در کتاب شريف و گرانسنگ عيون اخبار الرضا عليه آلاف التحیة و الثناء، محدّث جليل و شیخ اعظم صدوق رضوان‌الله تعالي عليه از عبدالسّلام بن صالح هروي روايت مي‌کند که امام رضا علیه السلام فرمود: «رَحِمَ اللهُ عَبداً أحيی أمرَنا؛ فَقُلتُ لَه: وَ کَيفَ يُحيی...
سه شنبه: 17/تير/1399 (الثلاثاء: 16/ذو القعدة/1441)

نقد الاستدلال بآية النبأ

وقد أوردوا على استفادة المفهوم والاستدلال به بوجوه نذكر بعضاً منها.

أحدها: ما عن بعض المتقدّمين كالشيخ+ في العدّة([1]) وغيره،([2]) وهو: أنّ الإتيان بالوصف وكلّ قيدٍ زائدٍ إنّما يدلّ على المفهوم ودخل القيد في الحكم إذا لم تكن في البين قرينة على خلاف ذلك، كأن تكون للقيد المأتيّ به فائدة ظاهرة عرفاً غير دخله في الحكم، مع أنّها موجودة في ما نحن فيه وهي عبارة عن: التعليل المذكور في ذيل الآية، فإنّه يدلّ على أنّ ما هو العلّة لوجوب التبيّن ليس إلّا عدم إصابة القوم في الجهالة والوقوع في الندامة، وهو مشترك بين خبر العادل والفاسق.

هذا مضافاً إلى إمكان أن يكون ذكر ذلك القيد لإظهار فسق الوليد؛([3]) فإنّ مورد

 

نزول الآية كان إخبار الوليد بارتداد بني المصطلق، وذكر الوصف إنّما يكون لأجل التنبيه على فسق هذا الفاسق.([4])

ثانيها: أنّ من المعلوم كون المعلول تابعاً لعلّته في العموم والخصوص، فالعلّة كما تخصّص مورد المعلول تكون معمّمة له أيضاً، فإنّ التعليل المذكور في قولنا مثلاً: «لا تأكل الرّمان لأنّه حامض» كما يخصّص الحكم بالأفراد الحامضة من الرمّان، يكون معمّماً له بالنسبة إلى غير الرّمان ممّا يكون متّصفاً بالحموضة.

فعلى هذا، لا يصحّ التمسّك بالمفهوم مع وجود التعليل المذكور في ذيل الآية، فإنّ حرمة العمل بقول الفاسق بدون التبيّن قد علّلت بمقتضى هذا التعليل بكونه معرضاً لإصابة القوم بالجهالة الموجبة لحصول الندامة، وهو مشترك بين خبر العادل والفاسق وإن كانت معرضية خبر الفاسق لذلك آكد من جهة أنّ احتمال الخلاف في نبأ الفاسق يكون لأجل احتمال تعمّده الكذب ولأجل خطأه واشتباهه، وفي نبأ العادل لأجل احتمال اشتباهه دون تعمّده، ولو سلّم ذلك فلا مجال لإنكار ضعف احتماله.

واُجيب عن هذا الإشكال بكون النسبة بين المفهوم والتعليل العموم والخصوص المطلق فيجب أن يحمل العامّ على الخاصّ.

وفيه: أنّ حمل العامّ على الخاصّ إنّما يكون لأجل نصوصية الخاصّ وظهور العامّ في مورد الخاصّ فيحمل العامّ على الخاصّ حملاً للظاهر على النص، وليس ظهور الجملة في المفهوم أقوى من ظهور العامّ حتى يحمل العامّ عليه. هذا مضافاً إلى أنّ التعليل المذكور مانع عن انعقاد ظهور الجملة في المفهوم حتى يقال بتعارضهما وحمل إحداهما على الآخر.

 

وقد يجاب عنه: بأنّ الجهالة المذكورة ليس معناها عدم العلم حتى يكون مشتركاً بين العمل بخبر العادل والفاسق، بل المراد منها هو السفاهة وفعل ما لا ينبغي صدوره عن العقلاء، وهذا غير موجود في العمل بخبر العادل.([5])

وفيه أوّلاً: أنّ هذا خلاف الظاهر من لفظ الجهالة.

وثانياً: لو سلّمنا احتمال هذا اللفظ لهذا المعنى يصير التعليل مجملاً، ومعه لا يمكن التمسّك بالمفهوم لوجود ما يصلح للقرينية على إرادة الخلاف. ولا يرفع هذا الإشكال وجود القدر المتيقّن؛ لأنّ إجمال التعليل مانعٌ عن انعقاد ظهورٍ للمعلّل.

وربما يجاب عن هذا الإشكال بأنّ وزان ذيل الآية ووزان سائر الآيات الناهية عن العمل بغير العلم واتّباع الظنّ واحدٌ، ولكن يخصّص هذا العموم بظهور الجملة في المفهوم.([6])

وقد اُجيب أيضاً عن الإشكال المذكور بأنّ العلّة الموجبة لوجوب التبين وإن كانت إصابة القوم بجهالة ومعرضية خبر الفاسق لإصابة القوم بها، ولكن ليست هذه بنفسها علة لوجوب التبين بل بملاك حصول الندامة على الأخذ بقول الفاسق والعمل على طبقه، والظاهر أنّ الندامة المذكورة هي الندامة الاُخروية الحاصلة من رؤية العذاب وحين المحاسبة، كما قال الله‏ تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَـمَّا رَأَوُا العَذَابَ([7]) لا الندامة الدنيوية، وحيث إنّ ملاك الندامة الاُخروية غير معلوم لنا ولا يعلم إلّا من قبل الشارع يصير التعليل مجملاً ولا يمكن استفادة عمومه لخبر غير الفاسق، فلا مانع من استفادة

 

المفهوم لانعقاد ظهوره، فالتعليل يكون شبيهاً بالإيعادات المذكورة في بعض الآيات بعد بيان الأحكام ليكون مؤكّداً في البعث والزجر.

وفيه أوّلاً: أنّا لا نسلّم أن يكون المراد بالندامة الندامة الاُخروية، بل المراد بها الندامة الدنيوية.

وثانياً: أنّه وإن كانت سببية الأفعال للعذاب والعقاب وحصول الندامة في الآخرة على الأعمال لا تعلم إلّا من قبل الشارع وبيانه، إلّا أنّه قد بيّن في الآية الشـريفة كون إصابة القوم بجهالة علّة لحصول الندامة وهي مشتركة بين خبر العادل والفاسق، كما لا يخفى.

وقد أجاب بعضٌ من أعاظم المعاصرين عن التعارض المذكور بين التعليل وظهور الجملة في المفهوم بحكومة المفهوم على التعليل؛ لأنّ المفهوم يدلّ على إلغاء احتمال مخالفة خبر العادل للواقع وكون الأخذ به أخذاً بالعلم تشـريعاً وجعله محرزاً للواقع وكاشفاً عنه، فلا يشمله عموم التعليل، لا لأجل تخصيصه بالمفهوم بل لحكومة المفهوم عليه وكونه كالمفسّر له. فأقصى ما يقتضيه العموم هو عدم جواز العمل بما وراء العلم، والمفهوم يقتضي أن يكون خبر العدل علماً في عالم التشريع وموجباً لتضييق موضوع عموم التعليل وإخراج خبر العادل عنه موضوعاً بجعله محرزاً للواقع وحجةً، فلا تعارض بينهما، لأنّ المحكوم لا يعارض الحاكم ولو كان ظهور المحكوم أقوى منه.([8])

وفيه أوّلاً: أنّ اتّصال التعليل بصدر الآية مانعٌ عن ظهوره في المفهوم، ودليل على أنّ الإتيان بالقيد الزائد إنّما يكون لأجل إفادة نكتةٍ اُخرى.

وثانياً: سلّمنا أنّه مقيّدٌ للمفهوم وأنّ خبر العادل لا يجب فيه التبيّن، ولكن ليس للمفهوم لسانٌ حتى يقال بكونه كالمفسّر لدليلٍ آخر وناظراً إليه وحاكماً عليه، هذا.

 

ويمكن أن يقال: إنّ الإتيان في الكلام بقيدٍ زائدٍ يدلّ على دخله في الحكم مع ذكر التعليل الشامل لهذا القيد وغيره لا يكون عند العرف خالياً عن التهافت والمناقضة، فلو كان الكلام صادراً من المتکلّم الحكيم يوجّهونه على نحو يصير خارجاً عن التهافت واللغوية. وفي المقام يمكن أن يقال بأنّ العرف حيث يرى أنّ احتمال كون خبر الفاسق على خلاف الواقع ينشأ من تعمّده الكذب وإلقاء الغير في خلاف الواقع ومن احتمال النسيان والخطأ، وأمّا في خبر العادل فلا ينشأ إلّا من احتمال نسيانه وخطأه، وأمّا احتمال تعمّد الكذب فهو بالنسبة إليه بعيدٌ للغاية ولا يعتنى به، يحكم بأنّ مناسبة التعليل لوجوب التبيّن في خبر الفاسق دون العادل هي وجود احتمال تعمّد الكذب في خبر الفاسق دون العادل وعدم الاعتناء باحتمال الخطأ والنسيان فكأنّهم يفرضون الخبر ـ الّذي لا يتطرّق إليه احتمال كونه على خلاف الواقع وإصابة القوم بجهالة إلّا من جهة احتمال النسيان والخطأ ـ كالعلم في عدم تطرّق احتمال الخلاف إليه، وعدم كون العمل به إصابة القوم بجهالة، ولا يعتنون بالاحتمال المذكور في مقام العمل، ولهذا اُتي بالقيد في الآية تنبيهاً على الفرق الموجود بين الفاسق والعادل الّذي هو الموجب لحرمة العمل بخبر الفاسق قبل التبيّن وجوازه في خبر العادل.

ثالثها: ما لا يختصّ بمفهوم آية النبأ بل اُورد على مطلق ما استدلّ به على حجّية الخبر وهو: أنّ الآية وغيرها إنّما تقتضي حجّية الخبر إذا كان بلا واسطة، وأمّا الأخبار مع الواسطة فليست مشمولةً لها لانصـراف النبأ عن الخبر مع الواسطة، وليست الروايات والأخبار المرويّة عن الأئمّة^ إلّا كذلك، فلا تشملها أدلّة حجّية الخبر.([9])

وفيه: أنّ إخبار الشيخ& عن خبر المفيد وإخبار المفيد عن خبر الصدوق وإخبار

 

الصدوق عن خبر الكليني وكذا الكليني إلى أن ينتهي إلى الإمام×، کلّها أخبار بلا واسطةٍ، فإنّ الشيخ أخبر عن المفيد بلا واسطةٍ وهو أخبر عن خبر الصدوق بلا  واسطةٍ والصدوق أخبر عن الكليني بلا واسطةٍ وكذا الكليني إلى أن ينتهي إلى الإمام×، فليس في البين خبرٌ مع الواسطة حتى يقال بانصـراف النبأ عنه، بل کلّ واحدٍ خبرٌ بلا واسطةٍ. وكأنّه توهّم هذا المستشكل أنّ أدلّة حجّية الخبر إنّما تشمل نفس الخبر المرويّ عن الإمام× فتنصرف إلى الخبر بلا واسطةٍ فلا تشمل الروايات المأثورة عنهم بوسائط أو واسطتين.

إن قلت: نعم، ولكن شمول دليل الحجّية لخبر الصدوق الّذي أخبر به الشيخ متوقّف على كونه محرزاً بالوجدان مع أنّه ليس محرزاً بالوجدان. نعم، إخبار الشيخ+ عن الصدوق محرز بالوجدان وأمّا خبر الصدوق وسائر الوسائط فليست محرزةً كذلك بل إنّما يراد إحرازها بالتعبّد وبسبب دليل الحجّية. ولو قلنا بكفاية إحرازها بالتعبّد وبسبب دليل الحجّية في ترتّب الحكم عليه يلزم أن يكون الحكم مثبتاً لموضوعه، وهو محال.

وبالجملة: لا يكاد أن يشمل الحكم فرداً تتوقّف فرديّته على نفس الحكم ويكون ثبوته في مورد فردٍ آخر.

فلو قلنا بأنّ الحكم بتصديق العادل يجعل خبر الصدوق الّذي أخبر به الشيخ محرزاً تعبّداً، وقلنا بشمول هذا الحكم، أي الحكم بتصديق خبر العادل، لذلك أي خبر الصدوق ـ الّذي اُحرز بنفس الحكم بتصديق خبر العادل ـ يلزم أن يكون الحكم مثبتاً لموضوعه، لتوقّف فردية خبر الصدوق على فرديّة خبر الشيخ.

قلت: نعم، وإن كان لا يجوز أن يكون الحكم مثبتاً لموضوعه، إلّا أنّ لنا أن نقول بأنّ الحكم بوجوب تصديق خبر الشيخ ـ الّذي يكون محرزاً لخبر الصدوق تعبّداً ـ ليس نفس الحكم بوجوب تصديق خبر الصدوق بل هو غيره، والحكم الّذي يمتنع أن

 

يكون مثبتاً لموضوعه هو نفس حكم ذلك الموضوع، ولكن لا مانع من إثبات موضوع بسبب حكم موضوع آخر، وبعد ثبوته يترتّب عليه حكمه كما فيما نحن فيه؛ فإنّ بسبب الحكم بوجوب تصديق خبر الشيخ اُحرز خبر الصدوق، وهو موضوعٌ لوجوب تصديقه الّذي يكون وجوبه غير وجوب تصديق خبر الشيخ.

هذا مضافاً إلى أنّ خبرية خبر الصدوق بوجوده الخارجي وفرديّته للحكم بوجوب التصديق كذلك لا تكون متوقّفةً على الحكم وثبوته في مورد فرد آخر، بل إنّما تكون خبريّته بوجوده العلمي متوقّفةً على ثبوت الحكم لبعض الأفراد، وهذا لا مانع منه.([10])

إن قلت: نعم، ولكن التعبّد بالخبر وبكلّ أمارة إنّما يصحّ إذا كان للموضوع ـ الّذي قامت عليه الأمارة ـ بنفسه أثرٌ حتى يترتّب عليه ذلك الأثر بسبب التعبّد، وإلّا فلو لم يكن له أثرٌ لما صح جعله طريقا والتعبّد به، فالتعبّد بخبر العدل القائم على عدالة أحدٍ ووجوب تصديقه يجوز لأجل ما يترتّب على عدالته من الآثار من جواز الصلاة خلفه والطلاق عنده ووجوب قبول شهادته ونحو ذلك.

فعلى هذا، لابدّ من أن يكون ترتّب الأثر على الموضوع مفروغاً منه حتى يصحّ التعبّد بالأمارة القائمة على ذلك الموضوع، فبناءً على ذلك لا مانع من التعبّد بخبر زرارة عن الإمام× بوجوب شيءٍ أو حرمته لما يترتّب عليه من وجوب هذا الشـيء أو حرمته. وأمّا إذا كان الخبر خبراً مع الواسطة كخبر المفيد عن الصدوق الّذي أخبر به الشيخ فلا يترتّب عليه أثرٌ شرعيٌ حتى يجوز التعبّد بخبر الشيخ الّذي أخبر عنه، ولا يجوز الحكم بوجوب تصديقه.

ولا يكفي في ترتّب الأثر الشرعي على خبر الصدوق نفس هذا الحكم بوجوب

 

التصديق، لأنّ هذا الأثر لم يكن ثابتاً له قبل دليل الحجّية، بل لم يجئ إلّا من قبل دليل الحجّية، فيتوقّف الحكم بوجوب تصديق خبر الشيخ على كون خبر الصدوق ـ الّذي أخبر به الشيخ ـ محكوماً بوجوب التصديق، وكونه محكوماً بوجوب التصديق متوقّف على هذا الحكم.

قلت: نعم، هذا إنّما يتمّ إذا كان الحكم بوجوب التصديق بلحاظ الأفراد وأشخاص الآثار، ولكن لنا أن نقول: إنّ الحكم إنّما يكون بلحاظ طبيعة الأثر وكون القضية طبيعية، دون لحاظ خصوصيات الآثار، فيسري الحكم على هذا إلى نفس هذا الحكم ضرورة سراية الطبيعة إلى جميع أفرادها.([11])

إن قلت: سلّمنا ذلك، ولكن الحكم بوجوب تصديق خبر الشيخ متوقّفٌ على الحكم بوجوب تصديق خبر الصدوق مثلاً، وهو متوقّفٌ على كونه محرزاً بالتعبّد، وكونه كذلك متوقّفٌ على الحكم بوجوب تصديق خبر الشيخ، وهذا دور.

قلت: كما أنّ في قيام الطريق على الحكم الواقعي أو موضوعه تكون مرتبة الحكم الواقعي متقدّمة على الأمارة، والحكم الظاهري واقعاً في طول الحكم الواقعي ولا يتوقّف وجود الحكم الواقعي على الحكم الظاهري، لأنّه موجود إمّا على نحو الشأنية أو الفعلية؛ كذلك إذا قام الطريق على الطريق والحكم الظاهري على الحكم الظاهري يكون الحكم الظاهري الّذي قام عليه الطريق بحسب الرتبة متقدّماً على طريقه، مثلاً: إذا أخبر زرارة عن الإمام× بشيءٍ يكون ما أخبر به من الحكم الواقعي كوجوب هذا الشيء أو حرمته متقدّماً على إخبار زرارة ويكون إخبار زرارة الّذي هو الطريق للحكم الواقعي متقدّماً على الطريق القائم عليه وهو إخبار حريزٍ عن زرارة، وإخباره

 

عن زرارة أيضا متقدّماً على الطريق القائم عليه وهو إخبار حمّاد، وهو أيضاً يكون متقدّماً على إخبار أحمد بن محمد عنه، وهو أيضاً متقدّم على خبر محمد بن يحيى عنه، وهو متقدّم على خبر الكليني عنه. فعلى هذا، وإن كان الحكم بوجوب تصديق الكليني مثلاً وشمول «صدّق العادل» له متوقّفاً على الحكم بوجوب تصديق خبر محمد بن يحيى لكنّه ليس متوقّفاً على وجوب تصديق خبر الكليني، لكونه موجوداً بنحو الشأنية أو الفعلية مع قطع النظر عن قيام خبر الكليني عليه.

فإن قلت: إنّ هذا يتمّ لو لم يكن شمول الحكم لخبر الكليني ومحمد بن يحيى وأحمد بن محمد وجميع الوسائط في عرضٍ واحدٍ، أمّا مع كون شموله لجميع أخبار الوسائط على حدٍّ سواءٍ وعدم وجود ترتّبٍ وطوليةٍ بينها فلا يكفي ما قلت في الجواب. وبعبارة اُخرى: لا يمكن إنشاء الحكم بلحاظ الأفراد الطولية؛ لأنّ هذه الأفراد إنّما تتولّد بعد شمول الحكم لها، دون الأفراد العرضية لإمكان لحاظها في مقام جعل الحكم.

قلت: هذا إذا لم تكن القضيّة المنشأة للحكم من القضايا المحصورة الحقيقية، فإنّها لو كانت كذلك فلا مانع من شمول الحكم لجميع الأفراد العرضية والطولية.([12])

ولا يخفى عليك: أنّه لا يلزم في جعل وجوب التصديق وترتيب الأثر على خبر العادل كونه ذا أثرٍ شرعيٍّ عملي، بل يكفي في ذلك انتهاؤه إلى الأثر الشـرعي العملي فهذا يكفي مصحّحاً لجعل الحكم. هذا تمام الجواب عن هذا الإشكال.

وأمّا ما جاء في بعض کلمات الأكابر في مقام الجواب عن هذا الإيراد بأنّه يكفي في دفع الإشكال كون کلّ واحد من الوسائط جزء الموضوع لدخله في ثبوت قول الإمام، فيشمله الحكم بوجوب التصديق لأجل هذا الأثر.([13])

 

ففيه: أنّ هذا إنّما يتمّ إذا قامت الأمارات المتعدّدة على أجزاء موضوع حكمٍ واحدٍ، مثل: قيام خبرٍ على إخبار زيد بكذا، وقيام خبرٍ آخر على عدالته، فيشمل کلّاً منهما دليلُ التعبّد بالخبر لإثبات ما هو الموضوع للحكم الشرعي بسببهما، وهو خبر العادل. وما نحن فيه ليس من هذا القبيل؛ لأنّ خبر کلّ واحدٍ من الكليني ومحمد بن يحيى وأحمد بن محمد وحماد وزرارة يكون خبراً مستقلًّا وموضوعاً خاصّاً لوجوب تصديق خبر العادل.

رابعها: وهو ممّا اُورد على الاستدلال بخصوص آية النبأ: أنّ الالتزام بصحّة هذا الاستدلال يستلزم خروج المورد عن عموم المفهوم مع أنّ العامّ نصٌ في مورده، وإخراج مورده وتخصيصه به مستهجنٌ قبيحٌ؛ وذلك لأنّ مورد نزول الآية الشـريفة هو الإخبار بالارتداد وهو كغيره من الموضوعات الخارجية لا يثبت إلّا بالبينة وخبر العدلين لا عدلٌ واحدٌ، سيّما في مثل المورد الّذي يكون من الاُمور المهمّة في نظر الشرع، فلابدّ من تخصيص عموم المفهوم على نحو ينطبق مع المورد، ومع تخصيصه يسقط الاستدلال به لحجّية خبر الواحد.

وقد أجاب الشيخ+ عن هذا الإشكال كما يستفاد من رسائله أوّلاً: بعدم كون المورد داخلاً في المفهوم بل هو داخلٌ في المنطوق، فإنّ المورد هو إخبار الوليد الفاسق بارتداد بني المصطلق، والآية تدلّ بمنطوقها على وجوب الفحص والتبيّن في خبر الفاسق سواءٌ كان في الموضوعات الخارجية أو الأحكام، ولا ربط لذلك بمسألة عدم إثبات الموضوعات الخارجية إلّا بالبينة، ولا يكون هذا إخراجاً لمورد الآية عن عموم المنطوق.

وثانياً: لو أغمضنا عن هذا، وقلنا بأنّ أصل الإخبار عن الارتداد يكون مورداً للحكم بوجوب التبيّن إذا كان الجائي به فاسقاً وعدم وجوب التبيّن إذا كان عادلاً، نمنع كون ذلك تخصيصاً ومن إخراج المورد المستهجن، بل غاية الأمر كونه تقييداً

 

للحكم في طرف المفهوم، وكون حجّية خبر العدل الواحد مقيّداً بقيام خبر عدل آخر على طبقه أيضاً.([14])

ولا يخفى عليك: ما في جوابه الأوّل؛ فإنّ المفهوم ليس حاله حال غيره من الأدلّة الابتدائية مثل عموم المنطوق في الآية الشـريفة، بل هو ما يستفاد من الخصوصية الموجودة في المنطوق وهي إتيان المتکلّم بقيد زائدٍ في المنطوق، وليس له استقلاليةٌ ونفسيةٌ كالمنطوق، بل هو تابعٌ للمنطوق ومن لوازمه وخواصه، فيكون تابعاً للمنطوق في الإطلاق والاشتراط والتعميم والتخصيص والسعة والضيق.

وأمّا جوابه الثاني ففيه: أنّ البيّنة القائمة على الموضوعات حجّة واحدةٌ وليس کلّ واحدٍ من الخبرين حجّة بشرط ضمّ الآخر به، كما لا يخفى.

 

([1]) الطوسي، العدّة في اُصول الفقه، ج1، ص111.

([2]) الشریف المرتضی، الذريعة إلى اُصول الشريعة، ج2، ص535 -  536 .

([3]) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط الاُموي، اُمّه أروى بنت كريز بن ربيعة اُمّ عثمان بن عفّان، ولّاه عثمان الكوفة، وعزله بسعيد بن العاص، توفّي بالرقّة ودفن بالتليح. انظر: ابن الأثیر الجزري، اُسد الغابة، ج5، ص90-92.

وبنو المصطلق: هم فخذ من قبيلة خزرج العربية الشهيرة.

([4]) قال ابن حجر: «لا خلاف بين أهل العلم بالتأويل أنّ قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ... نزلت في الوليد». ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج11، ص125. راجع أيضاً: البصري، المعتمد في اُصول الفقه، ج2، ص117؛ الطبري، تفسیر، ج26، ص78 ـ 79؛ ابن حجر العسقلاني، الإصابة، ج6، ص321.

([5]) راجع: الخراساني، كفاية الاُصول، ج2، ص86 ؛ الخراساني، فوائد الاُصول، ج3، ص172.

([6]) لا يخفى عليك ما في هذا الجواب أيضاً ممّا أورده السيّد الاُستاذ دام ظلّه وعلاه على الجواب الأوّل، فإنّ هذا الجواب أيضاً راجع إليه، فالجواب الجواب والإيراد عليه الإيراد. وليس حاضراً في ذهني خصوص ما أورده على هذا الجواب. [منه دام ظلّه العالي] .

([7]) سبأ، 33.

([8]) النائیني، فوائد الاُصول، ج3، ص172 - 173.

([9]) الخراساني، كفاية الاُصول، ج2، ص82 .

([10]) الأنصاري، فرائد الاُصول، ص75 - 76.

([11]) الخراساني، كفاية الاُصول، ج2، ص89 .

([12]) راجع أيضاً: العراقي، نهاية الأفكار، القسم الأوّل من الجزء الثالث، ص123 - 124.

([13]) النائیني، فوائد الاُصول، ج3، ص178.

([14]) الأنصاري، فرائد الاُصول، ص76 -  77.

موضوع: 
نويسنده: