حضرت صادق، امام راستین پیشوا و مقتدای اهل دین   درّ بحر اصطفا، شمس هُدا افتخار اصفیا و اولیا   کرد احیا، شرع جدّش ‌مصطفی داد رونق، رسم و آئین ولا   صیت فضلش عرصه‌ی غبرا گرفت نهضت او سر بسر دنیا گرفت  ...
دوشنبه: 31/خرد/1400 (الاثنين: 11/ذو القعدة/1442)

 

قد علمت ممّا سبق اشتراك جميع الفرق في اُصول العقائد، يعني بذلك الإيمان بالتوحيد، والنبوّة والبعث، والصلوات الخمس إلى القبلة، والحجّ، وصوم شهر رمضان، والزكاة، وغيرها من الاُمور الّتي اتّفقت الاُمّة في دخلها في الإيمان، وعدم حصول النجاة بدون الإيمان بها، وقد أعلن ذلك الصحاح الستّة وغيرها من كتب أهل السنّة، فدلّت رواياتهم على نجاة مَن آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وحجّ البيت، وصام شهر رمضان،([1]) بل في صحاحهم روايات كثيرة دلّت على نجاة مطلق الموحِّدين.

ففي صحيح البخاري، في كتاب الرقاق، عن أبي ذرّ قال: قال النبيّ(ص): «قَالَ ذَاكَ جِبْريلُ: أَتَاني فَقالَ: مَنْ مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لَا يُشْـرِكُ

 

بِالله شَيْئًا دَخَلَ الْـجَنَّةَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ:  «وَإِنْ زَنَى ، وَإِنْ سَرَقَ».([2])

وفيه عن أبي هريرة: أنّ أعرابيّاً أتى النبيّ(ص)، فقال: دُلَّني على عمل إذا عملته دخلت الجنّة، قال: «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقيمُ الصَّلَاةَ الْـمَكْتوُبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الـْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قال: والّذي نفسـي بيده لا أزيد على هذا، فلمّا ولّى قال النبيّ(ص): «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْـجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا».([3])

وفيه، في كتاب الرقاق، عن عتبان قال: قال رسول الله(ص): «لَنْ يُوَافِيَ عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغي بِهِ وَجْهَ الله، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ».([4])

وأخرج في اُسد الغابة، في ترجمة أبي سلمى راعي رسول الله(ص)، قال: سمعت النبيّ(ص) يقول: «مَنْ لَقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَآمَنَ بِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ، دَخَلَ الْـجَنَّةَ»، قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله(ص)؟ فأدخل إصبعيه في اُذُنيه، فقال:

 

سمعت هذا منه غير مرّة، ولا مرّتين ولا ثلاث، ولا أربع.([5])

وإن شئت أكثر من ذلك فراجع مصابيح السنّة للبغوي،([6]) وغيره من كتب الحديث.([7])

وهذه الأحاديث دالّة على نجاة الشيعة، وأنّهم من أهل الجنّة؛ لأنّهم يشهدون بجميع ما فيها من التوحيد والنبوّة والبعث والحساب، ويؤمنون بها، لا يشركون بالله شيئاً، يقيمون الصلاة، ويؤدّون الزكاة، ويصومون شهر رمضان، وشاركوا أهل السنّة فيما هو عندهم من ملاك الإيمان والنجاة.

وقد أفتى بهذه النصوص وإيمان المعتقدين بالاُصول المذكورة جماعة من علماء أهل السنّة، فراجع الفصول المهمّة إن شئت تفصيلاً شافياً في ذلك كلّه؛ حتى تعلم أنّ التقريب بين المذاهب والتفاهم بين الفرق أمر ممكن، وأنّ ما عليه الشيعة من ولاية أهل البيت والقول بإمامتهم والتبرّي من أعدائهم لا يمنع ذلك، ولا يخالف الاُصول الّتي بني عليها الإسلام، فإنّ غير ما تلونا عليك ممّا ذهب إليه أهل السنّة كلّهم أو

 

بعضهم، حتى تصويب ما صدر عن الشيخين وعدالة الصحابة ليس من اُصول الدين في شيء، ولا دخل لهذه الاُمور في الإيمان أو في كماله، لاسيّما إذا كان مَن يرى خلاف ذلك مجتهداً.

فمَن يأوّل رزيّة يوم الخميس ـ الّتي يقول عنها ابن عبّاس: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ ثمّ جعل تسيل دموعه على خدَّيه كأنّها نظام اللؤلؤ، ويعذر عمر بن الخطّاب وحزبه فيما قالوا لمّا قال رسول الله(ص): «اِئْتوُني بِدَوَاةٍ وَصَحيفَةٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً». فقال عمر وهو أوّل من منعه عن ذلك: إنّ النبيّ غلبه الوجع، وفي بعض طرقه: فقالوا: هجر رسول الله(ص)، وفي بعضه الآخر: قالوا: إنّ رسول الله يهجر،([8])وعن أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ في كتاب السقيفة،([9]) فقال عمر كلمة معناها: أنّ الوجع قد غلب على رسول الله(ص) ـ كيف لا يأوّل قدح مَن يقدح في عدالة صحابيّ اجتهاداً، ولا يقرّ خلافة الشيخين كما لم يقرّها فاطمة وعليّ وغيرهما من بني هاشم، والصحابة

 

الّذين امتنعوا عن البيعة؟!

ومن تأمّل في ألفاظ هذا الخبر يعلم أنّ عمر بن الخطّاب هو أوّل من تكلّم بأنّه(ص) يهجر ـ نعوذ بالله ـ ، وإن قاله غيره أيضاً قاله متابعةً له، والتعبير بأنّه قد غلبه الوجع من النقل بالمعنى لا باللفظ تأدّباً وتحرّزاً عن نقل تلك الكلمة، ولو سُلِّم أنّه لم يزد على قوله: إنّ النبيّ غلبه الوجع! أفليس معناه أنّه(ص) يهجر أو يغلط؟!

أليس هذا ردَّ أمر رسول الله(ص) ومعارضةً صريحة؟! أترى في هذا الكلام دلالةً على غلبة الوجع وعدم الاعتداد بكلام المتكلّم به لو صدر مثله عن مريض يجوز أن يقال مثل هذا فيه؟

بالله يا أخي تأمَّل في مغزى هذه الحادثة.

فليس لأحد من الصحابة ـ كائناً من كان ـ ردّ قول النبيّ(ص)، لاسيّما وهو يريد كتابة وصيّة لن تضلّ الاُمّة بعدها أبداً.

وما معنى الاجتهاد قبال الأمر الصريح الصادر عن النبيّ الّذي قال الله تعالى فيه: ﴿مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَمَا غَوى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.([10])

 

وقال: ﴿مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذوُهُ وَمَا نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.([11])

فانظر بعين الإنصاف تأوّلات القوم في هذه الرزيّة، فهذه حاشية السندي على صحيح البخاري، باب كتابة العلم، فاقرأ فيها تأوّلاتهم فيها حتى تعرف أنّهم لم يأتوا في هذا الباب بشيء تسكن عنده النفس، ويقبله المنصف.

فالّذي لا يعتريه الشكّ أنّ كلامه صريح في ردّ رسول الله(ص) ومعارضته له، وأنّ الاُمّة حرمت بذلك عن الأمن من الضلال، ولم يُرِد ابن عبّاس بقوله: «الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله(ص) وبين كتابه» إلّا هذا؛ لأنّ حرمان الاُمّة من الأمن من الضلال رزيّة ليس فوقها رزيّة، تَرتَّبَ عليها جميع المصائب والاختلافات، فلا إيراد على المسلم المنصف إن وقف عند هذه الواقعة العظيمة وتفكّر في مغزاها، كما لا اعتراض عليه إن قال: إنّ الأمر الّذي أراد كتابته فمنعوه عنه كان توثيق عهده لأخيه وابن عمّه عليٍّ(ع) بالإمامة والخلافة بعده، ولكنّهم لمّا علموا من تنصيصاته المتكرّرة في غدير خمٍّ، وحديث الثقلين الّذي حصر فيه الأمن من الضلال بالتمسّك بالكتاب والعترة، وحديث المنزلة وغيرها صدّوه عن كتابته، وهذا هو الأمر الّذي أبكى ابن عبّاس

 

حتّى خضّب دمعه الحصباء، وقال: «الرزيّة كلّ الرزيّة ...».

ولو كان صاحب هذه الكلمة غير عمر لكان موقفهم تجاهها غير هذا، ولكنّ الّذي يهوّن الخطب عنده، ويسهّل له قبول التأوّلات المذكورة في حاشية السندي وغيرها أنّ المتكلّم بها عمر.

وليعلم أنّه ليس غرضنا من هذا المقال الطعن على الخليفة، ولا على غيره من المسلمين، ولا ردّ تأوّلاتهم في ذلك، فحساب الخلق على الله، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى([12])، بل غرضنا النظر في أمثال هذه الحوادث، من الناحية العلمية.

فمَن يتأوّل رزية يوم الخميس وأمثالها، ولا يرى في ذلك بأساً، ويجتهد لأن يحملها على المحامل الصحيحة كيف لا يأوّل قول مَن قدح في عدالة أحد من الصحابة اجتهاداً ونظراً إلى مثل هذا الحديث الصـريح في ردّه رسول الله(ص) ومعارضته معه وهو في هذا الحال، حتّى اختصموا عنده وأكثروا اللغو والاختلاف؟ وكيف يقول بقدح ذلك في الإيمان، ولا يقول بقدح ما هو أقبح وأفظع منه؟!

وإن شئت أن تعرف مبلغ أفاعيل السياسة فقايس بين أنّهم منعوا النبيّ(ص) عن كتابة الوصيّة الّتي لو كتبها لن يضلّوا بعده أبداً، وقالوا ما

 

قالوا، ولم يردّوا على أبي بكر حين أراد الوصيّة في مرض موته، ولم يقولوا: إنّه يهجر، وحسبنا كتاب الله، بل كتب أبو بكر وصيّته لعمر حين اُغمي عليه وقبل أن ينصّ على عمر، وأفاق بعد ذلك، وصوّب ما كتب، ودعا لعثمان.([13])

اللّهمّ أنت الحَكَم العَدل، فاحكم بين أهل بيت نبيّك وبين من عاداهم، وأنكر فضائلهم، وأراد إطفاء نورهم، وأظهر كلمتهم الحقّ، وأبطل بهم باطل أعدائهم، واحشرنا مع محمد وآله الطاهرين، صلواتك عليهم أجمعين.

 

حرّره لطف الله الصافي الگلپايگاني

 

 

 

([1]) أحمد بن حنبل، مسند، ج2، ص335 ـ 339؛ البخاري، صحيح،‌ ج3، ص202؛ البيهقي، السنن الکبری، ج9، ص159.

([2]) البخاري، صحيح، ج7، ص177 ـ 178.

([3]) البخاري، صحیح، ج2، ص109.

([4]) البخاري، صحيح، ج7، ص172.

([5]) ابن الأثير الجزري، اُسد الغابة، ج5، ص219.

([6]) البغوي، مصابيح السنّة، كتاب الإيمان، ص3 ـ 7.

([7]) ابن ماجة القزويني، سنن، ج1، ص299؛ أبو داود السجستاني، سنن،‌ ج1، ص105.

([8]) راجع: أحمد بن حنبل، مسند، ج1، ص325 ـ 326؛ البخاري، صحيح، ج4، ص31؛ ج5، ص137 ـ 138؛ ج7، ص9؛ ج8،‌ ص 161؛ مسلم النيسابوري، صحيح، ج5، ص 76.

([9]) الجوهري البصري، السقيفة وفدك، ص76؛ راجع: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج6، ص51.

([10]) النجم، 2 ـ 4.

([11]) الحشر، 7.

([12]) الأنعام، 164؛ الإسراء، 15؛ فاطر، 18؛ الزمر، 7.

([13]) ابن سعد، الطبقات الکبری، ج3، ص199 ـ 200؛ الطبري، تاريخ، ج2، ص617 ـ 619؛ ابن‌ عساکر، تاريخ مدينة دمشق، ج30، ص410 ـ 412؛ ابن الأثير الجزري، الکامل في التاريخ، ج2، ص425 ـ ‌426.

نويسنده: