رسول الله صلى الله عليه و آله :شَعبانُ شَهري و رَمَضانُ شَهرُ اللّهِ فَمَن صامَ شَهري كُنتُ لَهُ شَفيعا يَومَ القِيامَةِ پيامبر صلى الله عليه و آله :شعبان ، ماه من و رمضان ماه خداوند است . هر كه ماه مرا روزه بدارد ، در روز قيامت شفيع او خواهم... بیشتر
چهارشنبه: 4/خرد/1401 (الأربعاء: 23/شوال/1443)

الأمر الثالث
أحكام المعاملات

 

قال: «أمّا المعاملات وترتيبها وأحكامها فهي حقّ للعباد، ومن أجل مصالحهم في دنياهم، فمن حقّهم أنّ يحدّدوا أين تكون مصالحهم إذا لم يأت من الشرع الحكيم نصّ قرآني يحدّدها، كما جاء مثلاً في المواريث لما يعلمه سبحانه من تدخّل العواطف فيها فحسم الرأي، وقد أشار الرسول| إلی هذا في حديثه المشهور بعدما حدث في تلقيح النخل: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ مِنْ اُمور دِيِنكُمْ فُخُذُوا منْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا کان مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فإِلَيْكُمْ، أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دنْيَاكُمْ».([1]) وکان هذا الحديث هو الأصل في إمكان تغيير بعض الأحكام ‏الخاصّة بالمعاملات حسب تغيير عللها وظروفها والمصلحة للناس فيها، على أن يكون التغيير على أساس

 

القواعد العامّة الشـرعية مثل: لا ضرر ولا ضرار، ودرء المفاسد مقدّم على جلب المصالح...» إلی آخر ما قال.

أقول: أوّلاً: إذن لا کلام في أنّه إذا لم يأت من الشارع الحكيم نصّ قرآني ولا نبويّ ـ وإن لم يذكره واقتصـر على القرآني منه ـ في مورد ولم تشمله النصوص العامّة بعمومها أو إطلاقها، فمباح بحكم الشـرع أيضاً للمکلّفين فعله وتركه، وهذا ـ أي حكم ‏الشـرع بالإباحة فيما لا نصّ فيه ـ حكم ثابت لا يقبل التغيير، فليس لأحد تحريم تركه أو إيجاب فعله.

وثانياً: لا يوافق هذا الخبر وما هو بمضمونه لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾؛([2]) وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى  * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾؛([3]) وقوله عزَّ مِن قائل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللّٰهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.([4]) لأنّ مفاد الخبر على ما بنيتم عليه أنّ الاُمّة أعلم من الرسول| بشؤون دنياهم، ولذا يجوز لهم مخالفة أوامره المربوطة باُمور الدنيا من المعاملات

 

وغيرها ممّا لم يَرِد فيه النصّ القرآني، وعليه: فلا يجب اتّباع شيء من أوامر النبيّ ونواهيه المربوطة بالسياسات والمعاملات وغيرها من الأنظمة المقرَّرة الثابتة بلسانه أو بسيرته في الأحوال الشخصية والاجتماعية والمالية وغيرها، فيكون النبيّ| كسائر الناس في أقواله وأفعاله وسيرته، فلا وجوب لاتّباعه ولا حسن للتأسّي به! وهذا أمر لا أظنّ أحداً من المسلمين فضلاً عن علمائهم وفقهائهم الراسخين في العلوم الإسلامية يلتزم به.

وما نفهمه نحن من الخبر ـ بعد الغضّ عن اضطراب متنه ومخالفته لما ثبت بالكتاب والسنّة ـ أنّ المراد منه أنّه ليس من شأن الرسول| بمقتضى رسالته ولا زعامته وقيادته السياسية وإدارته اُمور الناس، أن يتدخّل في شؤونهم الفردية الّتي يعمل کلّ أحد فيها ما يريد ويختار وتختلف فيه الأنظار، فهذا يرى هذه المهنة وافية لمعاشه والآخر يرى غيرها كذلك، وهذا يرى سقي الزرع في المواعيد المعيّنة وذاك يراه في غيرها، وهذا يرى تلقيح النخل مفيداً والآخر يرى أن يبقيها على حالها، هذا يرى أنّ يبيع مثلاً سكناه للاتّجار بثمنه، والآخر يرى غير ذلك، وهذا الطبيب يرى علاج المرض الخاصّ بكيفية خاصّة وغيره يرى غيرها. فالدين والشرع وحتى القوانين الّتي تنشأ من قِبَل البرلمانات

 

والمراكز الّتي لها صلاحية وضع القانون أو الدستور في الأنظمة العلمانية لا تتدخّل في أمثال هذه الاُمور، بل کلّ واحد من الناس حرّ مختار فيها.

وفي تلقيح النخل أيضاً الأمر هكذا، فکلّ قوم وکلّ شخص يعمل على طبق ما يرى فيه صلاح نفسه ولا يتدخّل فيه الشـرع ولا القانون الوضعي، نعم ربّما تقتضي الضرورة كحفظ النظام وإدارة المجتمع وأمن الأموال والنفوس المحترمة أن يحجز الحاكم الناس عن بعض حرّيّاتهم في زمان أو مكانٍ مّا، ولكن مع أنّ وجوب إطاعة الحاكم من الأحكام الشرعية؛ فإنّ حكمه هذا ليس حكماً شرعياً مثل: أحكام العبادات والمعاملات والسياسات والحقوق والأحوال الشخصية وغيرها، ولا بحث لنا فيه.

وثالثاً: إن کان المراد من الخبر الّذي استشهد به أنّ النبيّ| لا يأمرهم في اُمور دنياهم بأمر وحكم، فالاستدلال به لإثبات جواز التغيير في أحكام المعاملات والاُمور الدنيوية ضربٌ من التهافت والتناقض. وإن کان المراد منه أنّهم أعلم بشؤون دنياهم من النبيّ| ويحقّ لهم أن ينظروا في اُمور دنياهم ونظام اُمورهم الدنيوية، فشأن النبيّ| الّذي أدّبه الله‏ تعالى وأحسن تأديبه أجلُّ وأنبل وأعلى من التدخّل فيما لا حقّ فيه، بل هو حقّ للعباد وهم أبصـر منه به، فهو يجتنب لا محالة عن هذا

 

اللغو، وقد قال الله‏ تعالى في حقّه: ﴿ومَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾،([5]) وهوصاحب الخلق العظيم وأسمى مراتب الأدب ومكارم الأخلاق.

هذا مضافاً إلی أنّ الخبر إن کان يدلّ على أنّ أمر دنيا الناس مفوّض إليهم، فلا اعتبار بأوامره ونواهيه فيه، وعليه: فتخرج أكثر الأحكام الشـرعية الراجعة إلى اُمور الناس ومعايشهم وسياسة المدن والإدارة الثابتة بسنّة الرسول| وأوامره ونواهيه من دائرة الدين، ونبقى نحن وأحكام العبادات وقليل من غيرها من الأحكام المنصوصة في القرآن!

هذا إذا لم يأت من المتنوّرين العصريّين من يقول فيها أيضاً شبه ما قال عبد المنعم النمر في الأوامر النبوية والأحكام الثابتة بالسنّة، وعليه: يلزم على الفقهاء حذف أكثر أبواب الفقه الإسلامي الّتي هي من أعظم براهين صدق هذه النبوّة الخاتمة وكمالها.

ورابعاً: إذا کانوا هم أعلم باُمور دنياهم من رسول ربّ ‏العالمين| فهم أعلم من الفقهاء بالطريق الأولى، فما معنى موقف الفقهاء في الاجتهاد في هذه الاُمور والنظر في السنّة بعدما کان الناس أولى وأحقّ بدنياهم وأعلم حسب الفرض من الرسول|!

بل إذا کان موقف الناس هكذا قِبال أوامر النبيّ| ونواهيه حتّى في

 

حياته وكان يجوز لهم ترك العمل بأوامره، وکان الأصل والمعتبر ما يرون هم بأنفسهم في اُمورهم حسبما تقتضيه المصالح والظروف، فما قيمة اجتهاد الفقهاء في اُمور الناس الدنيوية؟

وخامساً: أنّ مغزى هذا الرأي أنّه لا اعتناء بسيرة النبيّ| وسنّته في الأنظمة الدنيوية، بل الناس هم وما رأوا فيها من مصالحهم ومنافعهم، وإذن فليس فيها تشريع ولا يوجد حكم شرعي، فما معنى تغيّر الحكم؟

وسادساً: إذا اشترطتم أن يكون التغيير على أساس القواعد العامّة الشـرعية فليس معنـى «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤونِ دُنْيَاكُمْ» إلّا الكرّ على ما فرَّ، وقد ذكر أنّ مراده من هذه القواعد العامّة، مثل لا ضرر ولا ضرار، ودرء المفاسد مقدّم على جلب المصالح، فإن أراد من القاعدة الثابتة ـ كما لابدّ أن يكون ـ أنّ درء المفاسد الّتي نهى عنها الشرع مقدّم على جلب المصالح الّتي أمر بها، فذلك، وإن لم يكن قاعدة کلّية عامّة؛ لأنّ مفسدة ارتكاب بعض المحرّمات ربّما لا تكون أهمّ من مفسدة ترك بعض الواجبات ومصلحة فعلها، بل تكون هذه أهمّ من الأُولى، ولكنّ القائل بها لا يريد بها إلّا القاعدة الشرعية الّتي هي كالشارح والمفسّـر لأدلّة سائر الأحكام ومعها لا تغيير أيضاً في الحكم؛ لأنّ المعيار في المصلحة هو المصالح الّتي أمر الشارع بحفظها والمفاسد الّتي نصّ الشارع على وجوب درئها.

 

وسابعاً: إن اُريد من تغيير الأحكام تغييرها بظروفها وعللها والمصلحة للناس حسب ما أمره الشارع، مثل ‏أکل الميتة الّذي يباح عند الاضطرار، أو ارتكاب أيّ محذور آخر أخفّ إذا دار الأمر بين المحذورين، والأهمّ والمهمّ، أو ترك واجب لدفع الضرر، أو نحو ذلك، فهذا ليس من تغيير الحكم ـ كما أشرنا إلیه ـ بشيء، بل هو انتفاء حكم خاصّ بانتفاء موضوعه، ووجود حكم آخر بوجود موضوعه، فأکل الميتة لغير المضطرّ حرام شرعاً، وللمضطرّ حلال شرعاً، وکلّ منهما حكم شرعي لموضوعه المختصّ به ثابت لا يقبل التغيير.

والوضوء واجب إذا لم يكن فيه ضرر على صحّة جسم المتوضّي، وهو حرام وبدعة إذا کان فيه خطر على صحّته.

أمّا في دوران الأمر بين الأهمّ والمهمّ، أو المهمّين المتساويين عند الشرع، فحيث إنّ المکلّف لا يتمكّن من امتثال الوجوبين لابدّ له عقلاً في الصورة الاُولى من حفظ الأهمّ، وفي الصورة الثانية هو بالخيار في الإتيان بأيّهما شاء.

ففي کلّ هذه الصور لا تغيير في الحكم الشرعي.

ولا يخفى عليك أنّ ذلك يجري في الأحكام الجزئية لا الأحكام الکلّية، فلا تجد حكماً کلّياً مزاحماً بکلّيته لحكم کلّي آخر.

 

وكذا قاعدة إنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح ليس معناها ـ كما مرّ الإشارة إلیه ـ تغيير الحكم الشـرعي، بل المراد أنّ الحكمين الشـرعيين اللذين أحدهما شرّع لدفع مفسدة، والآخر لجلب مصلحة، کأن يكون أحدهما حكماً تحريميّاً توجب مخالفته الوقوع في المفسدة، والآخر وجوبيّاً توجب مخالفته تفويت المصلحة، ولا يمكن للمکلّف الجمع بين امتثال کلا الحكمين، فيأتي بالّذي يدرء المفسدة أو يترك ما فيه المفسدة دون الّذي يجلب المصلحة، وعليك إن أردت المزيد بملاحظة باب تزاحم الأحكام في الكتب الاُصولية.

 

 

 

([1]) اُنظر: ابن حزم الأندلسـي، الاحکام، ج6 ص776؛ الهيثمي، مجمع الزوائد، ج1 ص179.

([2]) الحشر، 7.

([3]) النجم، 3 ـ 4.

([4]) الأحزاب، 21.

([5]) النجم، 3.

موضوع: 
نويسنده: