باسمه تعالی إنّا لِلهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُون رحلت فقیه عالی قدر آیت الله آقای حاج شیخ محمّد تقی شریعتمداری رضوان الله علیه موجب تأثّر و تأسّف گردید. شخصیت بزرگواری که سالیان متمادی به تدریس فقه آل محمد علیهم‌السّلام و ترویج اسلام و دفاع از...
سه شنبه: 25/خرد/1400 (الثلاثاء: 5/ذو القعدة/1442)

تحقيق دقيق:

ولنا تحقيق دقيق في سدّ ثغور دلالة هذه الآية على عصمة الأئمّة(عليهم‌السلام)، ألهمنا الله تعالى ببركة ما حقّقه الرجل الإلهيّ الفريد في عصره، الإمام في العلوم الإسلامية، سيّدنا الاُستاذ البروجردي - أعلى الله في الفردوس مقامه - في مباحثه في اُصول الفقه، في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، ورفع التنافي المتوّهم بينهما؛ تذكرةً ومماشاةً لمن يصرّ على كون الإرادة في الآية تشريعية.

فنقول مستمدّين العون من الله تعالى:

اعلم أنّ الإرادة التشريعية هي عبارة عن العلم بالشيء بأ نّه ينبغي أن يُفعل، أو لايفعل، وإنشاء الأمر والنهي، والطلب والزجر لكونهما صالحين أن يكونا داعيين للعبد إذا فعل ما اُمر به أوْ زاجراً له إن فعل ما نهي عنه.

وبعبارة اُخرى: هي إنشاء ما يصلح لأن يكون داعياً له إلى الفعل المأمور به، وزاجراً عن الفعل المنهيّ عنه؛ كي ينبعث نحو الفعل من ينبعث بأمره، وينتهي عن المنهيّ عنه من ينتهي عن نهيه، ويُتمّ الحجّة على غيره

 

ممّن يستخفّ بأمره، ولايعتني به.

وهذا قد يجتمع مع الطلب الحقيقي وإرادة الفعل من العبد جدّاً، وهي روح الحكم كما يمكن أن يفارقه، فإذا علم المولى من حال عبده أ نّه ينبعث بأمره، وينزجر بنهيه، وأنَّ أمره يدعوه إلى إطاعته وامتثاله، يريد منه بالإرادة الجدّية والطلب الحقيقي فعل ما أمره به، وترك ما نهاه عنه، فأمره ونهيه بالنسبة إلى هذا العبد يكون حقيقياً جدّياً.

وإذا علم من حاله أنّه لا يؤثّر فيه أمر المولى، و لا يحرّكه بشيء، ولا يصير داعياً له نحو الإطاعة والامتثال فلا يعقل أن يكون أمره ونهيه بالنسبة إلى هذا العبد حقيقياً، ولا يقترن مثل هذا الأمر والنهي بالإرادة الجدّية من الآمر والناهي.

فإنشاء الأمر والطلب في الصورة الاُولى كما يكون بالإرادة الحقيقية يكون حقيقياً مجامعاً مع الإرادة الجدّية، وفي الصورة الثانية يكون صورياً، ولإتمام الحجّة وقطع العذر.

وبالجملة: فلايعقل إرادة الانبعاث الجديّة والطلب الحقيقي ممّن يعلم أنّه لاينبعث بأمر المولى، فلايعقل أن يقول: «قم» أو «لاتزْنِ» أو «لاتشرب الخمر» وطلب القيام وترك الزنی وترك الخمر بالإرادة الجدّية ممّن يعلم أنّه لا ينبعث بهذا الأمر ولا يأتمر به، ولا ينزجر عن الزنی وشرب الخمر، ولا ينتهي بنهيه عنهما حتى لو كان المولى من الموالي العرفيّين، ولم يعلم ذلك

 

من العبد، واحتمل في حقّه تأثير أمره فيه وانبعاثه به، وتحريكه نحو الفعل، لا تتأتىّ منه الإرادة الجديّة بمجرّد ذلك الاحتمال، بل إنّما يأمر وينهى برجاء انبعاث عبده أو انتهائه.

والحاصل: أنّه لا يعقل تعلّق الإرادة الجدّية والطلب الحقيقي بصدور فعل عمّن يعلم المريد أنّه لا يفعله، والأمر أو النهي في هذه الصورة لايكون إلاّ صوريّاً. أي إنشاء الأمر لا لغاية الانبعاث، بل لإتمام الحجّة.

وما ذكرناه يستفاد من كثير من الآيات القرآنية الكريمة، كقوله تعالى:

(ليُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ القَولُ عَلَى الكَافرينَ)[1]

وقوله تعالى:

(إنّما تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَأجْر كَرِيم)[2]

وقوله تعالى جدّه:

(رُسُلا مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ لِئَلاّ يَكونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّٰهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللّٰهُ عزيزاً حكيماً)[3]

 

وقوله سبحانه:

(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَة وَيَحيى مَن حَيَّ عَن بَيّنَة)[4]

فإرادة قبول الإنذار من المنذر، والإنذار بقصد أن يُنذَر المنذَر لا يكون حقيقياً إلاّ إذا كان المنذَر ممّن اتّبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب، ويؤثّر فيه الإنذار.

أمّا من لم يؤثّر فيه ذلك، ولا يُنذَر بالإنذار فإنذاره ليس إلاّ صوريّاً ولرفع عذره؛ ولئلاّ يكون له على الله حجّة.

هذا، وإن شئت قلت: إنّ الإرادة التشريعية على ضربين:

ضرب منها ما يعلم المريد من حال المراد منه أنّه ينبعث نحو المأمور به بأمره، ويحرّكه ويصير داعياً له، فيطلب منه ذلك بالطلب الحقيقيّ والإرادة الجديّة.

وضرب منها ما يعلم المريد من حال المراد منه أنّه لا يتأثّر بأمره، فيحكم بأمره أو نهيه بما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل وينشئ ما يصلح أن يكون داعياً له، ولكن لا طلب له حقيقياً في هذه الصورة، ولا يريد انبعاث المأمور بهذا الأمر بالإرادة الجدّية، بل لا يصحّ إطلاق الطلب والإرادة على ذلك بنحو الحقيقة إلاّ مجازاً وبالتمحلّ، بخلاف الأوّل فإنّ إطلاق الطلب

 

والإرادة و أنّه مريد وطالب يكون على نحو الحقيقة.

وعلى هذا نقول: إنّ الإرادة المذكورة في الآية وإن كانت تشريعية إلاّ أنّها جدّية حقيقية من النوع الأوّل الّذي أراد الآمر والناهي بالإرادة الجدّية والطلب الحقيقي انبعاث المأمور، وأمره ونهيه يصدر عنه بداعي انبعاثه، وصراحة الآية في ذلك أنّ الإرادة المذكورة في الآية وفي كلّ مورد لم تكن قرينة على المجاز صريحة في الإرادة الجدّية الحقيقية.

وإن أبى المعاند عن كلّ ذلك أيضاً وقال: إنّ الإرادة التشريعية عامّة تشمل جميع المكلّفين المطيعين والعاصين على السواء.

قلنا: لا تنازع في الألفاظ والأسماء والاصطلاحات، وقد قيل من قديم: لامَشاحَّة في الاصطلاح، فعرِّفِ الإرادة التشريعية بما شئت، وقل: إنّ الإرادة التشريعية هي جعل ما يصلح لأن يكون داعياً للعبد أو زاجراً له، وإنشاء ما له قابلية الداعوية وبعث العبد نحو الفعل أو الترك.

إلاّ أنّك تعلم أنّ هذا مجرّد اصطلاح، ولا يحصر مفهوم الإرادة في ذلك، ولا يخرج عن مفهومها الحقيقي ولا ينفي ما هو واقع الأمر، وهو أنّ المولى إذا علم من حال عبده أنّه ينبعث بأمره ويتحرّك بتشريعاته يطلب منه ما أمره به بالطلب الحقيقي وبالإرادة الجدّية، وإذا علم من حاله أ نّه لا ينبعث بذلك ولا يؤثّر أمره ونهيه في تحريكه أو امتناعه لا يطلب منه بتشريعاته ما شرّعه بالطلب الحقيقي والإرادة الحقيقية، ولا يدعوه نحو فعل

 

ما أمره به بداعي أن يفعله، بل يدعوه بداعـي أن يُتمَّ عليه الحجّة، و هذا ما نسمّيه بالأمر الصوري، ومن راجع وجدانه يعرف منه ذلك.

فيصحّ أن نقول: إنّ إطلاق الإرادة على التشريعية إطلاق مجازي، بخلاف إطلاقه على الإرادة الجدّية فإنّه إطلاق حقيقي.

وبالجملة: فهل يمكنك إنكار الإرادة الجدّية بالمعنى الّذي تلوناه عليك ؟

وهل يمكنك أن تقول: إنّها تتعلّق بما لاتؤثّر الإرادة التشريعية في الانبعاث نحوه ؟

وهل يمكنك إنكار تعلّقها حقيقةً بالانبعاث، وبوقوع الفعل عن العبد إذا كان الأمر والطلب والإرادة التشريعية مؤثّراً في بعث العبد أو زجره ؟

وهل يمكنك أن تقول بعد ذلك بظهور الإرادة المذكورة في الآية في الإرادة التشريعية دون الإرادة الجدّية، مع عدم وجود قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، ووجود الشواهد في الكلام على أنّ المراد بالإرادة هي الجدّية ؟

وإن شئت فقل: إنّ الإرادة على قسمين: جدّية، وتشريعية.

فالتشريعية عبارة عن طلب التكاليف عن جميع المكلّفين على السواء بإنشاء ما يصلح أن يكون داعياً لهم، والحكم بما ينبغي أو يجب أن يفعل، أو لايفعل.

والجدّية على ضربين: تكوينية، وغير تكوينية.

فالتكوينية ما يتعلّق بكون شيء بدون واسطة فعل فاعل مختار.

 

وغير التكوينية ما يتعلّق بفعل فاعل مختار إذا علم من حاله تحريكه وانبعاثه بالطلب منه.

وبعد كلّ ذلك نقول: إنّ الله تعالى وإن قطع بالإرادة التشريعية عذر عباده، وأنشأ بأوامره ونواهيه ما يصلح أن يكون داعياً للجميع نحو الفعل المأمور به، أو زاجراً لهم عن الفعل المنهيّ عنه، وجعل الكلّ في ذلك سواء، إلاّ أنّ إرادته الحقيقية وطلبه الحقيقي تتعلّق بفعل مَن ينبعث عن أمره وينزجر عن نهيه، وأنّ المستفاد من الآية الشريفة أ نّه لعلمه بحال هذه الذوات المقدّسة، وأ نّهم (عبادٌ مُكرَمونَ * لايَسبِقُونَه بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمرِهِ يَعمَلُون)[5]، «وما يشاؤون إلاّ أن يشاء اللّٰه»[6] أراد بالإرادة الجديّة (لاالتكوينية) انبعاثهم نحو جميع الطاعات، وانزجارهم عن جميع المنهيّات، فأمرهم بما أمرهم، ونهاهم عمّا نهاهم لا لأن يكون هذا الأمر والنهي لقطع العذر وإتمام الحجّة عليهم، بل لانبعاثهم نحو ما اُمروا به، وانزجارهم عمّا نُهُوا عنه؛ وليكون باعثاً وداعياً لهم للامتثال، وتطهيراً لهم عن جميع الأرجاس، وقد أخبرَنا بذلك في هذه الآية الكريمة إعلاماً بجلالة قدرهم، وعلوّ شأنهم، وسموّ مقامهم، وكمال نفوسهم.

 

وعلى هذا دلّت الآية الشريفة على أنّ فيهم ملكة قبول كلّ ما أمر الله تعالى به ونهى عنه، والاهتداء بهدايته، ومن كان حاله هذا، يريد الله تعالى إذهاب الرجس عنه، ويوفّر له أسباب التوفيق، ويخصّه بعناياته الخاصّة، ويجعله تحت رعايته الكاملة، يلهمه كلّ خير، ويميّز له كلّ شرّ، لا يَدعُه في حال من الحالات، ولا في شأن من الشؤون، يختاره ويصطفيه من بين عباده، وهو القادر على ما يريد، وبكلّ شيء عليم، (لا يُسْئَل عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْألُونَ)[7].

لا يقال: إنّ ما ذكرتَ هو حاصل لغير هؤلاء الذوات الكريمة أيضاً من الّذين يخشون الرحمن بالغيب، ويتّبعون الذكر، ويقبلون المواعظ بحسب مراتبهم ودرجاتهم.

فإنّه يقال: نعم، ونحن نعرف كثيراً من الناس على بعض مراتب تلك الصفة السامية والملكة العالية القدسية، مطيعين لله خائفين منه، أهل الخضوع والخشوع وقيام الليل، معروفين بالعدالة والزهد، ولكن لانعرف على صفة العصمة المطلقة التامّة غير من شهد الله تعالى له بذلك؛ لأنّ صاحب ملكة العصمة المطلقة لا يُعرَف إلاّ من طريق الوحي، والارتباط بعالم القدس والملكوت الأعلى.

وقد عرّفَنا الله تعالى في هذه الآية أهل البيت(علیهم‌السلام)، وأخبرنا بطهارتهم عن

 

الأرجاس كلِّها، وعصمتهم - صلوات الله عليهم أجمعين - ورزقنا الله اتّباعهم والاقتداء بهم، وأماتنا بحبّهم وولايتهم، ولايفرّق بيننا وبينهم طرفة عين أبداً في الدنيا والآخرة، إنّه الكريم المتفضّل الوهّاب.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.

حرّره تراب أقدام محبّي أهل البيت(علیهم‌السلام)

   لطف الله الصافي الگلپايگاني

16 صفر الخير 1403 هـ     

 

 

 

 

1. يـس، 70.

2. يـس، 11.

3. النساء، 165.

1. الأنفال، 42 .

[5]. الانبیاء، 26 - 27.

[6]. الاشارة الی الآیة 29 من سورة التکویر )وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ(.

1. الأنبياء، 23.

نويسنده: 
کليد واژه: