باسمه تعالی انا لله و انا الیه راجعون  رحلت عالم ربانی آیت الله آقای حاج شیخ عبدالله نظری خادم الشریعه رضوان الله علیه موجب تاثر و تاسف گردید. شخصیت بزرگواری که سالیان متمادی، در ترویج و نشر معارف نورانی اهل البیت علیهم السلام و تعظیم...
يكشنبه: 17/اسف/1399 (الأحد: 23/رجب/1442)

المقام الثاني: مقتضى الدليل في المتعارضين

مقتضى دلالة الدليل من الأخبار أو الإجماع على عدم سقوطهما عن الحجّية ـ مع قطع النظر عن الدليل الدالّ على تعيين أحدهما أو التخيير بينهما ـ هو تعيّن ما فيه رجحان على الآخر، والظنّ بكونه هو الحجّة الواقعية أو كون مؤدّاه هو الواقع، وذلك للقطع بكونه حجّة تخييراً أو تعييناً، فالمتيقّن حجّية الراجح، بخلاف غيره فإنّه محكوم بعدم الحجّية بالأصل.

وأمّا مع ملاحظة الأخبار العلاجية، فقد وقع الاختلاف بينهم على قولين:

أحدهما: التخيير مطلقاً وإن كان أحدهما راجحاً. وهو ما ذهب إليه بعض القدماء مثل شيخنا الكليني+ صاحب الكافي الشريف في ظاهر كتابه، وصاحب الكفاية من المتأخّرين.

ثانيهما: التعيين والأخذ بالراجح.

ومنشأ الاختلاف اختلاف ظاهر الأخبار، فإن بعضها يدلّ على التخيير، وبعضها ظاهر في وجوب الأخذ بالراجح. فمن قال بالتخيير حمل ما يدلّ على التعيين على الاستحباب. وبعبارة اُخرى: نظر إلى ما يدلّ على التخيير بأنّه ظاهر في تساوي عدليه ونصّ في جواز الاكتفاء بأيّهما شاء، وإلى ما يدلّ على التعيين وأنّه نصّ في رجحانه على الطرف الآخر وظاهر في تعيينه دون الآخر، فبنصّ هذا رفع اليد عن ظاهر الأوّل وبنصّ الأوّل رفع اليد عن ظاهر الثاني.

ولكن هذا بعيد عن ذهن العرف. ويمكن أن يكون المستند لمثل الشيخ الكليني+ أمراً آخر لم يصل إلينا.

وأمّا وجه الذهاب إلى القول بالتعيين والأخذ بالراجح، فهو الجمع بين الطائفتين

 

بالإطلاق والتقييد، وتقييد إطلاق أخبار التخيير بما يدلّ على التعيين عند وجود الرجحان، فالنتيجة التخيير عند فقدان الراجح والتعيين في صورة وجوده، وهذا جمع عرفي.

وبعد ذلك کلّه، لابدّ من ذكر الأخبار الواردة في علاج المتعارضين والنظر فيهما، فنقول بحول الله تعالى وقوّته:([1])

من هذه الأخبار ما دلّ على التخيير على الإطلاق كخبر الحسن بن جهم عن الرضا× قال×: قلت للرضا×: تجيئنا عنكم الأحاديث مختلفة؟

قال×: «ما جاءك عنّا فقسه على كتاب الله عزّ وجلّ وأحاديثنا فإن كان يشبههما فهو منّا، وإن لم يشبههما فليس منّا».

قلت يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيّهما الحقّ؟

فقال×: «إذا لم تعلم فموسع عليك بأيّهما أخذت».([2])

وخبر الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله‏× قال: «إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلّهم ثقة، فموسّع عليك حتى‏ترى القائم فتردّه عليه».([3])

ومكاتبة عبد الله بن محمّد الّتي رواها الشيخ عن أحمد بن محمّد([4]) عن العبّاس بن

 

معروف([5]) عن عليّ بن مهزيار([6]) قال: قرأت في كتاب لعبد الله‏ بن محمّد([7]) إلى أبي الحسن× اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله× في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم: أن صلّهما في المحمل، وروى بعضهم: أن لا تصلّهما إلّا على الأرض، فأعلمني كيف تصنع أنت لأقتدي بك في ذلك؟ فوقع×: «موسّع عليك بأيّةٍ عملت».([8])

ومكاتبة محمّد بن عبد الله‏ الحميري([9]) إلى مولانا الحجّة× في مسألة القيام من التشهّد الأوّل إلى الركعة الثالثة: هل يجب عليه أن يكبّر؟ فإنّ بعض أصحابنا قال: لا يجب التكبير ويجزيه أن يقول: بحول الله وقوته أقوم وأقعد؟

الجواب: «إنّ فيه حديثين: أمّا أحدهما، فإنّه إذا انتقل من حالة إلى حالة اُخرى فعليه التكبير. وأمّا الآخر، فإنّه روي أنّه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبّر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، وكذلك في التشهّد الأوّل يجري هذا المجرى. وبأيّهما أخذت من جهة التسليم كان صواباً».([10])

أقول: قد يقال بضعف سند خبر الحسن بن جهم بالإرسال، ولكن لا كلام في دلالته.

وخبر الحارث بن المغيرة أيضاً ضعيف السند بالإرسال. وقيل في دلالته: إنّه يدلّ على حجّية أخبار الثقة إلى ظهور الحجّة×، ولا دلالة له على حكم المتعارضين.

ولكن الظاهر من الخبر كونه ناظراً إلى صورة تعارض الحديثين. لأنّ حجّية خبر الثقة

 

ليست مغيّاة برؤية القائم#. نعم، يمكن أن يقال: إنّ القدر المتيقّن منه صورة تكافؤ الحديثين ودوران الأمر بين المحذورين وعدم إمكان الاحتياط. وبعبارة اُخرى: يكون موسّعاً عليه إذا صار تعارض الحديثين سبباً لوقوعه في الضيق والتحيّر، لا مطلقاً.

وأمّا المكاتبة الاُولى، فالظاهر منها أنّ الحكم في ركعتي الفجر التخيير الواقعي. وعلى فرض التعارض ـ لأنّ أحدهما روى لا تصلّهما إلّا على الأرض ـ يمكن أن يكون جواب الإمام× على أساس التخيير الواقعي في خصوص المورد. وعلى القول بالتعدّي عنه غايته التعدّي إلى سائر النوافل لا الواجبات وغيرها.

وأمّا المكاتبة الثانية، فقد قيل فيها: إنّ موردها خارج عمّا هو محلّ الكلام، لأنّ التعارض بين الخبرين يكون بالعموم والخصوص، فأحدهما يدلّ على استحباب التكبير إذا انتقل من حالة إلى حالة اُخرى، والآخر يدلّ على عدم استحباب التكبير إذا قام للركعة التالية، ومقتـضى الجمع العرفي هو تخصيص العامّ بالخاصّ. وحكم الإمام× بأنّ الأخذ بأيّهما من جهة التسليم يكون صواباً، لأنّ الأمر في المستحب سهل، فإن لم يكن التكبير مستحبّاً لانتقاله من حالة إلى حالة اُخرى فإنّه مستحبّ لأنّه ذكر في نفسه.

ومنها: ما دلّ على التوقّف مطلقاً.([11])

ومنها: ما دلّ على ما هو الحائط منهما.([12])

أقول: إن اُريد ـ ممّا يدلّ عليهما ـ الأخبار العامّة الدالّة على التوقّف والاحتياط في الشبهات؛ فهي مخصّصة بما يدلّ على خلاف ذلك. وإلّا فالظاهر أنّه لا يوجد ما يدلّ عليهما في الخبرين المتعارضين.

 

فالعمدة من أخبار الباب ما يدلّ على الترجيح بالمزايا والمرجحات المذكورة فيها. وأجمع خبر دلّ على المرجّحات خبران: (مرفوعة زرارة، ومقبولة عمر بن حنظلة).

أمّا الاُولى: فقد رواها ابن أبي جمهور([13]) عن العلّامة قدّست نفسه مرفوعاً إلى زرارة.

وضعفها من حيث السند غنيّ عن البيان. مضافاً إلى تصريح البعض بأنّه لم يجدها في ما بأيدينا من كتب العلّامة. ومع ذلك نجري الكلام في ما يستفاد من ألفاظها، فنقول:

أمّا الفقرة الاُولى، فإن كان المراد من قوله×: «خذ بما اشتهر بين أصحابك» ما رواه الجميع، أو جمع يوجب إخبارهم القطع بالصدور، كالمتواتر قبال خبر الواحد، فمثله خارج عن باب الترجيح بالمزية، لأنّ المتواتر قطعي الصدور ولا يعارضه الشاذّ المظنون صدوره، وما يرجّح بالمزيّة لا يخرج بها عمّا هو ظنّي الصدور، فلا يوافق قوله×: «خذ بقول أعدلهما عندك، وأوثقهما في نفسك» إذا كان أحدهما المشتهر بين الأصحاب يقينيّ الصدور.

نعم، إذا كان المراد من المشتهر ما يكون رواته عن الراوي عن المعصوم× أكثر وأشهر قبال الآخر الّذي رواته عمّن يروي عن المعصوم× أقلّ فلم يروه مثلاً عن محمّد بن مسلم إلّا نفر واحد يترتّب عليه الترجيح بالمرجّحات فيرجّح المشتهر على غيره.

وبعبارة اُخرى: الظاهر أن المراد من السؤال عن حديثين متعارضين ما إذا كان ينتهي رواة أحدهما إلى زيد ورواة الآخر إلى عمرو، والمشتهر بين الأصحاب ما كان منهما رواته عن الراوي الآخر أكثر، وعليه تستقيم الأسئلة والأجوبة التالية. بخلاف ما إذا كان المراد من المشتهر ما رواه الجميع أو كان ثابتاً بالتواتر، فإنّه لا يستقيم المعنى ولا يترتّب ما ذكره بعده من الأسئلة عليها، لأنّها ظاهرة في كون السؤال عن أخبار الآحاد. وبعد ذلك يمكن أن يقال: إنّ الترتيب المذكور في الحديث خلاف الاعتبار، لأنّه إذا كان الخبران

 

المتعارضان کلّ واحد منهما مشهوراً مروّياً واجداً کلّ منهما لشـرائط الاعتماد عليه فمقتضى الاعتبار العرفي الرجوع إلى جهة صدورهما، فما لا يمكن حمله إلّا على بيان حكم الله الواقعي هو الحجّة وهو المخالف للعامّة يقدّم على ما يمكن أن تكون جهة صدوره الموافقة معهم تقية. وعلى هذا، كأنّه لا يوافق الحديث الاعتبار، فإنّه إذا أمكن رفع التعارض بملاحظة جهة الصدور لا تصل النوبة إلى الأخذ بقول الأعدل ولا وجه لجعل هذه الجهة متأخّرة عن التقديم بالأعدلية.  هذا مضافاً إلى ما وقع في ذيل الحديث من الخروج عمّا هو ظاهره في صدره، فإنّ الظاهر من الصدر تعارض الخبرين على نحو وقع المكلّف بين المحذورين كوجوب فعل وحرمته والسؤالات المترتّبة على السؤال الأوّل وأجوبتها تنطبق على ذلك ولا ينطبق عليه الأخذ بالحائطة للدين إذا دار الأمر بين وجوب فعل أو حرمته. نعم، ينطبق عليه الحكم بالتخيير. وكيف كان لا اعتبار بهذا الخبر بعد ما عرفت من ضعف سنده واضطراب متنه. والله هو العالم.

وأمّا الثانية: وهي المعروفة بـ «مقبولة» عمر بن حنظلة، فقد رواها المشايخ الثلاثة رضوان الله تعالى عليهم. وسندها على ما في التهذيب([14]) هكذا: محمّد بن عليّ بن محبوب،([15]) عن محمّد بن عيسى،([16]) عن صفوان،([17]) عن داود بن الحصين([18]) عن عمر بن حنظلة([19])...

 

وقد استشكل في الكفاية على الاستدلال بها لوجوب الترجيح بالمرجّحات المذكورة فيها:

أوّلاً: بقوة احتمال اختصاص الترجيح بها بمورد الحكومة وفصل الخصومة الّذي لابدّ منه، فلا مجال لدعوى شموله غير مورد الحكومة لا بالإطلاق لتوقّفه على انتفاء القدر المتيقّن المفقود في المقام، ولا بتنقيح المناط، لأنّه لا يمكن دعواه بالقطع.

وثانياً: أنّ الرواية على فرض دلالتها على وجوب الترجيح بالمرجّحات مختصّة بزمان حضور الإمام وإمكان التشرّف بلقائه×، فإنّ في آخره قال: «إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك» فلا تشمل زماننا الّذي لا يمكن لأحد الفوز بمثل هذا اللقاء.

وثالثاً: أنّ إطلاقات التخيير أظهر من المقبولة في وجوب الأخذ بالمرجّحات، لأنّ القول بوجوب الأخذ بها مستلزم لأن لا يبقى تحت إطلاقات التخيير إلّا الفرد النادر، فإنّه قلّ مورد يكون فاقداً لبعضها. والمناط کلّ المناط في تقديم المقيّد على المطلق كونه أظهر في الدلالة على معناه من المطلق وصيرورة المطلق محمولاً على الفرد النادر بالتقييد مانع من أظهريته في الدلالة على تقييد المطلق من ظهور المطلق في الإطلاق، فلابدّ إمّا من القول بورود المقبولة في خصوص الحكومة، أو حملها على الاستحباب.([20])

ورابعاً: يدلّ على أظهرية أخبار التخيير الاختلاف الواقع الكثير بين أخبار الترجيح.

وخامساً: بأنّ أخبار موافقة الكتاب أو مخالفة القوم ليست من أخبار باب علاج التعارض بالمرجّحات، لأنّ المستفاد منهما عدم حجّية المخالف للكتاب والموافق للقوم منهما، فمثل ما ورد في أنّ المخالف للكتاب زخرف أو باطل أو يـضرب على الجدار، معناه عدم الحجّية رأساً، وكذا الخبر الموافق للقوم يصير موهوناً به مع معارضة المخالف لهم له ويسقط به الأصل المثبت صدوره لأجل بيان الحكم الواقعي فيسقط

 

عن الاعتبار ويخرج من باب التعارض. وعلى فرض أن نقول: إنّ أخبار موافقة الكتاب ومخالفة القوم تفيد ترجيح إحدى الحجّتين على الاُخرى نمنع أظهريّتها بالإطلاق على ظهور أخبار التخيير فيه، فلابدّ من حملها على الاستحباب إن لم نقل بكونها في مقام تمييز الحجّة عن اللاحجّة.

وسادساً: يلزم من عدم التوفيق بين أخبار موافقة الكتاب ومخالفة القوم وأخبار التخيير ـ بحمل الاُولى على تعيين الحجّة عن اللاحجّة، أو الاستحباب ـ تقييد الطائفة الاُولى بعضها ببعض مع إبائها عنه.

بيان ذلك: أنّه إذا كان الخبر الموافق للكتاب مخالفاً للقوم أو المخالف للكتاب موافقاً للقوم، فطريق الترجيح معلوم. وأمّا إذا كان الخبر الموافق للكتاب موافقاً لهم والمخالف للكتاب مخالفاً لهم، فيقع التعارض بين ما يدلّ على الأخذ بموافق الكتاب وما يدلّ على الأخذ بما هو مخالف للعامّة، وما يدلّ على ترك المخالف للكتاب وترك الموافق للعامّة، فلابدّ من القول بتقييد ما دلّ على الأخذ بالموافق للكتاب بما إذا لم يكن مخالفاً للعامّة مع أنّ هذه الأخبار مثل: «ما خالف قول ربّنا لم أقله، أو زخرف، أو باطل» تكون آبية عن التقييد.

وسابعاً: لو لم تحمل أخبار الترجيح على الاستحباب يلزم منه في أخبار التخيير ارتكاب ترك الاستفصال من الإمام× والسكوت في مقام البيان.

وبالجملة: يظهر من جميع ما ذكر أنّ إطلاقات التخيير محكمة ليس في الأخبار ما يصلح لتقييدها.([21])

أقول: يمكن الجواب أمّا عن الإشكال الأوّل، بأنّ المقبولة ناظرة إلى تعارض

 

الروايتين اللتين استند بهما الحَكَمين بما أنّهما روايتان متعارضتان، ولا نظر فيها إلى تعارض الحكمين، كما إذا كان حكمهما باجتهادهما في الروايات وتطبيقهما على المورد، ففي مثل ذلك يحكم مثلاً بأنّ الحكم ما حكم به أعلمهما. ولكن في المقام كأنّه لا خلاف بينهما في الموضوع وأنّ کلّا من الروايتين تنطبق عليه، إلّا أنّه لا يمكن الجمع بينهما، فكأن کلّ واحد منهما سأل عن حكم الموضوع حسب الرواية عمّن اختاره فأخبر کلّ منهما صاحبه برواية تتعارض رواية الآخر، فأعطى الإمام× القاعدة لرفع التعارض بين الروايتين، لا خصوص الحَكَمين، أو الحكمين لأن کلّ واحد منهما لم يجعل صاحبه حَكَماً ولم يسأله عن حكمه في الواقعة بل سأله عما هو عنده من روايات الأئمّة^ فاختلفا في حديثهما عنهما، فقال الإمام×:«الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث». ولم يسأل السائل عن حكم ما إذا اختلفا في أنّ أيّاً منهما بهذه الصفات، وسأل عن أنّهما عدلان مرضيّان فأجاب الإمام× بما أجاب. ولم يسأله الراوي أيضاً عن صورة اختلافهما في الحكم المجمع عليه. وكذا لم يسأل عن صورة الاختلاف في الموارد الآتية، فكأنّه سأل عن حكم نفسه في صورة اختلاف الرواة. فظهورها في رفع التعارض بين الروايات أظهر من ظهورها في مقام فصل الخصومات وإن كان للقاضي أن يعمل بها كما أنّ للمفتي العمل بها. والله هو العالم.

وأمّا الإشكال الثاني، فيمكن الجواب عنه بأنّ انتهاء الأمر إلى لقاء الإمام× في عصـر الحضور لا يوجب رفع اليد عن القواعد المذكورة قبل ذلك.

نعم، يأتي الكلام في أنّ في عصر الغيبة إذا انتهى الأمر إلى ما ذكر في الرواية كيف يكون العمل؟

ويمكن الجواب، بأنّه إن أمكن الاحتياط يحتاط، وإلّا فيعمل بما يقتضيه الأصل، وإن لم يمكن فهو بالخيار.

 

وأمّا الإشكال الثالث، فهو يرد لو قلنا بالتجاوز عن المرجّحات المنصوصة إلى غيرها. وأمّا إن لم نقل به واقتصرنا بالمنصوصة منها يكون ما يبقى تحت إطلاقات التخيير أكثر مما يخرج منها بالتقييد.

وأمّا الإشكال الرابع، فيمكن أن يقال: إنّ بعد رفع اليد عن المرفوعة والبناء على عدم حجّيتها ـ كما هي كذلك ـ يخرج الاختلاف بين أخبار العلاج عن الكثرة.

ويمكن الجمع بينها بتقديم ما يرجع به السند على ما فيه الترجيح لجهة الصدور.

وعلى فرض تعارضها وعدم تقديم بعضها على البعض ـ لما ذكر ـ يقال بالتخيير في مورد تعارض المرجّحات لا مطلقاً، فيؤخذ بذي المزيّة إذا لم يكن المعارض له كذلك.

وأمّا الجواب عن الإشكال الخامس، فيرد بأنّ ما هو خارج من الأخبار العلاجية ما يخالف الكتاب بالتباين دون ما كان مخالفاً لعمومه أو لإطلاقه؛ فإنّه لا ريب في صحّة تخصيص عموم الكتاب وكذا تقييد إطلاقه بالسنّة، فإذا كان أحد المتعارضين موافقاً لعموم الكتاب والآخر مخصّصاً له يقدّم ما يوافق العموم على المخالف له.

وأمّا ما يدلّ على الترجيح بمخالفة العامّة فلا وجه لخروجه عن أخبار العلاج، فإنّ مجرّد كون الخبر مخالفاً للعامّة لا يجعله موثوق الصدور ولا صادراً لبيان الواقع، كما أنّ مجرّد كونه موافقاً لهم لا يجعله غير موثوق الصدور ولا صادراً لعدم بيان الواقع.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إذا كان أحد الخبرين مخالفاً للعامّة لا يحتمل صدوره للتقيّة دون الّذي هو موافق لهم، فإذا كان سند کلّ منهما قطعياً يكون ترجيح المخالف لهم من تقديم الحجّة على اللاحجّة. نعم، إذا كان سند کلّ منهما ظنّياً يكون الترجيح للأخبار العلاجية، فتدبّر.

وأمّا الجواب عن الإشكال السادس، فيعلم ممّا ذكرنا في الجواب عن الخامس، فإنّه لا يمكن تقييد ما دلّ على ترك المخالف للكتاب بما إذا لم يكن مخالفاً للعامّة إذا كان مرادنا من المخالف ما خالف الكتاب بالتباين لا ما خالفه بالعموم أو الخصوص.

 

وأمّا الإشكال السابع، فشبهة ترك الاستفصال والسكوت في مقام البيان قويّة. واحتمال أن يكون ذلك لمصلحة في مثل المورد بعيد جدّاً.

اللّهمّ إلّا أن يقال بعدم وجود دليل معتبر على التخيير لا يخلو من المناقشة في سنده.

وفي قبال ذلك استبعاد حمل المقبولة على الاستحباب أيضاً قريب جدّاً، لأنّ احتمال كون ذي المزيّة أقوى وأقرب من غيره يقتضـي الحكم بتعيّنه ووجوب العمل به، ولا وجه للاستحباب في المقام.

فيتلخّص من ذلك کلّه أنّ الأقوى هو الأخذ بالمرجّحات المنصوصة مهما أمكن، وإلّا فهو بالخيار. والله هو العالم.

 

 

([1]) لا يخفى عليك: أنّه قد انتهى ما وجد من إفادات سيّدنا الاُستاذ بقلم الفاضل المقرّر تغمّدهما الله برحمته بهذا الفصل، وبقي كتابه من الأخبار العلاجية إلى آخر مباحث الاجتهاد والتقليد ناقصاً. ولا حول ولا قوّة إلّا بالله‏، وإنّا لله‏ وإنّا إليه راجعون. [منه دام ظلّه العالي].

([2]) الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص108. في احتجاجات الإمام الصادق×. والحسن بن جهم بن بكير بن أعين أبو محمد الشيباني ثقة... له كتاب، من السادسة.

([3]) الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص108 - 109. والحارث بن المغيرة أبو عليّ النصري، ثقة ثقة، من الرابعة أو الخامسة.

([4]) الظاهر أنّه ابن عيسى الأشعري شيخ القميّين...، من السابعة.

([5]) قمّي ثقة له كتب، من كبار السابعة.

([6]) ثقة جليل القدر، له ثلاثة وثلاثون كتاباً، من كبار الطبقة السابعة.

([7]) لم أقف على ترجمته، ويكفي في الاعتماد عليه اعتماد عليّ بن مهزيار على كتابه.

([8]) الطوسي، تهذیب الأحکام، ج3، ص250، ب 23، ح 583/92.

([9]) ابن جعفر بن الحسين بن جعفر بن جامع بن مالك الحميري أبو جعفر القمي، كان ثقة وجهاً كاتب صاحب الأمر×...، كان من الثامنة.

([10]) الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص303 304، في توقيعات الناحية المقدسة.

([11]) الکلیني، الكافي، ج1، ص66، باب اختلاف الحديث، ح7؛ ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، ج4، ص133، ح230.

([12]) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، أبواب صفات القاضي، ج27، ص154 175، ب12.

([13]) ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، ج4، ص133، ح 229.

([14]) الطوسي، تهذيب الأحکام، ج6، ص301 302، ب 6، من الزيادات في القضایا والأحکام، ح845/52. راجع: أيضاً الکلیني، الكافي، ج1، ص67، باب اختلاف الحديث، ح10.

([15]) الأشعريّ القمّي، شيخ القميّين، ثقة عين فقيه صحيح المذهب، له كتب.

([16]) ابن عبدالله الأشعري، شيخ القميّين ووجه الأشاعرة.

([17]) ابن يحيى، أوثق أهل زمانه...، له ثلاثون كتاباً.

([18]) ثقة واقفي.

([19]) العجلي الكوفي، وثّقه الشهيد الثاني، وروى الكليني بإسناده عن أبي عبد الله‏× ما يدلّ على صدقه في الحديث.

([20]) كما حمل السيّد الصدر+ شارح الوافية جميع أخبار الترجيح على الاستحباب، فراجع.

([21]) الخراساني، كفاية الاُصول، ج2، ص392 ـ 395. وانظر بعض الإشكالات أيضاً في فرائد الاُصول (الأنصاري، ص445)، المقام الثاني: في ذكر الأخبار الواردة...

موضوع: 
نويسنده: