، وفي أيامه قويت شوكة آل بويه وهو أوّل من أمر الناس بإقامة المآتم للحسين( عليه السلام) في العشرة الأُولى من المحرم واستمرت عليها الشيعة إلى اليوم. توفّي ببغداد سنة 356 ه- ودفن في مقابر قريش. الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم: 3/ 96.

[56] ( 1). الكنى والألقاب: 2/ 471.

دفع شبهات الوهابية حول واقعة غدير خم / القسم الثاني

 

 

إيمان المسلمين قبل واقعة الغدير و بعدها

س2: من المعروف أن بعض المسلمين قد زاروا النبي صلى الله عليه واله في حياته ، ورأوه لمرة واحدة ثم رجعوا إلى بلدانهم ،  ومن الواضح فهم لا يملكون أية فكرة عن موضوع ولاية علي و أولاده إطلاقا . خصوصا و أن الشيعة تدّعي أن النبي صلى الله عليه و اله قد أوصى لعلي بالخلافة في أوائل الدعوة الاسلامية في مكة ، فهل معنى ذلك أن إسلام هؤلاء المسلمين ناقص ؟

ج: لا شك أن أحكام الاسلام قد بيّنت للناس بالتدريج ، و لاشك أن اسلام من آمن في مكة يختلف و يزيد كثيرا على إسلام من آمن بعد إنزال آية : «اليوم أكملت لكم دينكم» .

لكن في نفس الوقت كل منهما مسلم ؛ و لا نقصان ولا خلل في إيمان مسلم بداية البعثة . إلا أن من بقي حتى نزول آية إكمال الدين ولكن إكتفى بإيمانه الأول أي إيمان بداية الدعوة ؛ و لم يؤمن بباقي أحكام الدين فإسلامه ناقص بلا شك .

هذا السؤال ساذج جدا ؛ فإن كنت أيها السائل من أهل العلم لما سألت مثل هذا السؤال !

كان الأجدر بك أن تسأل حول هذا الموضوع المهم الذي أنيط به إكمال الدين و إتمام النعمة في الآية الكريمة ؛ فما هو يا ترى ؟! هل هو مجرد إبراز الحب والمودّة لشخص ما ؛ فإن كان كذلك ، فهل يتطلب كل هذا الاهتمام و الاستعداد ، و تحشييد كل المسلمين وتأخيرهم عن الرجوع إلى بلدانهم المختلفة بعد الفراغ من الحج ، في ذلك الجو القائض ، مضافا إلى نزول الوحي بذلك ؟!

 

 

 

المصدر: كتاب: " الصراط المستقيم" لآية الله العظمى الشيخ الصافي الگلبایگاني دام ظله

 

مناقب و مدائح أمير المؤمنين عليه السلام في كلام المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي مد ظله

نبارك للأمة الاسلامية و خصوصا شيعة أمير الامؤمنين عليه السلام حلول عيد الغدير عيد ولاية أمير المؤمنين عليه السلام

 

مناقب و مدائح أمير المؤمنين عليه السلام  في كلام المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي مد ظله

مختار من مقدمة كتابه : " قبس من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام"

 

 

وماذا يقول الناس في مدح من أتت‏

مدائحه الغراء في محكم الذكر

 

لا يخفى: أنّ سكوت الفصحاء والبلغاء، والعلماء والحكماء، والعرفاء والأولياء أمام مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أخ الرسول وزوج البتول، أعلم الناس وأعرفهم باللَّه وأعبدهم له بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، أبلغ من أن يمدحوه بما وصلوا إليه من معرفة فضائله، ومراتبه الرفيعة، ومقاماته العلية، ومشاهده الجلية الجليلة، ومعجزاته الظاهرة الباهرة، وعجائب أمره.

فالاعتراف بالعجز في حظيرة قدسه ومشهد عظمته أولى لكل أحد، وهو كما خاطبه النبيّ صلى الله عليه و آله في حقّه حقّاً: «لو أنّ الإنس كتّاب والجن حسّاب ما أحصوا فضائلك»، وهو الذي جعل اللَّه له فضائل لا يحصى عددها غيره والذي خاطب اللَّه تعالى نبيّه ليلة المعراج بلغته.

وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و آله فيه: لقد كان لعلي من السوابق ما لو أنّ سابقة منها بين الخلائق لوسعتهم خيراً[1].

ولقد كان- عليه أفضل الصلاة والسلام- أعظم آية اللَّه تعالى ولعلمه وقدرته وسائر صفاته العليا. وليس له بديل ولا شبيه يعادله في عالم الإمكان إلّاابن عمه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الذي كان له صلى الله عليه و آله ظهير بلا نظير.

ولقد كان عظيماً في بطولاته وتضحياته، عظيماً في نصرة الحق وإقامة العدل، عظيماً في إعلاء كلمة اللَّه، عظيماً في رحمته للضعفاء ومواساته للفقراء، عظيماً في خوفه من اللَّه تعالى، وفي فصاحته وبلاغته، ومأكله وملبسه ومشربه، وفي كل أحواله وأفعاله.

فتعالى اللَّه العليّ العظيم خالق هذا الإنسان ومودع هذه العظمات والكمالات فيه، وتبارك اللَّه المتصاغر لعظمته هذا الإنسان والمتذلل لجلاله وجبروته وسلطانه، والخائف من كبريائه، والمعترف عنده بعجزه وفقره إليه، وهو الذي قال: إلهي كفى لي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى لي فخراً أن تكون لي ربّاً.

فهو الممسوس في ذات اللَّه، والبكّاء من خشية اللَّه، والمجاهد في سبيل اللَّه، وهو الصراط المستقيم، والعروة الوثقى وحبل اللَّه المتين، وميزان الأعمال، وقسيم الجنة والنار، ويداللَّه الباسطة، وعينه الناظرة، وحجته البالغة.

ويعجبني هنا نقل كلام الشارح المعتزلي، إذا قال- في شرح قوله عليه السلام في كتاب له إلى معاوية «فإنّا صنائع ربّنا والناس‏ بعدُ صنائع لنا»[2]-:

«هذا كلام عظيم عالٍ على الكلام، ومعناه عالٍ على المعاني.  وصنيعةُ الملِك من يصطنِعُه الملك ويرفع قدره. يقول: ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل اللَّه تعالى هو الذي أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنائعنا، فنحن الواسطة بينهم وبين اللَّه تعالى،..»[3] انتهى.

ونرى من جانب آخر صاحب هذه المفاخر العظيمة يتململ من خوفه تعالى كتململ السليم، وكان كما وصفه بعض أصحابه غزير الدمعة طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلى، ويقلب كفيه على ما مضى ويبكي ويقول: «آه من قلة الزاد وبعد السفر وقلة الأنيس، ما لعليّ ونعيم يفنى ولذة لا تبقى. ويقول: ألا وإنّ إمامَكم قد اكتفى من دنياه بطمرَيْه، ومن طُعْمِه بِقُرصَيه ... فواللَّه ما كنزْتُ من دنياكم تِبْراً ولا ادَّخرت من غَنائمها وَفْراً ولا أعددتُ لِبالي ثَوْبي طِمْراً»[4].

فماذا نقول عن نفس الرسول الذي قال صلى الله عليه و آله في حقه: إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلّا أنّك لست بنبيّ. فما نحن والكلام عن أمير المؤمنين ومولى الموحدين عليه السلام إلّا كالقطرة في جنب البحر والذرة في جنب الشمس، فعقول العالمين ولسان المادحين أقصر من أن ينال حق هذا الإمام عليه السلام.

لكنني كنت من أوّل ما عرفت نفسي مولعاً بذكره عليه السلام وأولاده الأئمة الكرام عليهم السلام، وكان يزيد ذلك في نفسي بمرور الأيام والأعوام ويزيد شوقى وينفتح قلبي بقراءة أحاديثهم وآثارهم وسماع مناقبهم ومدايحهم، وكأنّ القائل قال هذين البيتين بلسان حالي:

حبُّ آل الرسول خالط عظمي‏

وجرى في مفاصلي فاعذروني‏

أنا واللَّه مغرم بهواهم‏

عللوني بذكرهم عللوني‏

لا عذب اللَّه أمّي أنّها شربت‏

حب الوصي وغذتنيه باللبن‏

وكان لي والد يهوى أبا حسن‏

فصرت من ذي وذا أهوى أبا حسن‏

 

وقد استخرجت في هذا الكتاب مأة وعشرة[5] أحاديث في مناقبه عليه السلام من جوامع الحديث من مسانيد وصحاح وغيرهما من كتب العامة وسميته بـ «قبس من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام».

ولا يخفى: أنّ الأحاديث الواردة في كتب العامة بشأن أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة جدّاً، غير أنّي اقتصرت على هذا العدد روماً للاختصار ورجاءً لما يقال: ربما مختصر قصير متواضع يفيد المنصف البصير ويغنيه عن الرجوع إلى موسوعات كبيرة ومجلدات كثيرة إن شاء اللَّه تعالى. وهو الموفق والمعين، والحمد للَّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه، وصلّى اللَّه على سيد الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد وآله الطاهرين.

وأود أن أختم المقدمة بمسك الصلوات على محمّد وآله بالأبيات التالية:

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

أزكى الصلاة وخيرها والأطيبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما اهتزت الأثلاث من نفس الصبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما لاح برق في الأباطح أوخبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما قال ذو كرم لضيف مرحبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما أمت الزوار طيبة يثربا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما غردت في الإيك ساجعة الربا

 

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

ما كوكب في الجو قابل كوكبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

سفن النجاة الغر أصحاب العبا

يا ربّ صل على النبيّ وآله‏

في الحشر إذ يتساءلون عن النبا[6]

 

 

 

[1] ( 1) اسد الغابة 4: 23.

[2] ( 1) نهج البلاغة، كتاب 28.

[3] ( 2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15: 194.

[4] ( 3) نهج البلاغة، كتاب 45.

[5] ( 1) وهو العدد المعادل لاسمه الشريف( علي) عليه السلام حسب الحروف الأبجدية. وإن كان بعد تجديد الرجوع إليه وبما اضيف إليه في ذيل كل حديث صار أكثر من ذلك بكثير، والحمد للَّه.

[6] ( 1) رشفة الصادي في بحر فضائل بني النبيّ الهادي، لأبكر الحضرمي، ص 75.

دفع شبهات الوهابية حول واقعة غدير خم / القسم الأول

س1: تقول الشيعة أن الآلاف من الصحابة قد حضروا واقعة  غدير خم في حجة الوداع ، و الكل قد سمع النبي صلى الله عليه و آله و هو يعيّن عليا خليفة للمسلمين من بعد وفاته ، إن كان الأمر كما تقول الشيعة فلماذا لم يأت أحد من هؤلاء الألوف من الصحابة ليعترض على غصب الخلافة من علي ؟

ج: لا يصلح هذا الادعاء لنفي واقعة الغدير ؛ من أين لك أن تقول: لم يأت أحد منهم للاعتراض ، وكيف يصحّ منك أن تدّعي أن أحدا لم يعترض على الرغم من تلك الظروف العصيبة ، أيام تلك الفتنة ، بل حدث ذلك ، وقد اعترضوا جزما ، لكن كان على مستوى الادنة والشجب ، و إظهار السخط  فقط .

لم ينقل علماء أهل السنة تفاصيل تلك الفتنة ، ولم يدوّنوا حقيقة ما حلّ بالأمة جرّاء ذلك . بل تجد في التاريخ جوانب مجملة من تلك الأحداث . و لعل أكثر الصحابة قد اتخذوا موقفا يماثل موقف أمير المؤمنين علي عليه السلام . لعل السر في ذلك أن  أمير المؤمنين علي عليه السلام كان على رأس المعارضين ـ و كل من كان يعارض كان يرى أن  أمير المؤمنين علي عليه السلام هو الخليفة الشرعي لرسول الله صلى الله عليه و آله ـ و يعلم المعارضون أن الامام علي عليه السلام لم ينو محاربة الغاصبين ، ولم  ينحو تجاه المعارضة المسلحة القتالية ، لذا تابع هؤلاء الصحابة المعارضون الامام علي عليه السلام في موقفه ذلك {المعارضة السلمية}، ولم يقاتلوا السلطة ، و كانوا يرون متابعة موقف علي عليه السلام في عدم القتال عذرا لهم .  والكثير  من الآخرين ايضا ممن لم يخوضوا في هذه المسألة {محاربة السلطة} إما لأنهم ليسوا مهتمين للأمر ، أو لأنهم مهتمين ، لكن كانوا يطلبون العافية . هذا كله إلى جانب المخطط الواسع الذي دُبّر ضد الخليفة المنصوص ؛ و أدّى إلى مباغتة الجمهور ، لقد أخذوا  الناس على غفلة ، وكان أشبه بالانقلاب .

مضافا إلى أن الكثير من كبار علمائكم و علماء أهل السنة قد اعترفوا بواقعة الغدير العظيمة التي أعلن فيها النبي صلى الله عليه و آله ولاية علي عليه السلام وخلافته على الأمة ؛ نظرا لتواترها ، وكثرة نقلها ، ولا يمكن لأحد أن ينكر هذا اليوم التاريخي في الاسلام .[1]

 

 

 

 

[1] . راجع مثلا: أحمد بن حنبل ، المسند ، ج4 ، ص 281 ، 372 ، النسائي ، خصائص أمير المؤمنين ، ص 93 ـ ص 96 ، النسائي ، السنن الكبرى ، ج 5 ، ص 45 ، الحاكم النيشابوري ، المستدرك ، ج 3 ، ص 109 . و غيرهم .

 


المصدر: كتاب: " الصراط المستقيم" لآية الله العظمى الشيخ الصافي الگلبایگاني دام ظله

النبي صلى الله عليه واله يبشّر جابر بن عبد الله الأنصاري بلقاء الامام الباقر عليه السلام

نعزي الامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف و العالم الاسلامي و خصوصا أتباع أهل البيت عليهم السلام بذكرى شهادة الامام الباقر عليه السلام

 

 

ورد في روايات عديدة بشارة النبي صلى الله عليه و اله بحفيده الباقر الامام محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام ، و حديثه عن علمه و نشر الرسالة و حفظها من بعده من تلك الروايات ما نقله المرجع الديني الصافي اتلکلبایگانی  في كتابه بالفارسية " سلسله مباحث امامت و مهدويت " ج4، ص229ـ ص230

، و نضيف إليه بعض ما أورده في البحار من ذلك .

1ـ عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذات يوم لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف في التوراة بالباقر فإذا لقيته فاقرأه مني السلام فدخل جابر إلى علي بن الحسين عليه السلام فوجد محمد بن علي عليه السلام عنده غلاما فقال له: يا غلام أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر.
فقال جابر: شمايل رسول الله صلى الله عليه وآله ورب الكعبة، ثم أقبل على علي بن الحسين فقال له: من هذا؟ قال: هذا ابني وصاحب الامر بعدي: محمد الباقر، فقام جابر فوقع على قدميه يقبلهما ويقول: نفسي لنفسك الفداء يا ابن رسول الله، اقبل سلام أبيك، إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقرأ عليك السلام، قال: فدمعت عينا أبي جعفر عليه السلام ثم قال: يا جابر على أبي رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض وعليك يا جابر بما بلغت السلام.

2ـ وعن عمرو بن شمر قال: سألت جابر بن يزيد الجعفي فقلت له: ولم سمي الباقر باقرا؟ قال: لأنه بقر العلم بقرا أي شقه شقا، وأظهره إظهارا.
ولقد حدثني جابر بن عبد الله الأنصاري، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف في التوراة بباقر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام فلقيه جابر بن عبد الله الأنصاري في بعض سكك المدينة، فقال له: يا غلام من أنت؟ قال: أنا محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، قال له جابر: يا بني أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر فقال: شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله ورب الكعبة، ثم قال: يا بني رسول الله صلى الله عليه وآله يقرئك السلام، فقال: على رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض وعليك يا جابر بما بلغت السلام فقال له جابر: يا باقر! يا باقر! يا باقر! أنت الباقر حقا أنت الذي تبقر العلم بقرا، ثم كان جابر يأتيه فيجلس بين يديه فيعلمه، فربما غلط جابر فيما يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيرد عليه ويذكره، فيقبل ذلك منه ويرجع إلى قوله، وكان يقول: يا باقر يا باقر يا باقر أشهد بالله أنك قد أوتيت الحكم صبيا.

3ـ وروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن جابر بن عبد الله كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت فكان يقعد في مسجد الرسول معتجرا بعمامة، وكان يقول: يا باقر يا باقر، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا والله لا أهجر ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقرا فذلك الذي دعاني إلى ما أقول، قال: فبينما جابر ذات يوم يتردد في بعض طرق المدينة إذ مر محمد بن علي عليهما السلام فلما نظر إليه قال: يا غلام أقبل فأقبل فقال: أدبر فأدبر، فقال: شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله والذي نفس جابر بيده ما اسمك يا غلام؟ قال محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فقبل رأسه ثم قال: بأبي أنت وأمي، أبوك رسول الله يقرئك السلام فقال: وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله السلام فرجع محمد إلى أبيه وهو ذعر فأخبره بالخبر فقال: يا بني قد فعلها جابر؟ قال:
نعم، قال: يا بني الزم بيتك، فكان جابر يأتيه طرفي النهار فكان أهل المدينة يقولون: واعجبا لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار، وهو آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يلبث أن مضى علي بن الحسين، فكان محمد بن علي يأتيه على الكرامة لصحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله قال: فجلس الباقر يحدثهم عن الله فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا قط أجرأ من ذا، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أهل المدينة: ما رأينا قط أحدا أكذب من هذا يحدث عمن لم يره، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن جابر بن عبد الله فصدقوه، وكان والله جابر يأتيه فيتعلم منه.

 

 


 

المصدر: كتاب " سلسله مباحث امامت و مهدويت " ج4، ص229ـ ص230

الصفحات

اشترك ب RSS - مناسبت‌ها