بسم الله الرحمن الرحیم جناب مستطاب آیت الله آقای حاج سید جعفر سیدان دامت برکاته سلام علیکم کتاب شریف "معارف وحیانی" که مجموعه ای از درس ها و مقالات حضرتعالی است را مطالعه نموده؛ استفاده کرده و لذت بردم. الحق این کتاب، مانند سایر آثار علمی...
سه شنبه: 25/خرد/1400 (الثلاثاء: 5/ذو القعدة/1442)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على سيّد رسله أبي القاسم محمد وآله المطهّرين المعصومين.

من الآيات الّتي استدلّ بها على عصمة سيّدة نساء العالمين وسادتنا الأئمّة الهداة الميامين - عليهم أفضل صلاة المصلِّين - وطهارتهم عن كلّ رجس، آية التطهير.

قال الله تعالی:

(إنَّما يُريدُ اللّٰهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[1]

وجه الاستدلال بها - مضافاً إلى الأخبار الكثيرة الّتي أخرجها أعلام المحدِّثين وأكابر المفسّرين من العامّة والخاصّة في كتب الحديث والجوامع والمسانيد[2] وكتب التفسير[3] عن النبيّ‌ (ص) وأهل بيته وأصحابه - أنّ لفظة «إنّما» محقّقة لِما ثبت بعدها، نافية لِما لم يثبت.

 

والإرادة الّتي جاءت في الآية الكريمة هي الإرادة الحتمية والحقيقية الّتي يتبعها التطهير، دون ما يسمّونه بالإرادة التشريعية الّتي يتبعها الأمر أو النهي. وذلك لأنّه تعالى أراد التطهير عن الأرجاس عن جميع المكلّفين بالإرادة التشريعية، أي إنشاء البعث أو الزجر، وأمرهم بكلّ ما ينبغي أن يفعلوه، ونهاهم عن كلّ ما ينبغي أن يتركوه، والآية الكريمة تدلّ على اختصاص الإرادة المذكورة فيها بأهل البيت(عليهم‌السلام) دون غيرهم، و هي الإرادة الحتمية الحقيقية الّتي يتبعها التطهير لا محالة.

وأيضاً لاريب في أنّ هذا التعبير الصريح في اختصاصهم بهذه الإرادة، صريحٌ في المدح والتعظيم لأهل البيت (عليهم‌السلام)، وإذا كانت الإرادة غير حتمية فلا مدح لهم بها، ويختلّ نظام الكلام المنزّه عنه كلام العقلاء فضلا عن الله تعالى.

وعليه فلا مناص من القول بأنّ المراد منها هي الإرادة المستتبعة للتطهير وإذهاب الرجس؛ وبذلك تختصّ الآية بأهل البيت(عليهم‌السلام)؛ لأنّه لم يدّعِ ولم يقل أحدٌ بعصمة غيرهم، فيندفع توهّم شمول الآية لغير أهل البيت(عليهم‌السلام) ممّن ثبت عدم عصمتهـم كأزواج النبيّ‌ (ص).

وممّا يدلّ على أنّ الإرادة هي الإرادة الحقيقية، أنّ متعلّق الإرادة في الآية إذهاب الرجس عنهم الّذي هو فعل الله تعالى، والإرادة الّتي تتعلّق بفعله تعالى حتمية لاتتخلّف عن المراد، ففرق بين مايكون المراد فعله تعالى وبين مايكون فعل غيره المختار.

 

فإذا كان متعلّق الإرادة فعلَ الغير المختار، يصحّ أن تكون هي التشريعية، كما يجوز أن تكون التكوينية، وإن شئت قلت: الحقيقية، وإن كان الظاهر من موارد الاستعمالات بلا قرينة صارفة هو الاُولى، وإطلاق الإرادة التشريعية على إنشاء ما يصلح لأن يكون باعثاً أو زاجراً مجرّد الاصطلاح.

وإذا كان متعلّق الإرادة فعلَ الله تعالى أو صدور الفعل عن غيره المختار بدون اختياره، كانت الإرادة حتميةً لاتتخلّف عن المراد، وإلاّ لزم إسناد العجز إلى البارئ سبحانه وتعالى شأنه، المنزّه عن كلّ عجز ونقص، والمتعالي عن ذلك علوّاً كبيراً.

ولايخفى عليك أنّ في الآية ضروباً من التأكيد في المدح والتعظيم لأهل البيت(عليهم‌السلام)، كما يدلّ قوله: )تَطهيراً (أيضاً على عِظَم شأن هذا التطهير.

إن قلت: على هذا إذا كان إذهاب الرجس عنهم بفعل الله تعالى وإرادته الحقيقية لا التشريعية، كيف يوجّه مدحهم وتفضيلهم على غيرهم لأمر لم يكن من فعلهم، ولا باختيارهم؟

قلت: إنّ عنايات الله الخاصّة بل والعامّة لاتشمل إلاّ مَن له قابلية قبولها، وهو عزّوجلّ أعلم بمحالِّها ومواردها.

قال الله تعالى:

 

(وإن مِن شَيء إلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلاّ بِقَدَر مَعلُوم)[4]

وقال جلّ شأنه:

(اللّٰهُ أعلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ)[5]

وقال سبحانه وتعالى:

(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحمَةَ ربِّكَ نَحنُ قَسَمنَا بَينَهُم مَعِيشَتَهُم)[6]

وهذا كالتوفيق والخذلان فلايفوز بالتوفيق من الله - الّذي هو وليّ التوفيق - إلاّ مَن كانت له أهلية ذلك وكسبها بالاختيار، كما لايصيب الخذلان إلاّ مَن جعل نفسه في معرضه بالاختيار.

قال الله تعالى:

(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون)[7]

فهذه اُمور مرتبطة بالشؤون الربوبية، واستصلاح حال العباد وما

 

تقتضيه الحكمة الإلهية، وهو العالم بها وبمواردها، وهو الحكيم العليم الفيّاض الوهّاب الجواد الّذي لايبخل، ولا تنفد خزائنه، ولايمنع فيضه ممّن له أهلية ذلك.

ألا ترى اختلاف الناس في الاستعدادات والقوى النفسانية والجسمانية؟ فالله تعالى أعطى من أعطاه من قوّة الدرك والشعور بحكمته؛ و لأنّه أهل لقبول عطيّته وأخذ موهبته، ولم يَحرم مَن لم يُعطِهِ ذلك ولم يبخس حقّه، بل أعطاه بقدر استعداده وقدرته، وهو العالِم بذلك كلّه وهو الحكيم العليم، ونعم ماقاله الشاعر (بالفارسية):

آنکه هفت اِقليم عالم را نهاد
گربه مسكين اگر پر داشتى
گر بريزى آب را در كوزه‌اى
آب كم جو، تشنگى آور به‌دست

 

 

هركسى را آنچه لايق بود داد
تخم گنجشك از زمين برداشتى
چند گنجد؟ قسمت يك‌روزه‌اى
تا بجوشد آبت از بالا و پست

 

 

ثم إنّ بعض أهل الأهواء من المغترّين بالثقافة الغربية، ومن حذا حذوهم ممّن نعتوا أنفسهم بالثقافة والتنوّر الفكري - وما هم بذلك - زعم أنّ الإرادة لو كانت تشريعية، ليكون أهل العصمة وغيرهم سواءً لكان اجتنابهم عن المعاصي والقبائح باختيارهم لكانت أدلَّ على فضيلتهم وكمال نفوسهم من اجتنابهم عن المعصية بصفة أنّهم معصومون، وأنّ الله أراد عصمتهم عن المعاصي.

 

وبهذا البيان التافه أراد نفي العصمة، ونفي دلالة آية التطهير على عصمتهم، وإنكارها من الأصل.

والجواب عن هذا الزعم الفاسد: أنّه لا ملازمة بين العصمة وعدم الاختيار، ولامنافاة بينها وبين الاختيار، فإنّ الإرادة الحتمية والتكوينية تارةً تتعلّق بفعله، وما يصدر عنه بلاواسطة أمر بينه وبين المراد، وبعبارة اُخرى: تتعلّق بوقوع أمر بدون واسطة أمر آخر، سواء كان في خارج عالم الاختيار والأسباب والمسبّبات أو في عالم الاختيار والأسباب، فلاتتخلّف الإرادة عن المراد، حتى إذا كانت متعلّقة بأمر اختياري لولا هذه الإرادة، و بما له أسباب كثيرة؛ لأ نّه بعد ما أراد وقوعه مطلقاً بدون واسطة الأسباب واختيار فاعل مختار يقع لامحالة كما أراد.

وتارةً اُخرى تتعلّق بما يصدر عن العبد بالاختيار، أو بوقوع ما يكون له أسباب متعدّدة كذلك، أعني باختياره وبواسطة الأسباب، ففي مثله فإنّ حصول المراد وتحقّقه وعدم تخلّف الإرادة عن المراد إنّما يكون بصدوره عن العبد بالاختيار، وبكونه مسبّباً لهذه الأسباب، ففي هذه الصورة لاتنافي بين إرادته المتعلّقة بما يقع في عالم الاختيار والأسباب والمسبّبات، وتوسّط الوسائط والأسباب، بل لو وقع بغير اختيار العبد أو بتأثير الأسباب لكان من تخلّف المراد عن إرادته.

وبناءً على هذا نقول: إنّ قضيّة إذهاب الرجس عنهم(عليهم‌السلام)، وتعلّق إرادته

 

تعالى به الّتي لاتتخلّف عن مراده هي عصمتهم، وعدم صدور القبائح منهم، وطهارتهم عن الأرجاس حال كونهم مختارين في الفعل والترك، غير مقهورين، محفوفين بشواغل عالم الطبيعة، ممّا يدعو النفوس إلى الانصراف عن الملأ الأعلى، والاشتغال بذكر الله تعالى.

 

1. الأحزاب، 33.

[2]. ابن بابویه القمي، الامامة والتبصرة، ص47؛ الکلیني، الکافي، ج1، ص287 ـ 288، 423؛ النعماني، الغیبة، ص77؛ الخزاز القمي، کفایة الاثر، ص65 ـ 66؛ الحاکم النیسابوري، المستدرک، ج2، ص 416؛ ج3، ص 146؛ البیهقي، السنن الکبری، ج2، ص 150.

[3]. فرات الکوفي، تفسیر، 331 - 341؛ القمي، تفسیر، ج2، ص193؛ الطبري، جامع البیان، ج22، ص 9 - 12؛  الحاکم الحسکاني، شواهد التنزیل، ج2، ص26 - 140؛ السیوطي، الدر المنثور، ج5، ص198 - 199.

1. الحجر، 21.

2. الأنعام، 124.

3. الزخرف، 32.

4. الروم، 10.

نويسنده: