سه سروده از معظم له در مدح حضرت معصومه سلام الله عليها   شفيعه محشر اين بارگه كه خاك درش مُشكِ اذفر است بويش چو بوى خُلد برين روح‌پرور است دار الشّفا و عـقده‌گشا و فرح‌فزاست باب امان ز محنـت فرداى محشر است طور حضـور و مطلـع نور...
دوشنبه: 31/خرد/1400 (الاثنين: 11/ذو القعدة/1442)

تحرير محلّ النزاع

وممّا ذكرنا ظهر أنّ تحرير محلّ النزاع يمكن على أنحاء:

أحدها: أنّ الاحتمال هل يكون منجّزاً أو لا؟ بمعنى أنّ احتمال التكليف هل يكون موجباً لتنجّز التكليف المحتمل لو كان في البين، فيصحّ للمولى عقاب العبد لو لم يأت بمحتمل الوجوب أو أتى بمحتمل الحرمة ويعدّ خارجاً عن رسوم العبودية وطاغياً على المولى أو لا؟

ثانيها: أنّه هل أوجب الشارع الاحتياط الطريقي في موارد الشكّ في التكليف أو لا؟

والفرق بين هذا الوجه والوجه الأوّل: أنّ النزاع في الأوّل يكون كبروياً بأنّ الشكّ في التكليف هل يكون منجّزاً له أو لا؟ وفي الثاني يكون صغروياً وهو أنّ الشارع هل أوجب الاحتياط الطريقي في مورد احتمال التكليف أو لا؟ بعد اتّفاق الطرفين على تنجّز التكليف مع وجوب الاحتياط الطريقي.

ثالثها: أنّ التكليف هل يكون مع الشكّ فيه منجّزاً، إمّا لكون الاحتمال منجّزاً، أو لجعل الشارع الاحتياط الطريقي أو لا؟

والوجه الأوّل هو محلّ نزاع القدماء في أصالة البراءة ومورد لجريانها عندهم، وقد يعبّر عنها في کلمـاتهم بحكم العقل أو استصحاب حال العقل.

ومرادهم من استصحاب حال العقل: أنّ العقل قبل بعث النبيّ| بالشـرع مستقلٌّ بعدم كون الاحتمال منجّزاً وعدم تنجّز التكليف به، فبعده أيضاً حاله حال ما قبل الشـرع، فيستصحب حاله قبل الشرع إلى ما بعده.

وأمّا الوجه الثاني، فقد حدث الاختلاف فيه بين المتأخّرين من الأخباريّين في الشبهة التحريمية، لما زعموا من دلالة بعض الأخبار على وجوب الاحتياط في الشبهات التحريمية دون غيرها.

 

ولا يخفى عليك: أنّه بناءً على الوجه الأوّل ـ في تحرير محلّ النزاع ـ لا مجال للاستدلال بالأخبار، والدليل عليه منحـصرٌ في حكم العقل واستقلاله له بقبح مؤاخذة المولى عبده بالمخالفة المترتّبة على عدم الاعتناء باحتمال التكليف.

وأمّا ما في ألسنتهم في مقام الاستدلال على البراءة من قبح العقاب بلا بيان، فهو عين المدّعى، إلّا أن يراد منه استقلال العقل بذلك.

وبناءً على الوجه الثاني لا مجال للاستدلال بالدليل العقلي، بل الدليل على عدم إيجاب الاحتياط ليس إلّا الأخبار.

وأمّا على الوجه الثالث فيجب اختصاص الدليل العقلي لإثبات عدم كون الاحتمال منجّزاً للتكليف، والأدلّة النقلية لإثبات عدم وجوب الاحتياط. فما استقرّ عليه مشـيالمتأخّرين كالشيخ والمحقّق الاُستاذ في الكفاية من ذكر الأدلّة الأربعة دليلاً على البراءة على حدّ سواء؛ ليس في محلّه، كما لا يخفى.

ثم إنّه لا يخفى عليك: أنّ ما ذكره المحقّق الاُستاذ في عبارته المذكورة الّتي صدرت تحريراً لمحلّ النزاع في أصل البراءة وهو قوله: «ولم تنهض حجّة عليه جاز شرعاً وعقلاً... إلخ».

لا يستقيم بحسب الظاهر، فإنّ الحجّة عبارة عمّا ينجّز التكليف ويوجب استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعي، وعليه فمعنى هذه العبارة أنّه لو شكّ في وجوب شيء أو حرمته ولم ينجّز ذلك التكليف المحتمل ولم يقم عليه ما يوجب استحقاق العقاب على مخالفته، لم يكن ذلك التكليف منجّزاً وليس العبد في مخالفته مستحقّاً للعقاب. وهذا ليس أمراً يتنازع فيه، لضرورته وعدم تطرّق احتمال الخلاف فيه؛ فإنّ التكليف إذا لم يكن منجّزاً لم يكن منجّزاً.

فعلى هذا، لابدّ أن يكون غرضه من هذه العبارة: أنّه لو شكّ في تكليف إلزاميّ ولم

 

يقم على أحد طرفيه دليل، جاز عدم الاعتناء بهذا الاحتمال، ولا يكون مجرّد الاحتمال منجّزاً للتكليف الواقعي.

لا يقال: إنّ مجرّد الاحتمال والشكّ لا يمكن أن يكون منجّزاً للتكليف، ولا أظنّ أحداً يلتزم به حتى يقع ذلك محلّا للنزاع.

فإنّه يقال: إنّ هذا وإن كان يوجد في کلمـات بعضهم ولكن لا أصل له، لإمكان كون الاحتمال منجّزاً، بل هو واقعٌ في بعض الموارد كاحتمال صدق مدّعي النبوّة، فإنّه منجّزٌ وموجبٌ لاستحقاق العقاب على عدم الاعتناء بالتحقيق والتفحّص وتحصيل المعرفة لو اتّفق كون من يدّعي النبوّة صادقاً (دون من لا يحتمل ذلك أصلاً كالمسلم المعتقد بخاتمية دين الإسلام وأنّ محمّداً| خاتم النبيّين). ومثل احتمال وجود التكاليف في الشـريعة، فإنّه بنفسه ملزمٌ للفحص ومنجّزٌ للتكاليف الواقعية. نعم، ليس في الشكّ جهة كشف عن الواقع كالظنّ فلا يصحّ جعله حجّة بملاحظة جهة كشفه كالظن فإنّه ترجيح بلا مرجح.

وإذا قد عرفت ذلك کلّه، فاعلم: أنّ الكلام يقع تارةً في أصل البراءة على الوجه الأوّل ـ الّذي ذكر في تحرير محلّ النزاع ـ فنقول: إنّ الوجدان أعظم شاهدٍ على أنّ العبد إذا احتمل توجّه تكليفٍ إليه من جانب المولى وتفحّص عنه ولم يجده لم يستحقّ في مخالفة هذا التكليف ـ بعد الفحص عنه وعدم الظفر به ـ العقاب، وليس للمولى توبيخه لمخالفته هذه، ولا يعدّ عند العقلاء خارجاً عن رسوم العبودية وطاغياً على المولى، فليس هذا الاحتمال منجّزاً لذلك التكليف بعد الفحص وعدم الظفر به.

ولا فرق في ذلك بين كون عدم ظفره بهذا التكليف لعدم بيان المولى رأساً، أو لعدم وصول البيان إلى العبد. فإنّ العقل لا يرى تفاوتاً بينهما في حكمه بعدم تنجّز هذا التكليف، فكما أنّ التكليف لا يصير منجّزاً مع احتمال نسيان المولى بيانه ولو علم عدم

 

صدور بيانٍ منه، كذلك لا يصير منجّزاً مع عدم العثور على بيانه مع الفحص وإن احتمل صدوره منه واختفاؤه عنّا لبعض الجهات الموجبة للاختفاء. فليس احتمال صدور البيان مع الفحص وعدم الظفر به إلّا كاحتمال النسيان في صورة العلم بعدم صدور البيان.

وأمّا الاستدلال على هذا بقبح العقاب بلا بيان فليس إلّا مصادرة بالمطلوب ومِن جعل الدليل عين المدّعى، لرجوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان أيضاً إلى حكم العقل بعدم استحقاق العقاب بمجرّد احتمال التكليف بعد الفحص وعدم الظفر.

وربما يستدلّ لعدم كون الاحتمال منجّزاً للتكليف بما قد مرّ تحقيقه منّا، وملخّصه: أنّ فعلية الحكم لا تتصوّر إلّا في ظرف العلم به؛ فإنّ الحكم عبارةٌ عن إنشاء الخطاب متسبّباً به لانبعاث العبد؛ وروحه وحقيقته عبارة عن إرادة انبعاثه أو انزجاره في ظرف علمه بذلك الخطاب ووصوله إليه، فإنّه لا يمكن إرادة انبعاثه عنه أو انزجاره به مطلقاً، حتى في صورة الجهل به، لعدم إمكان انبعاثه أو انزجاره كذلك، ولذا لو كان المولى مهتمّاً بحفظ تكاليفه وأراد فعلية أحكامه وانبعاث عبده نحوها مطلقاً، يجب عليه جعل حكم آخر طريقي كإيجاب العمل بالأمارة أو الأخذ بالحالة السابقة أو غيرهما.

لا يقال: انبعاث العبد نحو ما کلّفه به ليس منحصراً بصورة العلم به بل يمكن انبعاثه في ظرف احتمال التكليف.

فإنّه يقال: إنّ الانبعاث في ظرف احتمال التكليف ليس مسبّباً عن حكم المولى وتكليفه، فإنّه ليس معلولاً لوجود التكليف، بل ربما يحتمل التكليف وينبعث العبد من هذا الاحتمال ولا يكون تكليفٌ في البين أصلاً، بخلاف صورة وصوله إلى العبد فإنّ الانبعاث في ظرف وصوله مسبّبٌ عن وصول التكليف وهو مسبّبٌ عن نفس هذا التكليف.

 

فعلى هذا، لا تصير خطابات المولى فعليةً إلّا في ظرف العلم بها ووصولها إلى العبد، لعدم إرادة انبعاثه منه إلّا في هذا الظرف. وتستحيل فعلية الحكم وإرادة انبعاث العبد من الخطاب في ظرف الجهل، لاستحالة انبعاثه عنه في صورة الجهل به وإن كان يمكن انبعاثه عن احتمال التكليف.

فظهر: أنّ في صورة الاحتمال لا يكون التكليف فعلياً، لعدم إرادة المولى انبعاث العبد عن خطابه في هذا الظرف، لعدم إمكان انبعاثه كذلك. وإذا لم يكن التكليف فعلياً لا يكون منجّزاً بحيث يستحقّ العقاب على تركه، هذا.

ولكن لا حاجة إلى هذا البيان بعدما ذكرنا من استقلال العقل بعدم تنجّز التكليف بمجرّد الاحتمال، وكون ذلك من البديهيات الّتي لا يحتاج إثباتها إلى توسيط شيءٍ وتجشّم استدلالٍ.

نعم، هنا اُمور([1]) قيل بكون کلّ واحد منها وارداً على هذه القاعدة العقلية ومنجّزاً للتكليف المحتمل وموجباً للعلم باستحقاق العقاب في ظرف الاحتمال، بعضها بل کلّها ـ غير واحدٍ منها ـ تجري في الشبهة التحريمية، وواحدٌ منها تجري فيها وفي الشبهة الوجوبية.

 

([1]) أوّلها في هذه الصفحة، وثانيها في الصفحة 16، وثالثها في الصفحة 18، ورابعها في الصفحة 35.

موضوع: 
نويسنده: 
کليد واژه: