بسم الله الرحمن الرحیم در کتاب شریف عيون اخبار الرضاعلیه السلام آمده است: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَی بْنِ الْـمُتَوَکِّلِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْـحُسَیْنِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر الْأَسَديُّ قَالَ: حَدَّثَنَا...
پنجشنبه: 29/مهر/1400 (الخميس: 14/ربيع الأول/1443)

جريان البداء وقانون العلّـيّة

 

المبحث الرابع: ربّما يسئل فيقال: كيف يجوز أن يمنع في هذا العالم المادّي الحاكم عليه الأسباب المادّيّة، مثل صلة الرحم والصدقة والدعاء وغيرها عن تأثير الأسباب المادّية في مسبّباتها؟ وكيف تؤثّر هذه الاُمور في حصول مسبّبات مادّية لها أسباب مادّية اختصّت بها؟ وكيف يتغيّر بها السنن السائدة على الكون، والقواعد المحكمة الحاكمة عليها الّتي قام عليها بإذن الله‏ تعالى وتقديره نظام هذا العالم؟ فمن يزرع الحنطة مثلاً يحصد الحنطة ولا يحصد منها الشعير والأرزّ، ومن سعى وجدّ واجتهد يحصّل أكثر ممّن قعد وتهاون وكسل، والنار مقتضٍ للإحراق لا يمنعه من ذلك إلّا عدم وجود شرطه أو وجود مانعه المادّي.

والحاصل: أنّ تأثير المقتضيات المادّيّة في مقتضياتها الّتي تكون أيضاً مادّيّة لا محالة، ليس موقوفاً على أزيد ممّا نرى، وهو وجود المقتضـي والشرط وعدم المانع، وبعدَ حصول ذلك الّذي نسمّيه بالعلّة التامّة لا يتخلّف المعلول المادّي عن علّته المادّيّة.

 

أقول: کأنّ هذا القائل توهّم أنّ القائل بالبداء بمعناه الصحيح إنّما يقول بتأثير الأسباب الغيبيّة وعالم الغيب في عالم الشهادة فقط، فيمنع من وقوع بعض الحوادث والاُمور حتى بعد تحقّق سببه المادّي، أو تؤثّر ما له سبب مادّي بدون تحقّق سببه المادّي فلا يقع البداء في عالم الأسباب والمسبّبات العاديّة الّتي  يدرك الإنسان استنادها إلی أسبابها بالحسّ، وغفل من أنّ ناموس البداء جارٍ في الاُمور التكوينية، سواءٌ کان ذلك ـ أي حصول البداء ـ بواسطة أمر مثل الدعاء وصلة الرحم، والذنوب والأعمال الصالحة، أو بواسطة أمر من الاُمور المادّيّة، فالأمر الّذي يقع فيه البداء ما ليس وقوعه من الاُمور المحتومة، بل موقوف في كثير من الموارد على أفعال العباد وكسبهم، سواءٌ کان هذا الفعل يعدّ سبباً عادياً في الأمر البدائي وجودا أو عدماً، كسعي العبد أو تكاسله عن السعي والعمل، فالّذي يقتل نفسه أو غيره لم يحكم علمه بذلك، وليس عمله هذا من الاُمور المحتومة، والمقتول أيضاً لم يكن موته محتوماً عليه في هذا الزمان، بل کان حياته موقوفة على عدم حدوث ما يقطع استمرار حياته وهو قتله، وعلى هذا المبنى يجب على الإنسان التحفّظ ودفع العدوّ. نعم، قد يكون ذلك من الاُمور المحتومة، بحيث لو لم يقتل في هذا الوقت لکان يموت فيه بحتف الأنف، وهذا أيضاً وإن کان

 

بلحاظ أنّ موته بحتف الأنف موقوف على عدم موته بالقتل، يكون من الاُمور البدائية إلّا أنّه بملاحظة أنّ زهوق روحه في هذا الزمان کان محتوماً لا يقع فيه البداء وإن كان أيضاً من الاُمور البدائية بلحاظ جواز وقوع البداء فيه عقلاً لولا كونه في تقدير الله‏ تعالى من الاُمور المحتومة الّتي لا يقع فيه البداء.

نعم لم يبحث عن مثل هذه الاُمور في مبحث البداء، واختصّوا البحث فيه بالاُمور الّتي يقع تحت سيطرة عالم الغيب، وما لا يعدّ من الأسباب المادّيّة كالدعاء والصدقة وغيرها، مع أنّ ملاك البحث والنفي والإثبات بالنسبة إليها واحد.

وبعبارة اُخرى: نقول: إنّ الأسباب سواء کانت ظاهرةً مرئيّةً محسوسة، أو كانت غيبيّةً مخفيّةً تحقّق بها مسبّباتها بإذن الله‏ تعالى وتقديره، وتمنع عن وقوعها موانعها، سواء کانت ظاهرةً أو غيبيّةً، وحيث إنّ الکلّ مستند إلیه وهو جاعل الأسباب وفاعلها، وخالق موانعها، ويقدّرها ولو بإقداره العبد عليها، وإن کان ما يجري في العالم يجري بإرادة الله‏ تعالى التكوينية، فهو الماحي والمانع إذا منع ـ المانع الظاهريّ أو الغيبيّ ـ السبب، كذلك عن تأثيره وهو المثبت إذا أثّر السبب في مسبّبه وتحقّق، سواءٌ كانا من هذا أو من ذاك، فالمرض الكذائيّ يمنع المريض

 

من أن تمتدّ حياته إلی أجله المسمّى فيمحو الله‏ تعالى ذلك بالصدقة وصلة الرحم ويثبت حياته ويؤخّر في أجله، والشخص الصحيح تقتضي صحّته بقاءه إلی أجله المسمّى، ويمنع من ذلك بعض أعماله السيّئة، کلّ ذلك بإذن الله‏ تعالى وتقديره في نظامه الأتمّ الأحسن الّذي قرّره في خلقه.

ويمكن أن يقرّر هذا بوجه آخر، وهو: أن يقال: إنّ الأسباب الظاهرية العادية الّتي تتحقّق في عالمنا المحسوس والشهادة، تقتضـي تحقّق مسبّباتها، فكما أنّه يمحى أثرها بالموانع الظاهرية، يمحى أثرها ببعض الموانع الغيبية، فمثل صلة الرحم تدفع ميتة السوء الّتي تحقّق سببها الظاهريّ، وكذلك توجب بعض الاُمور الزيادة في العمر والرزق، إمّا لأنّ الله‏ جعل في هذه الاُمور هذه الخواصّ، أو لأنّ الله‏ تعالى وعد عباده بأنّه يفعل ذلك عند إتيان المکلّف بها، وعلى کلا الوجهين قد دلّت الآيات والروايات، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم﴾،([1]) وقال جلّ اسمه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ،([2]) وقال: ﴿أَ فَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ‏  *

 

 أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾؛([3]) وفي الدعاء: «اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تنزل البلاء»؛([4]) والحاصل أنّ کلّ الاُمور الغير المحتومة واقع تحت سنّة المحو والإثبات.

وثانياً نقول: إنّ الظاهر من هذا الإيراد الاستبعاد أو إنکار سلطان عالم الغيب وتأثير الأسباب والموانع الغيبية على عالم الشهادة.

وهذا التوهّم إمّا ينشأ من قصر النظر إلی عالم الشهادة، والتأثّر من تسويلات الحسّيّين والمادّيّين الغافلين أو المنكرين لعالم الغيب وتأثيره في عالم الشهادة، وإمّا ينشأ من قضاء العادة على وقوع أمر بعد أمر آخر بمشيّة الله وتقديره، فيتوهّم أنّ هذا مقتضى تمامية الأمر الأوّل في العلّيّة للأمر الثاني، فلا يجوز أن يتخلّف عنه، كما لا يجوز تخلّف المعلول عن علّته التامّة، فكأنّه لم يعرف المتوهّم الفرق بين المقتضـي والعلّة التامّة، وبين العلّة وأجزائها، وبين ما يقارن وجوده وجود شيء آخر، ولم يتفطّن إلی جواز عدم إحاطة البشـر بجميع العلل ومعلولاتها، وشرائطها وموانعها، وكون عالم الظاهر تحت سيطرة عالم الغيب، وتأثير الأسباب الغيبيّة بإذن الله‏ تعالى في عالم الشهادة، فيزعم العلّة ما ليس بها، ومعلولها

 

ما ليس هو، مع أنّه لا يرى شيئاً غير وجود شيء عند وجود شيء آخر أو أشياء اُخرى، ولم ير عليّة هذا لذاك، ولم يفهم لماذا صار هذا الأمر المادّي علّة لهذا، ولماذا صارت علّية هذا لذاك ذاتية له ولم تصِـر ذاتيةً لشيء آخر، أليس هذا یعني القول بالعلل الماديّة وأنّها من ذاتيات العلل إخباراً عن الغيب؟ وما أحسن قولهم في تعريف المعجزة: أنّها خرق عادة يأتي بها النبيّ عند التحدّي وطلب القوم منه الآية والمعجزة، كما جاء في القرآن الكريم حكايةً عن فرعون في محاجّته مع النبيّ موسى ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏ * فَأَلْقَى‏ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ‏﴾.([5])

لا يقال: إنّ ما تقول ينتهي إلی نفي قاعدة العلّيّة، ولازمه تأثير کلّ شيء في کلّ  شيء، أو عدم تأثير شيء في شيء.

فإنّه يقال: إنّ القاعدة تامّة لا خدشة فيها، والعلّة التامّة کلّما وجدت لا تنفكّ عن معلولها، ولا يجوز وجود المعلول بدون العلّة، كما لا يجوز وجود الحادث بدون المحدّث القديم ووجود المخلوق بدون الخالق، لكن لا تعرف بنفس هذه القاعدة مواردها ولا تثبت بها مصاديقها. فربما يتحقّق المقتضي والشـرط وعدم المانع فيزعم الغافل من الشـرط

 

وعدم المانع أنّ المقتضي تمام العلّة، كما ربّما يغفل من عدم المانع فيستند المعلول إلی المقتضـي والشـرط، أو بالعكس يستنده إلى المقتضي وعدم المانع.

وعلى هذا يجوز أن يمنع إرادة الله‏ القاهرة على جميع ما سواه، النار من الإحراق، وغير ذلك ممّا وقع في التكوينيات على خلاف العادة وجريان الأسباب والمسبّبات العادية.

فمن قصر نظره  إلی ما يعرف من الأسباب الظاهرة ولم يلتفت إلی غيرها ممّا يجهلها من الأسباب الظاهرة والباطنة وحكم الله‏ تعالى وسننه في تربية عباده، واستصلاح اُمورهم، لا يرى تخلّف المسبّبات عن الأسباب الظاهرة وتشمله هذه الآية الكريمة: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.([6])

ولو طرح حجاب الغفلة والالتفات إلی ظاهر الحياة الدنيا، يفهم أنّ سنن الله‏ تعالى لا تنحصر فيما يعرفه من قصـر نظره إلی عالم الظاهر، فالدعاء والصدقة وصلة الرحم، وإعانة الضعيف وشكر النعمة وغيرها، وكذا الظلم وقطع الرحم وغيرهما من الأعمال السيّئة تؤثّر في وقوع كثير من الحوادث بإذن الله‏ تعالى وسنّته، ويغيّر الله‏ تعالى لها مظاهر

 

حياتنا المادّية من الرخاء والخصب، ونزول الأمطار، وظهور البركات كما يغيّر بها حالات النفوس وأحوال القلوب فتشملها التوفيق أو تحرم منه وتبتلى بالخذلان. ولا نعني بالبداء إلّا ذلك.

فيزيد الله‏ تعالى بصلة الرحم في عمر من لا يتجاوز عمره بحسب الأسباب الظاهرة ـ لولا هذه الصلة ـ من ثلاثين مثلاً إلی أربعين، أو ينقص منه بواسطة قطع الرحم مثلاً إلی عشرين، وهكذا يدفع بصلة الرحم أو الصدقة أو الدعاء عن البلاء وميتة السوء. وكذا يؤثّر عمله في شقاوته وسعادته، فيكتسب بالأعمال الصالحة والتوبة السعادة، فيمحو الله‏ اسمه من الأشقياء ويثبته في زمرة السعداء، كما هو في اُمّ الكتاب. ولا يزيد في العمر ولا ينقص منه إلّا الله‏، ولا يدفع البلاء، ولا يكتب الشقيّ سعيداً إلّا الله‏ وملائكته العاملون الموکّلون على هذه الاُمور بأمره، إذاً فليس لنا إلّا القول بذلك، وأنّه لم يغلق باب رحمة الله‏ على عباده، وأنّه هو الحاكم البارئ المصوّر المعزّ الخالق لما يشاء، والفاعل لما يشاء، لا إله إلّا هو العزيز الحكيم.

 

 

 

([1]) إبراهيم، 7.

([2]) الأعراف، 96.

([3]) الواقعة، 58 ـ 59.

([4]) الکلیني، الكافي، ج2، ص590.

([5]) الأعراف، 106 ـ 107.

([6]) الروم، 7.

موضوع: 
نويسنده: