سه سروده از معظم له در مدح حضرت معصومه سلام الله عليها   شفيعه محشر اين بارگه كه خاك درش مُشكِ اذفر است بويش چو بوى خُلد برين روح‌پرور است دار الشّفا و عـقده‌گشا و فرح‌فزاست باب امان ز محنـت فرداى محشر است طور حضـور و مطلـع نور...
دوشنبه: 31/خرد/1400 (الاثنين: 11/ذو القعدة/1442)

 

لقد كثرت كلمات العلماء حول رجال هذه الأحاديث ومتونها، وتعارض بعضها مع بعض، وشرح ألفاظها، وتعيين الفرقة الناجية، فأنكر بعضهم صحّتها،([1])وقد أخرجها السيوطي في الجامع الصغير وصحّحها ولم يذكر الناجية والهالكة،([2]) وعلّل بعضهم ما في أسانيده محمد بن عمرو الليثي، وعبّاد بن يوسف، وراشد بن سعد، ووليد بن مسلم، وبعض المجاهيل.

واختلفوا في أنّ المراد بالاُمّة هل هي اُمّة الدعوة أم اُمّة الإجابة؟ وفي اختصاص الاختلاف باُصول الفرق دون فروعها، كما اختلفوا في العدد المأثور، وأنّ العدد لمجرّد التكثير، أو أنّ العدد لا مفهوم له، فلا مانع من الزيادة على العدد المأثور وإن لم يجز النقص، أو أنّ المقصود اُصول الفرق دون فروعها.

 

وقال الكوثري: إنّ تشعّب الفرقة لا ينتهي إلى انتهاء تاريخ البشر، فلا يصحّ قصر العدد على فرق دون فرق، ولا على قرن دون قرن؛ لاستمرار ابتكار أهواء وتلفيق آراء مدّة دوام الحياة البشرية في هذا العالم، فالكلام في الفرق من غير تقيُّد بعددٍ هو الأبعد عن التحكم، وهو الّذي لا يكون مَدعاةً لهُزءِ الهازئين من غير أهل هذا الدين.([3])

واختلفوا في تعداد الفرق وتفصيل معتقداتهم، وقد وقعوا في اشتباهات وجهالات في هذا المقام، وقالوا عن الشيعة وغيرهم ما يدلّ على جهلهم بأوضح المطالب التاريخية والكلامية ممّا ليس هنا محلّ ذكره. واخترعوا مذاهب وفرقاً لم تخرج بعدُ إلى عالَم الوجود، فراجع الفصل لابن حزم، و الملل والنحل للشهرستاني، و التبصير لأبي المظفّر الإسفَرايني وغيرها.

فلا ينبغي الاستناد في نقل مذهب أيّ فرقة من فرق المسلمين على مثل هذه الكتب المليئة بالخرافات والجهالات، وما فيه شَين للإسلام والمسلمين، والجامعة بين الغثّ والسمين، والصحيح والسقيم، وأعاجيب الأكاذيب، وإن شئت أن تكتب عن طائفة أو شخص من المسلمين وغيرهم فلا تَعْزُ إلى شخص ولا فرقة من الفرق إلّا ما سجِّل

 

في كتبهم المعتمدة ومؤلّفاتهم المعتبرة، ولا تلزم أحداً منهم بلازم قوله إلّا إذا كان لازمه لزوماً بيّناً.

واستشكلوا أيضاً في كفر هذه الفرق ما عدا واحدة منها، فعن الشاطبي: أهل السّنة لا يكفِّرون كلَّ مبتدع، بل يقولون بإيمان أكثر الطوائف الّتي فسَّروا بها الفرق، ورجّح أنّ الحكم بكون هذه الفرق في النار ما عدا الجماعة الملتزمة لِـمـا كان عليه(ص) هو وأصحابه لا يقتضي أنّها كلّها خالدة خلود الكفّار، فجوّز أن يكون منها من يُعذّب على البدعة والمعصية، ولا يخلد في العذاب خلود الكفّار المشركين، أو الجاحدين لبعض ما علم من الدين بالضرورة.([4])

فهذه الرواية لو لم نقل بدلالتها على كون جميع الفرق مسلمة ومعدودة من الاُمّة، لا تدلّ على كفر الجميع إلّا الواحدة. نعم قد دلّ بعضها على دخول الجميع في النار ماعدا الواحدة منها.([5])

ومن أعظم ما وقع الاختلاف فيه في هذه الأحاديث، تعيين الفرقة الناجية، والّتي تكون على ما كان عليه النبيّ(ص) وأصحابه، على ما في بعض طرقه.

 

قال الشيخ محمد عبده، مفتي الديار المصرية سابقاً: وأمّا تعيين أيّ فرقة هي الناجية ـ أي الّتي تكون على ما كان النبيّ عليه وأصحابه ـ فلم يتعيّن لي إلى الآن، فإنّ كلّ طائفة ممّن يذعن لنبيّنا بالرسالة تجعل نفسها على ما كان عليه النبيّ وأصحابه... إلى أن قال: وممّا يسرّني ما جاء في حديث آخر: أنّ الهالك منهم واحدة.([6])

فهذا فهرس موارد الاختلاف في هذا الحديث من حيث السند والمتن والدلالة، ولا يخفى عليك أنّ تعيين الفرقة الّتي تكون على ما كان عليه النبيّ(ص) وأصحابه، والجماعة الملتزمة لِمـا كانوا عليه لا يثبت بنفس هذه الأحاديث، بل لابدّ من الرجوع إلى غيرها من الروايات والآثار والأدلّة العقلية، مضافاً إلى أنّ أخبار «الجماعة» مطعون فيها من حيث السند؛ لاشتماله على مثل أزهر بن عبد الله الناصبي، وعبّاد بن يوسف، وراشد بن سعد، وهشام بن عمّار، ووليد بن مسلم، و عن الزوائد: «إسناد حديث عوف بن مالك فيه مقال»،([7]) وليس ببعيد أن تكون زيادة «وهي الجماعة» من بعض الرجال، ففسَّر الحديث وبيّن معناه على وفق رأيه وما هو الصواب عنده، ويؤيّده أنّ الدارمي خرّج هذا الحديث ولم يذكر هذه

 

الزيادة،([8]) وحديث أنس ـ مضافاً إلى ما في سنده أيضاً ـ معارض بحديثه الآخر، فإنّ لفظ الحديث في بعض طرقه: «كُلُّهَا فِي النَّارِ، إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْـجَمَاعَةُ»،([9]) وفي بعضها: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي».([10])

فالاغترار بهذه الزيادات ـ مع هذه المعارضات في نفس هذه الأحاديث، وابتلائها بالمعارضات الخارجية ـ  بعيد عن الصواب، ويؤيّد زيادة جملة «وأصحابي» بعد قوله(ص): «ما أنا عليه» في بعض متون هذه الأحاديث، وزيادة كلمة «الجماعة» في البعض الآخر عدمُ استقامة مفادهما.

أمّا الأوّل فلأنّه إنّما نجا مَن نجا وينجو من هذه الاُمّة بسبب كونه على ما عليه النبيّ(ص)، ولا عبرة بكونه على ما عليه غيره كائناً من كان، وإن كان من أهل النجاة؛ لأنّه أيضاً إنّما نجا بكونه على ما عليه النبيّ(ص)، فما معنى قوله: «وأصحابي؟» وإن كان المراد الكون على ما هو عليه مدّة بقائه في هذه الدنيا، وعلى ما عليه أصحابه بعد ارتحاله، فهذا أيضاً لا يستقيم؛ لأنّه لا شكّ في وجود المنافقين في الصحابة، كما دلّت عليه

 

آيات كثيرة، كما لا شكّ في ارتداد كثير منهم، كما دلّت عليه أحاديث الحوض المتواترة وغيرها.

ولأنّه إذا كان الميزان قبل ارتحاله الكون على ما هو عليه، وبعد ارتحاله الكون على ما عليه الصحابة فما هو الميزان بعد عصر الصحابة؟

مضافاً إلى أنّه كيف يمكن الكون على ما عليه الصحابة مع ما حدث بينهم من الاختلاف، حتى ضرب بعضهم بعضاً، ولعن بعضهم بعضاً، ووقع بينهم ما وقع؟! هذا، ولا أظنُّ بأحد من المسلمين القول بأنّ ميزان النجاة الكونُ على ما عليه النبيّ(ص) وأصحابه، بمعنى عدم الكون على ما عليه(ص) موجباً للنجاة إلّا إذا انضمّ إليه الكون على ما عليه الأصحاب.

إذن فما يقول هؤلاء في نجاة النبيّ(ص)؟ فهل هي أيضاً متوقّفة عندهم على كونه على ما كان عليه أصحابه؟ ! نعوذ بالله من جرأتهم على الله ورسوله، ومن زياداتهم واختلاقاتهم في الأحاديث حبّاً للبعض وبغضاً لأهل بيت العترة الطاهرة، ولأن يثبتوا باختلاقهم الأحاديث وإدخال الزيادات فيها لغير أهل البيت محناً لا يقاس بهم ما يشابه فضائلهم، ولكنّ الله عليم بذات الصدور، يُظهر أكاذيبهم ومفتعلاتهم.

وأمّا الثاني ـ وهو زيادة «الجماعة» ـ فالدليل على أنّها زيادة لا يعتدّ بها ـ

 

سيّما مع عدم ذكرها في سائر المتون ـ؛ أنّ المراد منها إن كان ما عليه جميع الاُمَّة فهو خلاف المفروض في الحديث من افتراق الاُمّة، وإن كان ما عليه السّواد الأعظم والأكثرية فكيف صار الكون منها أبداً موجباً للنجاة؟ فهذه سيّدة نساء أهل الجنّة، حبيبة رسول الله(ص) كانت تعتقد بعدم شرعية ولاية أبي بكر،([11]) وماتت وهي واجدة عليه، وأهل السنّة يدَّعون أنّ الجماعة كانت تذهب إلى شرعية ولايته، مع أنّك تجد في الاُمّة فرقاً كثيرة أعظمها شيعة أهل البيت على عقيدة سيّدتنا فاطمة الزهراء(س)، ولا تجد فيها فرقةً ولا واحداً يشكُّ في كونها من أهل النجاة، وأنّها سيّدة نساء العالمين، بل هذا دليل على عدم صحّة زيادة «وأصحابي» أيضاً؛ لأنّ عقيدتها تفترق عن عقيدة جمع من الصحابة من حزب أبي بكر وعمر بن الخطّاب.

اللّهمّ وإن قيل بإرادة جميع الصحابة من قوله(ص): «وأصحابي»، وعليه يكون المراد: أنّ أهل النجاة مَن يقول بقول جميع الصحابة،

 

ويأخذ بما اتّفقوا عليه كلّهم، وهذا قريب من رواية «كُلُّهُمْ فِي الْـجَنَّةِ إلَّا الزَّنَادِقَة»، وعليه فالواحدة هي الخارجة عمّا اتّفق عليه كلّ الصحابة وينكر بعضه أو كلّه فهو ليس من الاُمّة لا أنّه منها وليس من الناجية.

والعجب ممّن كتب في الفرق المختلفة، ويقول: إنّ أوّل اختلاف وقع بين الاُمّة كان في أمر الحكومة وزعامة الاُمّة بعد رسول الله(ص)، ويذكر مخالفة سيّدتنا الزهراء÷ وسائر بني هاشم وشيعتهم، ثمّ يتمسّك بهذه الزيادة، ويقول: الفرقة الناجية هي «الجماعة».   

 ويورد عليه ـ على فرض صحّة هذه الزيادة، وأنّ المراد منها السواد الأعظم ـ: أنّ السواد الأعظم ثار على عثمان، وأنكر عليه أفاعيله وبدعه، واستعماله الخونة وبني اُميّة على المسلمين، وصرفه بيت مال المسلمين في أقاربه وخواصّه، وإهماله حدود الله، وطلبوا منه التوبة وإبطال بدعه وطرد الخونة عن الاستيلاء على الاُمور، إلّا أنّه لم يقبل منهم، ولم يعمل بنصح ناصح مثل الإمام عليّ(ع)، و أصرّ على ما أغضب به رجالات الإسلام حتى قُتِل، فهل يعترف من يروي هذه الزيادة ويقول بصحّتها أنّ عثمان لم يكن من أهل النجاة، بل هو من أهل النار؟ وأمثلة ذلك كثيرة في تاريخ الإسلام.

ونسأل ونسأل، حتى نسأل: هل الحنابلة المجسِّمة بما اعتقدوا في الله ـ

 

على خلاف سائر المسلمين وجماعتهم ـ من العين واليد، من أهل النجاة، أو من أهل النار؟

وابن تيميّة مع آرائه المخالفة للجماعة من أيِّ الفريقين؟ والشيخ محمد عبده، ورشيد رضا، وفريد وجدي وغيرهم من أهل الثقافة الحديثة والمتأثّرين بالمذاهب الفلسفية الغربية الّذين خالفوا جماعة العلماء وجماعة المسلمين، من أيِّهما؟

والفرقة الّتي أحدثتها أيادي الاستعمار، وأثارت الفتن المخزية الدامية، وهدمت المشاهد والمعالم التاريخية، والبنايات الأثرية الإسلامية، الّتي كانت من أقوى الدلائل والشواهد على أمجادنا التاريخية وسيرة الرسول الأعظم(ص) ومشاهدها، من أيِّ الفريقين؟

وبعد ذلك كلّه فالأقوى في النظر زيادة هاتين الكلمتين، وعدم صدورهما من رسول الله(ص)، وعلى فرض الصدور لا يمكن الاعتماد عليهما؛ لإجمالهما وعدم استفادة ميزانية ظاهرة مستقيمة منها لمعرفة الفرقة الناجية.

 

 

([1]) الشوکاني، فتح القدير، ج2، ص59.

([2]) السيوطي، الجامع الصغير، ج1، ص184.

([3]) الإسفرايني، التبصير في الدين، ص6 «مقدّمة الکوثري».

([4]) رشيد رضا، تفسير المنار، ج8، ص220.

([5]) رشيد رضا، تفسير المنار، ج8، ص220.

([6]) رشيد رضا، تفسير المنار، ج8، ص220 ـ 222.

([7]) ابن ماجة القزويني، سنن، ‌ج2، ص1322.

([8]) الدارمي، سنن،‌ ج4، ص 241.

([9]) ابن ماجة القزويني، سنن، ج2،‌ ص1322.

([10]) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج1، ص189.

([11]) حكى لنا سيّدنا الاُستاذ آية الله المغفور له السيّد محمد تقي الخوانساري ما جرى بينه وبين العلّامة الشهير الشيخ حسن البنّا، مؤسّس جمعيّة الإخوان المسلمين من المباحثات حول المذهب، وذكر أنّ الشيخ بعد هذه المناظرات أعلن في المسجد الحرام، أو مسجد النبيّ(ص) (الترديد منّي) حسنَ عقيدته بالشيعة، واعتذر عنهم من عقيدتهم في الخلافة، وعدم شرعية خلافة غير الإمام عليّ(ع)، بأنّ ذلك كان عقيدة فاطمة(س).

نويسنده: