بسم الله الرحمن الرحیم قال الله تبارک و تعالی: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‌» مردان و زنان با ايمان! سخن خدا را گوش دهيد. شما و فقط شما در اين آيات،...
يكشنبه: 29/فرو/1400 (الأحد: 6/رمضان/1442)

الفصل الثامن:
شمول الخطابات الشفاهية لغير الحاضرين

هل الخطابات الشفاهية مثل: «يا أيّها الناسُ» و «يا أيّها الذين آمنوا» مخصوص بالمشافهين ومن كان حاضراً في مجلس التخاطب، أو يعمّ غيره ممّن كان غائباً عن مجلس الخطاب بل معدوماً؟ فيه خلاف.

والظاهر أنّ مرادهم بهذه الخطابات الخطابات القرآنية. وهذا الاختلاف حدث بين القدماء من الاُصوليّين وبقي إلى الآن ذكره في كتب الاُصول.

وقد أفاد المحقّق الخراساني+ في تحرير محلّ النزاع وجوهاً ثلاثة.([1])

والظاهر عدم كونها وجوهاً لتحرير محلّ النزاع وما يرجع إليه روح البحث في المقام، بل إنّما هي وجوه لما يمكن أن يكون ملاك هذا النزاع.

أحدها: أن يكون ملاك النزاع إمكان تعلّق التكليف بالمعدومين كما يصحّ تعلّقه بالموجودين وعدمه.

ثانيها: صحّة المخاطبة مع الغائبين عن مجلس الخطاب ـ سواء كانوا موجودين أم معدومين ـ وعدمها.

ثالثها: أنّ بعد معلومية إفادة مدخول أدوات الخطاب العموم والشمول

 

للحاضرين في مجلس الخطاب والغائبين مطلقاً قبل دخول الأدوات، فهل يكون بعد دخول أداة الخطاب عليه مع كونها موضوعة للخطاب إلى الحاضرين باقٍ على حاله من إفادة العموم أم لا؟ وهل تكون الأدوات قرينة على عدم استعمال المدخول في المعنى الحقيقي؟ وبالجملة: يدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور المدخول في العموم، ورفع اليد عن ظهور أدوات الخطاب في اختصاصها بالمشافهة؛ فيكون ملاك النزاع على هذا الوجه (الثالث) لغوياً.

إذا عرفت ذلك، فاعلم: أنّ ملاك النزاع ليس هو الوجه الأوّل ظاهراً؛ لأنّهم قد صرّحوا بأنّه لو قلنا باختصاص الخطاب بالمشافه يجب إثبات الحكم على غيره من المكلّفين بقاعدة الاشتراك، وهذا ينادي بأنّهم يجوّزون توجيه التكليف نحو الغائبين عن مجلس الخطاب.([2])

كما أنّ الظاهر أنّه ليس الملاك الوجه الثالث.

وعلى کلّ حال، فنحن نتكلم في الوجوه الثلاثة المذكورة ونقول:

أمّا الوجه الأوّل: وهو أن يكون ملاك النزاع إمكان توجيه الخطاب المتكفّل للتكليف بما أنّه تكليف لغير من كان حاضراً في مجلس الخطاب، فلا ريب في أنّه إن اُريد بإمكانه إمكان تكليف المعدوم وبعثه وزجره فعلاً، فلا يكون له معنىً معقولاً، ولا يظنّ بأحد أن يكون مراده هذا. وإن اُريد منه مجرد إنشاء الطلب وإلقاء اللفظ حتى ينتزع منه التكليف والطلب وبعث المعدوم في ظرف وجوده، فهذا معنى معقول لا مانع منه عقلاً، فلو أراد المولى صدور الفعل عن عباده المترتّبين في سلسلة الوجود فلا مانع من أن ينشأ الطلب حتى ينتزع منه التكليف على کلّ من يوجد في ظرف وجوده.

 

هذا، ولكن المحقّق الخراساني+ أفاد في هذا الوجه: بأنّ المراد ـ من تعلّق الطلب بما هو أعمّ من الحاضرين وغيرهم من المعدومين ـ إن كان تعلّق الطلب فعلاً وحقيقةً، فهو ممتنع.

وإن كان المراد منه إنشاء الطلب وتعلّقه به مقيّداً بوجود المكلّف، فهو بمكان من الإمكان.

وإن كان المراد تعلّق الطلب بما هو أعمّ على نحو الإطلاق ـ بمعنى مجرّد إنشاء الطلب بلا بعث وزجر ـ وفائدة هذا الإنشاء صيرورته فعلياً بعد وجود الشرائط وفقد الموانع، فلا مانع منه أيضاً.([3])

وأنت خبير بأنّ الوجه الأخير راجع إلى الوجه الثاني، لأنّ الطلب الإنشائي أيضاً لا يتعلّق بالمعدومين فعلاً. ولو قلنا بأنّ الطلب موضوع للطلب الإنشائي الإيقاعي، كما هو مختار المحقّق المذكور، فلا فائدة في الطلب الإنشائي من غير أن يكون متعلّقاً بالمكلّف في ظرف وجوده. وانتزاع الطلب وصيرورته قابلاً لتحريك العبد بعد وجوده إنّما يكون من جهة تعلّق الطلب بالمكلّف في ظرف وجوده وإنشائه لانبعاثه كذلك، لا من جهة مجرّد إنشاء الطلب.

فالتحقيق أن يقال: إنّ الطلب المتوجه إلى المعدوم في حال كونه معدوماً محال، وإلى المعدوم بحسب حال وجوده لا مانع منه؛ وهذا أمر لم ينكره أحد من العلماء.

لا يقال: إنّ الطالبية والمطلوبية لابدّ وأن تكونا متكافئتين في القوّة والفعل كما هو شأن المتضائفين، وعليه فلابدّ من وجود طرفي التكليف حتى يتحقّق.([4])

فإنّه يقال: فرق بين الإضافة المقولية وبين الأعراض والصفات ذوات الإضافة كالعلم والقدرة وما شابههما؛ فإنّ فيها لا يلزم أن يكون كلّ واحد من طرفي الإضافة

 

موجوداً بالفعل بل يكفي وجود أحدهما؛ ألا ترى أنّ العالم موجود لكن المعلوم ليس بموجود، والقادر موجود والمقدور ليس بموجود، فليكن الطلب والطالب أيضاً من هذا القبيل، فلا مانع من وجود الطلب والطالب مع عدم وجود المطلوب والمطلوب منه فعلاً.

وأمّا الوجه الثاني، وهو: إمكان مخاطبة المعدومين وتوجيه الخطاب نحوهم، فنقول: لا يخفى عليك: أنّ الخطاب عبارة عن توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، والظاهر أنّه لا يجب أن يكون مشتملاً على أدوات الخطاب، بل توجيه الكلام نحو الغير يكون خطاباً سواء كان مشتملاً على أدوات الخطاب أم لا. نعم، لا مضايقة من القول بكون الخطاب فيما كان الكلام مشتملاً على أدوات الخطاب آكد، وهكذا إذا كان مشتملاً على أدوات التنبيه وأسماء الإشارة بل والضمائر. كما أنّ الظاهر أنّ الخطاب لا يجب أن يكون كلاماً بل يحصل بغيره مثل الكتابة.

ولا يجب أن يكون المخاطب موجوداً حين صدور الخطاب من المتكلّم، كما هو حال بعض العبائر المذكورة في الكتب ك «أيّها القرّاء» وغيره.

وأمّا إذا كان الخطاب حاصلاً بالكلام فهو وإن كان يمكن أن يقال بوجوب كون المخاطب موجوداً في مجلس الخطاب، لأنّ الكلام يكون غير قارٍّ بالذات عند القدماء. ولكن في مثل زماننا حيث ظهر خلاف هذا الرأي وثبت بقاء الكلام في عالم العين وقراره، فلا يضرّ بالخطاب الحاصل بالكلام أيضاً عدم وجود المخاطب (بالفتح) عند توجيه الكلام.

وأمّا الكلام في الوجه الثالث: فأفاد المحقّق الخراساني& بأنّ ما وضع للخطاب، مثل أدوات النداء، لو كانت موضوعة للخطاب الحقيقي فاستعماله في الخطاب الحقيقي يوجب تخصيص ما يقع تلو هذه الأدوات بالحاضرين في مجلس الخطاب، كما أنّ مقتضى إرادة العموم من مدخولها استعمال تلك الأدوات في العموم.

 

ثم أفاد بعد ذلك بأنّ أدوات الخطاب ليست موضوعة للخطاب الحقيقي بل تكون موضوعة للخطاب الإيقاعي الإنشائي، فالمتکلّم تارة: يوقع بها الخطاب تحسّراً وتأسّفاً ونحوهما، وتارة: يوقع بها الخطاب حقيقة، فلا يصير استعمال تلك الأدوات في الخطاب الحقيقي سبباً لتخصيصها بمن يصحّ مخاطبته. نعم، دعوى الظهور انصرافاً في الخطاب الحقيقي ليس ببعيد. وهذا إذا لم تكن قرينة على خلافه كما هو الشأن في الخطابات القرآنية مثل: «يا أيّها الذين آمنوا» وغيره، ضرورة عدم اختصاص الحكم فيها بمن كان حاضراً في مجلس الخطاب، كما لا يخفى... إلى آخر ما أفاده+.([5])

والّذي ينبغي أن يقال في المقام: إنّ الخطاب الّذي هو عبارة عن توجيه الكلام نحو الغير للإفهام ليس من الاُمور الاعتبارية الإنشائية، فإنّ الأمر الاعتباري تارة: لا يكون ممّا بحذائه شيء في الخارج كالملكية والزوجية وإنّما يوجده من بيده الاعتبار، وتارة: لا يكون بحذائه شيء في الخارج ولكن لا يكون وجوده بإنشاء شخص واعتبار معتبر كالفوقية والتحتية، وثالثة: يكون بحذائه شيء في الخارج وينتزع منه هذا الأمر كالمخاطبة الّتي تنتزع من نفس توجيه الكلام نحو الغير، فالخطاب والمخاطبة لا يكون من الاُمور الإنشائية بل إنّما ينتزع من نفس توجيه الكلام نحو الغير.

وأيضاً نقول: لا شكّ في أنّ الألفاظ المفردة إنّما وضعت لمعانيها المخصوصة، كما أنّ وضع الهيئات يكون بإزاء الانتسابات الّتي تكون بين بعض هذه المعاني مع الآخر سواء كان تلك الانتسابات تامة أو ناقصة. فالمتکلّم إذا تکلّم بکلام واستعمل الألفاظ في معانيها الموضوعة لها إمّا يكون إفهام الغير علّة غائية لفعله هذا وهو تکلّمه وتلفّظه بتلك الألفاظ كما إذا أخبر بمجيء زيد أو قيام عمرو إذا كان كلامه إخباراً؛ وكما إذا تکلّم بکلّام لحصول معنى اعتباري وإيجاده في عالم الاعتبار وإيقاعه إذا كان كلامه

 

إنشاءً من غير فرق في ذلك بين الخطابات وغيرها. وإمّا تكون غاية فعله وتكلّمه إظهار الاشتياق أو التحسّر أو شيئاً آخر من هذا القبيل، من غير أن تكون علّته وغايته إفهام الغير. ففي كلّ من الموردين يستعمل اللفظ في معناه ولكن غرضه من ذلك يكون إفهام الغير أو غيره، وليس هذا مجازاً لفظياً؛ لأنّه استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي وجعله عبرة وطريقاً لمعنى آخر، وإنّما يعدّ هذا من المجازات العقلائية، ولذا لو شكّ المستمع في أنّ الغاية الّتي أرادها المتكلّم من تکلّمه هل هي الإفهام أو غيره؟ يحمل على أنّه أراد الإفهام.

فظهر من ذلك عدم صحّة ما أفاده في الكفاية من كون ما وضع له أدوات الخطاب يكون معنى أعمّ يعبّر عنه بالخطاب الإنشائي الإيقاعي، بل اللفظ يستعمل في معناه الحقيقي وأدوات الخطاب أيضاً تكون موضوعة للخطاب الحقيقي وتستعمل فيه، ولكن المتکلّم تارة يتكلّم بها ويستعملها في معانيها لإفهام الغير، واُخرى لجهة اُخرى، هذا.

إذا عرفت ذلك، فنقول في مقام بيان أصل المطلب: إنّ المراد بإمكان توجيه الخطاب نحو المعدومين وعدمه إن كان إمكانه في حال كونهم معدومين، فلا يمكن قطعاً، وليس قابلاً لأن يكون محلّ النزاع، ولا أظنّ بأحد أن يكون مراده هذا.

وإن كان المراد إمكان مخاطبة المعدومين في ظرف وجودهم لانبعاثهم في هذا الوقت، فلو كان ما يخاطب به شيئاً غير قارٍّ بالذات كالكلام ـ بحسب رأي القدماء ـ لا يصحّ به مخاطبة المعدومين، وإن لم يكن كذلك بل كان ما يخاطب به ممّا يبقى منه أثر ويكون قابلاً لتحريك المعدومين في ظرف وجودهم كالخطابات القرآنية بل الخطابات المذكورة في الكتب والرسائل، فلا مانع من مخاطبة المعدومين به في ظرف وجودهم. ومثله ما إذا علم المتکلّم بأنّ كلماته تحفظ وتضبط وتنقل إلى الناس جيلاً بعد جيل. ولا يخفى: أنّ الخطابات القرآنية من هذا القبيل؛ لأنّها اُنزلت لأن تكون سبباً لانبعاث جميع الناس إلى طاعة الله تعالى شأنه.

 

وحاصل ما ذكرنا: أنّ الخطاب والمخاطبة لا تكون من الاُمور الإنشائية الإيقاعية، كما زعمه صاحب الكفاية، بل إنّما تكون من الاُمور الانتزاعية الّتي تنتزع من نفس إلقاء المتکلّم الكلام نحو الغير للإفهام، فلا تكون أدوات الخطاب موضوعة للخطابات الإيقاعية الإنشائية، بل هي للخطابات الواقعية الحقيقية. فما يظهر من كلامه ـ من أنّ خطاب المعدومين لا يمكن تصحيحه إلّا إذا قلنا بكون أدوات الخطاب موضوعة للخطاب الإيقاعي الإنشائي ـ فاسد جدّاً.

كما أنّ توهّم كون محلّ النزاع جواز مخاطبة المعدومين في حال عدمهم وتوجيه الكلام نحوهم وعدم جوازها، كما يظهر أيضاً من كلامه، بعيد من الصواب؛ لأنّه لا نزاع في ذلك ولا يقول أحد بجواز خطاب المعدومين في حال عدمهم حتى ينـحصر طريق تصحيحه على القول بأنّ أدوات الخطاب موضوعة للخطابات الإنشائية.

بل محلّ النزاع إنّما يكون في إمكان توجيه الكلام لإفهام المعدومين ـ في ظرف وجودهم ـ ومخاطبتهم، وعدم إمكانه كذلك. وإمكان هذا بعد ما ذكرنا واضح لا سترة فيه إذا كان ما به يتحقّق الخطاب قابلاً لأن يبقى ولو بوجوده الكتبي.

ويدلّ على ما ذكرنا من توجّه الخطابات القرآنية إلى الجميع قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ الله‏ُ شَهيدٌ بَيْني وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِاُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾.([6])

لا يقال: إنّ ظاهر هذه الآيةیدلّ على خلاف ما استدلّ به، من جهة عطف «وَمَن بَلَغ» على ضمير الخطاب الواقع في كلمة «لاُنذِرَكُم» فلو كان الخطاب شاملاً للمعدومين أيضاً لكان قوله «وَمَن بَلَغ» زائداً.

لأنّه يقال: إنّ المخاطب بهذه الآية هو النبيّ| كما یدلّ عليه قوله: «قُلْ»، وفي مثله

 

لا مجال لدعوى شمول الخطاب للمعدومين كما هو كذلك في سائر المخاطبات الّتي يكون المخاطب فيها رسول الله صلوات الله عليه وآله.

ولا يخفى أنّا لو لم نقل بأنّ المخاطب بالخطابات القرآنية مثل: «يا أيّها الذين آمنوا» و«يا أيّها الناس» يكون جميع المكلّفين وقلنا باختصاصه بالحاضرين في مجلس الخطاب، يلزم منه القول بعدم توجيهها إلى الحاضرين في مجلس النبيّ| والسامعين منه أيضاً؛ لأنّ الخطاب إنّما يكون ملقى على النبيّ| وهو المخاطب به، فلا يكون حال الحاضرين في مجلسه إلّا حالنا؛ لأنّ النبيّ| يحكي القرآن ويقرأه ولا تكون قراءته كلام الله تعالى إلّا كقراءة غيره. هذا خلاصة الكلام في المقام.

 

([1]) الخراساني، کفایة الاُصول، ج1، ص354 355.

([2]) القمّي، قوانین الاُصول، ج1، ص240؛ الأصفهاني، الفصول الغرویة، ص185؛ النائیني، فوائد الاُصول، ج2، ص549.

([3]) الخراساني، کفایة الاُصول، ج1، ص355 356.

([4]) القمّي، قوانین الاُصول، ج1، ص229.

([5]) الخراساني، کفایة الاُصول، ج1، ص356 359.

([6]) الأنعام، 19.

موضوع: 
نويسنده: