بسم الله الرحمن الرحیم قال الله تعالي: «وَ مَا أَرْسَلْنَاکَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين» و «وَ إِنَّکَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» با اهدای سلام و تحیّات به پیشگاه مقدّس حضرت ولی الله الاعظم حجة الله امام زمان ارواح العالمین له الفداء و عرض...
چهارشنبه: 1400/07/28 - (الأربعاء:13/ربيع الأول/1443)

نسخة للطباعةSend by email
بمناسبه ولاده سیدنا عبدالعظیم الحسنی علیه السلام
عَرْض الدّين في العصر الراهن
(سماحه المرجع آیت الله العظمی الصافی الکلبیکانی دام ظله)

بسم الله الرحمن الرحیم

في عصرنا الحاضر، على الجميع وخاصّة جيل الشباب والمثقّفين والجامعیّين المؤمنين الأعزّاء، أن يهتمّوا بمسألة عرض الدّين على علماء الدّين الّذين عرفوا الدّين من القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت علیهم السلام فقط، إذ أنّ يد التحريف والتأويل والتصـرّف واتّباع الاستحسان والسليقة الشخصية، قد امتدّت إلی العقائد والتعاليم الإسلامية من قبل بعض الأشخاص، ولأسباب عديدة منها: التأثّر بالحضارة الغربية، وأنَّ بعض فاقدي الأهلية والصلاحية قد نصبوا أنفسهم خطباء للدّين، فتراهم يعقدون جلسات الحوار والمناقشة، ويخطبون ويكتبون المقالات الدينية الّتي تستهدف الإسلام والتزام الناس بالعقائد والأحكام الشرعية، ويوحون للناس بأنّ التقيّد بالأحكام الشـرعية ومداليل الكتاب والسنّة، بعيدٌ عن الانفتاح الفكري والحضاري، ويحاولون تخطئة ما تلقّاه كبار العلماء والفقهاء على امتداد القرون المتمادية، معتقدين بأنّ الكثير من الأحكام الإلهية لا تناسب المزاج العصـري الّذي أسّسه الغرب أو الشـرق، متوسّلين ببعض المصطلحات الرنّانة مثل «الفقه المنفتح» أو «انقباض وانبساط الشـريعة» لاتّهام بعض الأحكام وتعطيل خاتمية وأبديّة المنهج الشـرعي ونظام الجزاء والقوانين الاجتماعية الإسلامية وغيرها.

وقد تدخَّل هؤلاء حتى في العقائد وعرّفوا الكتاب والسنّة باصطلاحات عرفانية، وبذلك يكونوا قد سلكوا طريقاً إذا استمرّوا به لم يؤدّ إلّا إلی تضعيف الالتزام الديني عند الكثير من الناس.

لقد کان عمل الأنبياء المهمّ والعظيم هو هداية الناس إلی المنهج الّذي اُمروا بتبليغه من قبل الله‏، وحثّهم على العمل بهذا المنهج والالتزام الوجداني به، هذا العمل الجبّار الّذي عجز عن مثله کلُّ الفلاسفة وکلّ أدعياء الفكر والثقافة الحديثة، ولا زالوا عاجزين.

إنَّ هؤلاء الأشخاص الّذين يدّعون الثقافة والفكر،  أينما وجدوا، فإنّهم حاولوا إضعاف الإیمان ومواجهته، ويفتخرون بأنّهم يستطيعون أن يخدشوا المعتقدات والمسلَّمات الإسلامية وأن يقلّلوا من تمسّك الناس والتزامهم بدينهم، ويفسّـرون الدين بما تشتهيه أذواقهم المتأثّرة بالثقافات الأجنبية وأحوال وأوضاع الغرب، وينكرون أو يشكّكون في الأصالة الفكرية الإسلامية.

وللأسف الشديد، فإنّ بعض هذه الأحابيل قد أثّرت في بعض طبقات المجتمع الإسلامي برجاله، ونسائه خاصّة، وأنّها منمَّقة ومطليّة بطلاء التجديد الديني والرجوع إلی الذات ممّا أدّى إلی إدخال الوسوسة في بعض المسائل الدينية المسلّمة، والالتزامات الإسلامية عند البعض.

ولا يخفى أنّ مثل هذه المخالفات والمواجهات للشرع الحنيف يكون لها صدىً إعلامي، ومن هنا تجد أنّ أبطال مثل هذه الاتّجاهات هم من عشّاق الشهرة والصيت الذائع الّذين يحاولون الظهور على ساحة المجتمع بأيِّ ثمن حتّى لو کان إنکار المسلَّمات الدينية والمقدّسة عند المسلمين، فهؤلاء عاجزون تماماً عن شقّ طريق الوجاهة والرفعة، لخوائهم وضعفهم وعدم أهليّتهم، فيتشبّثون بمثل هذه الاُطروحات الهزيلة لكسب السمعة والشهرة، وهم يعرفون تماماً أنّهم کلّما ازدادوا في هتك الحرمات وإثارة الشبهات وإهانة المقدّسات وإنكار القيم الاجتماعية، ازدادت شهرتهم، وهذا ما يطمحون إلیه، ولا شكّ في أنّ هؤلاء سيكون لهم أتباع ومروّجون ممّن تتعارض مصالحهم الشخصية وأهواؤهم وأمزجتهم مع تلك المسلّمات العقائدية والدينية.

فالكثير من المتأثّرين بالغرب ومن يتصوّرون أنّهم من المجدّدين، يعتبرون أنّ الكاتب والخطيب المتحرّر المثقّف هو الأكثر جرأةً على محاربة المقدّسات والمسلّمات الإسلامية والاستهزاء بها.

ومن ثمَّ تجد بأنّ كتاب المرتدّ سلمان رشدي، والّذي کان عارياً عن أيِّ استدلال منطقيّ وتوجيه معقول، والخالي من أيِّ ردٍّ فكريّ وجيه، قد عدَّته بعض المحافل الّتي لا ترى للحرّيّة حدّاً، من الكتب الفكريّة المتحرّرة المنفتحة،  کلّ ذلك لأنّ ما ورد في الكتاب هو أعلى ما يمكن من درجات الإهانة والجرأة على الشخصيات المقدّسة عند المسلمين بل عند کلّ العالم، فصار رشدي وكتابه مشهوراً عن طريق هتك القداسة وإهانة العصمة والطهارة، ولذا فقد قامت القوى الاستعمارية الّتي رقصت على أنغام هذه السنفونية، قامت بحماية هذا المرتدّ والدفاع عنه، مع أنّ الكتاب فاقدٌ للمحتوى الفكريّ المنطقيّ المستدلّ.

ولذا، فإنّ شبابنا إذا ما أرادوا الأمان من شرِّ إضلال مثل هؤلاء المجدّدين الصوريّين، وأن يتعلّموا الدين الإسلامي الصحيح والمنزّه وكما اُنزل على قلب النبيّ الأكرم صلی الله علیه و آله  وأخذه من مصادره الأصيلة النقيّة، عليهم أن يراجعوا بأنفسهم تلك المصادر، وأن يعتبروا الكتاب والسنّة الخاليين من التأويل والتوجيه، حجّة دامغة، أو أن يرجعوا إلی حَملَة الإسلام، أي اُولئك الّذين أخذوا الدين من مكتب أهل البيت^، والّذين غاصوا بحار هذين المصدرين وسبروها، فإنّ هؤلاء معروفون عند الجميع، أمثال أبي ذرّ والمقداد وسلمان وسُليم ومحمد بن مسلم وابن أبي عُمير والفضل بن شاذان وابن بابويه والکليني والشيخ الطوسي وتلامذتهم وتلامذة تلامذتهم إلی يومنا هذا، من العلماء والفقهاء والمراجع الكرام.

فهذه الطبقة من العلماء هم الّذين تناقلوا الإسلام والدين الصحيح على مرِّ الأعصار والأدوار بعد أن تلقّوه من مصادره الأصلية يداً بيد وصدراً بصدر وروحاً بروح، ونقلوه إلی الخَلَف عن السلف، فلو لم يكن هؤلاء المخلصون لم يتمكّن الآخرون من الحفاظ على هذه الأمانة الغالية، ولعمَّت غوغاء البحوث الفلسفية وأفكار وآراء الصوفية لهذا وذاك، ولم يكن ليبق شيء ثابت وخالص ولا لتسلم المباني الاعتقادية الإسلامية من خطر الانحراف والتأويل.

فکلّ المطَّلعين المنصفين يعرفون تماماً أنّ أمثال هؤلاء الأفذاذ من العلماء هم المنفردون من سائر أقرانهم من أرباب العلوم العقلية والمشهورين من المتبحّرين في العلوم الإسلامية، في حفظ الإسلام وصيانته، فكان لهم الدور الأساسي في تبليغ الدين للأجيال اللاحقة، والمناهج الاُخری كالفلسفة والعرفان الاصطلاحي لم يكن لها مثل هذا الاهتمام وَلم تسْعَ لتحقيق هذا الهدف.

ولا شكّ في أنّه لو خُلّي الأمر بين المسلمين وبين أمثال علاء الدولة السمناني وبين بايزيد وأبي سعيد وصوفية الهند وإيران والخانقاهات الكئيبة، كان الشـيء الوحيد الّذي يفتقده المسلمون اليوم هو «الإسلام» وکلّ ما كان موجوداً حينها، يعجز عن إدارة الدين والدنيا.

فمثل «ابن الفارض والسهروردي وابن العربي»، لم يكن لهم دورٌ في هذا المجال، وما قام به السیّد الميرداماد ـ عليه الرحمة ـ من خدمات في حفظ الدين وصيانة آثار أهل البيت^، لا يمكن حسابه في خانة تجرّه في الفلسفة وما قال هو عنه في مشاركته لفلاسفة اليونان فيه، ومع أنّه ـ رحمه الله ـ قد استعان بالفلسفة في بعض آرائه ونظراته في بعض المسائل الإسلامية، لكن خدماته وخدمات أمثاله للإسلام، کانت نتيجة تخصُّصه في مجالات العلوم الإسلامية والمعارف القرآنية وآثار أهل البيت علیهم السلام لا غير.

وعلى أيِّ حال، في مسألة «عرض الدّين» وتحصيل الاطمئنان بمطابقة دين الشخص مع الدين الّذي جاء عن النبيّ والأئمّة الأطهار علیهم السلام وأنّه دين الله، يكون المعيار والمناط الوحيد هو الوحي الإلهي وکلمات أهل البيت علیهم السلام

وبمقتضى: «هَذَا الْعِلمُ دينٌ فَانظُروا عَمَّنْ تأخُذُونَ دينَكُمْ»،([1]) لابدّ من أخذ دين الله‏ وعلم الدين من أهله وفي کلّ المجالات.

([1]) الدارمي، سنن، ج1، ص113؛ مسلم النیسابوري، صحیح، ج1، ص11؛ ابن عبد البرّ، التمهید، ج1، ص45 ـ 47، 67؛ الخطیب البغدادي، الکفایة في علم الروایة، ص150؛ السیوطي، الجامع الصغیر، ج1، ص384؛ الشهید الثاني، منية المريد، ص239.