بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام علی النقی الهادی علیه‌السلام: «لَولا مَن يَبقی بَعد غيبةِ قائِمنا عَليه‌‌السلام مِن العُلَماء الدَّاعينَ إليهِ وَ الدَّالِّين عَليه وَ الذَّابِّين عَن دِينه ... لَما بَقِي أحدٌ إلّا ارتدّ عَن دينِ الله»...
چهارشنبه: 7/فرو/1398 (الأربعاء: 20/رجب/1440)

إشكال التصويب

وأمّا الإشكال بأنّ الذهاب إلى الإجزاء في مسألتنا هذه موجب للتصويب المجمع على بطلانه.

فيظهر جوابه بعد ذكر مقدّمة وهي: أنّ مسألة التخطئة والتصويب من المسائل المذكورة في الكتب الكلامية من أوائل ظهور علم الكلام، وكذلك الكتب الاُصولية من زمن الشيخ الطوسي+ الّذي هو أوّل من صنّف في الاُصول كتاباً مفصّلاً وهو «العدّة»([1]) بعدما صنّف فيه اُستاذه الـشريف المرتـضى+ كتابه المـختصر الموسوم بـ «الذريعة».

وبيانها: أنّه هل يكون لله تعالى بعدد آراء المجتهدين أحكام مختلفة حتى يكون كلّهم مصيبين أم لا؟ بل يكون حكم الله في حقّ الجميع واحداً ولا يكون المصيب من الآراء غير رأي واحد، فكلّ من كان رأيه مخالفاً لذلك الرأي يكون مخطئاً لا محالة.

واختلف القائلون بالتخطئة بأنّ المخطئ معذور أم لا؟ ونقل عن بعض معتزلة بغداد الذهاب إلى فسق المخطئ. وذهب الأكثر إلى معذوريّته.

إذا عرفت ذلك، يظهر لك عدم وجود الإجماع من جميع الاُمّة على بطلان التصويب. وأمّا إجماع الإمامية، فمن الواضح أنّ حجّية إجماعهم إنّما تكون من جهة

 

أنّهم أصحاب النصّ، بمعنى أنّهم لا يقولون ولا يفتون بمقـتضى عقولهم والاستحسانات، كما يعملون أصحاب القياس في الأحكام الـشرعية، فهم معتقدون أنّ النصّ الصادر من الأئمّة^ حجّة كالنصّ الصادر من النبيّ|، وذلك بمقتـضى النصوص المعتبرة، منها حدّيث الثقلين عنه|.

وهذه، أي حجّية أقوالهم وآرائهم، غير الخلافة والرئاسة العامّة التي تدّعي الشيعة أنّها لهم^، بل ولو لم نقل بذلك فلابدّ من القول بحجّية آرائهم^ بمقتضى الحديث الشريف المذكور وأمثاله.([2])

فإذا ثبت إجماع الإماميّة على مسألة وتوافقهم عليها خلفاً عن سلف مع علمنا بأنّهم لا يقولون من عند أنفسهم ولا يتّبعون مقتضى رأيهم ولا يفتون إلّا بما عن النبيّ والأئمّة ـ صلوات الله‏ عليهم أجمعين ـ فنكشف من ذلك قول أئمّتهم^ ومطابقته لما أجمعوا عليه.

ولكن هذا الإجماع لم يقم في ما نحن فيه. وإنّما الشيخ+ قال في «العدّة» بإجماع المتکلّمين من المتقدّمين والمتأخّرين من الإمامية على بطلان التصويب.([3])وهذا كما ترى غير الإجماع المصطلح المعلوم حجّیته عندنا وإن كان للمتكلمين على بطلان التصويب دلائل قطعية بأنّ حكم الله في حقّ الجاهل والعالم على حدّ سواء، ولكن أنّى هذا من الإجماع المصطلح، فلا يمكن للخصم أن يتمسّك به لردّ ما اخترناه من أنّه يوجب التصويب المجمع على بطلانه.

هذا، مضافاً إلى أنّ مختارنا ليس من التصويب الّذي قد اُدّعي الإجماع على بطلانه؛ لأنّا نقول بأنّ الحكم الواقعي مطلق وغير مقيّد بصورة العلم والجهل، بل تقيّده بذلك ممتنع، لأنهّ مستلزم للدور، ولكن الشارع الحاكم حيث يرى عدم إمكان تحريك

 

الجاهل بسبب الأمر وعدم انبعاثه من ذلك الحكم المطلق، فلا يريد انبعاثه من الحكم إلّا في صورة علمه به.

فإنشاء الحكم غير مقيّد بصورة العلم والجهل، ولكنّ الحكم حيث ينشأ لأن يكون محرّكاً للمكلّف وباعثاً له نحو الفعل؛ فلا يمكن أن يكون علّة لانبعاث الجاهل، فلابدّ للآمر أن يريد بذلك الحكم انبعاث العالم.

ولو أراد صدور الفعل من الجميع فعليه أن يتوصّل إلى مراده بإلقاء خطاب آخر يكون متوجّهاً إلى المكلّف في ظرف الشكّ والجهل بإيجاب الاحتياط والإتيان بجميع المحتملات، وحيث إنّ ذلك موجب لاختلال النظام من جهة العـسر الشديد، فله أن يوسّع دائرة المأمور به بتوسّط خطاب آخر في ظرف الجهل والشك. ويمكن أن يكون هذا الخطاب دليلاً على عدم الفرق بين العالم والجاهل بالنسبة إلى حكم الله‏ الواقعي، فإنّ مقتـضى الجمع بين هذا الخطاب ودليل أصل التكليف أنّ المأمور به هو طبيعة الصلاة وعنوانها إلّا أنّ لها فرداً بحسب حال الاختيار والعلم وهو الصلاة الواجدة لجميع الأجزاء والشـرائط وفرداً بحسب حال الاضطرار أو الشكّ وهو الصلاة الفاقدة للسورة مثلاً، فكما أنّ الأوّل يكون موجباً للإجزاء فليكن الثاني أيضاً مثله.

وعلى کلّ حال لا مانع من القول بإجزاء المأمور به بالأمر الظاهري بحسب مقام الثبوت كما أنّه لا إشكال فيه بحسب مقام الإثبات أيضاً، وقد ظهر وجهه ممّا قدّمناه.

وأمّا ما في بعض الأذهان من تفويت المصلحة في صورة تأدية الحكم الظاهري إلى عدم جزئية شيء مع كونه جزءً للمأمور به.

فيمكن أن يقال في مقام رفعه بأنّ المصلحة كما يمكن أن تكون في ذات المأمور به يمكن أن تحصل فيه بسبب تعلّق الأمر به، فأمر الشارع مثلاً بالصلاة المرکّبة من القيام

 

والسجود والركوع والتشهّد وغيرها يكون موجباً لحصول مصلحة في الصلاة، كذلك أمره بالصلاة المركّبة من القيام والسجود والركوع غير التشهّد مثلاً، سبب لحصول المصلحة المقصودة منها، ففي کلّ من الصورتين يمكن القول بعدم المصلحة إذا لم يتعلّق الأمر بها.

وبالجملة: فنحن لا نتصوّر معنىً للمصلحة في هذه الموارد إلّا حصول التعبّد وإطاعة المولى، وهذا كما يمكن أن يحصل بإتيان الصلاة في الصورة الاُولى، كذلك لا مانع من حصوله في الصورة الثانية أيضاً، وهذا معنى إيجاد الأمر المصلحة في المأمور به.

ثم إنّه قد تلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّه وإن صار كلام المتقدّمين كالعلّامة والمحقّق وغيرهما موجباً لتوهّم تعدّد المأمور به في حال الاضطرار وفي حال الشكّ والجهل ولذلك ذهبوا إلى عدم الإجزاء إلّا في بعض الصور، ولكنّك بعد الإحاطة بما تلوناه عليك وبعد التدبّر في كلماتهم تعرف أنّ مرادهم هو كون المكلّف به في جميع الموارد واحداً إلّا أنّ له أفراداً متعدّدة، فالمكلّف إذا أتى بما هو فرد للمأمور به أجزأ عنه، سواء كان ذلك الفرد فرداً له في حال الاضطرار أو الاختيار أو في حال العلم أو الجهل.

فمرادهم من الإجزاء أنّ المأمور قد أتى بما هو فرد للطبيعة المأمور بها، لأنّ المستفاد من قوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أوْ رُكْبَاناً...([4])الآية؛ وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا...([5])الآية؛ وقوله×: «كلّ شيءٍ نظيف...» الحدیث؛([6]) وقوله×: «كلّ

 

ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو»؛([7]) وغيرها أنّ الصلاة المأتيّ بها في جميع هذه الأحوال ولو كانت فاقدةً لجزءٍ أو شرطٍ هي فرد للصلاة المأمور بها.

هذا تمام الكلام في مبحث الإجزاء. والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على خير خلقه أجمعين محمّد وآله الطاهرين، ولعنة الله‏ على أعدائهم أجمعين.

 

 

 

([1]) الطوسي، العدّة في اُصول الفقه، ج2، ص725 ـ 726.

([2]) راجع في ذلك کتابنا: «أمان الاُمّة من الضلال والاختلاف».

([3]) الطوسي، عدّة الاُصول، ج2، ص725-726.

([4]) البقرة، 239.

([5]) المائدة، 6.

([6])الطوسي، تهذیب الأحکام، ج1، ص284-285، ب12، ح832/119، باب تطهیر الثیاب؛ الحرّ العاملي، وسائل الشیعة، کتاب الطهارة، أبواب النجاسات، ج3، ص467، ب37، ح4.

([7]) الطوسي، تهذیب الأحکام، ج2، ص344، ح1426/14؛ الحرّ العاملي، وسائل الشیعة، کتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ج8، ص237-238، ب23، ح3.

موضوع: 
نويسنده: 
کليد واژه: